الشركات الناشئة التقنية.. توسّع واعد في مواجهة تحديات البنية التحتية والفجوة الرقمية

زمن القراءة: 10 دقائق

يبرز التحول الرقمي ودعم الشركات الناشئة اليوم كأحد أهم المسارات المطروحة لإعادة تحريك السوق وخلق فرص عمل جديدة، وضمن هذا السياق، أطلقت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات مؤخراً “الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية”، في محاولة لبناء بيئة رقمية داعمة للابتكار وتعزيز الاقتصاد القائم على الحلول التقنية.

وخلال إطلاق الاجندة في 15 من نيسان الماضي، أكد وزير الاتّصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، أن “الإرادة السوريّة هي رأس المال الحقيقي في مرحلة التعافي”، معلناً خطة لتأسيس 1000 شركة تقنية خلال ثلاث سنوات، والعمل على تأمين تمويل بقيمة 200 مليون دولار، مشيراً إلى تشكيل لجنة لتفعيل التجارة الإلكترونية.

وتأتي هذه الخطوة في ظل نمو متسارع للقطاع، مع وجود أكثر من 200 شركة ناشئة ونحو 150 ألف كادر تقني، وارتفاع النشاط الريادي بنسبة 350 بالمئة مقارنة بعام 2024.

وبين الطموحات والواقع الحالي، يبرز سؤال حول الأثر الفعلي لهذه السياسات: كيف يمكن أن تنعكس على المجتمع والاقتصاد؟ وهل تسهم فعلاً في تحسين الواقع المعيشي، أم تعيد إنتاج تحديات جديدة بشكل مختلف؟

مسار متكامل

يضع مستشار الابتكار وريادة الأعمال في وزارة الاتصالات أحمد سفيان بيرم، الأرقام المعلنة ضمن سياق مختلف عن كونها وعوداً، ويقول لصحيفة “الثورة السورية” إنها نتيجة لمسار يجري العمل عليه، ويركز على أن العمل ينصب حالياً على تحسين البيئة التنظيمية، وتفعيل قنوات التمويل، وبناء خط مستمر من الشركات القابلة للاستثمار.

ويرى بيرم أن قياس التقدم يرتبط بمؤشرات دورية مثل عدد الشركات النشطة، وحجم التمويل المستقطب، وعدد الصفقات الاستثمارية. كما يؤكد أن هذه الأرقام “ليست هدفاً بحد ذاته، هي نتيجة متوقعة لتنفيذ الأجندة الوطنية”، ضمن جهد تشاركي بين الحكومة والقطاع الخاص ورواد الأعمال.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي عامر ديب، أن إطلاق “الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية” يمثل انتقالاً جذرياً من اقتصاد تقليدي محدود إلى اقتصاد قائم على المعرفة، حيث لا يعود النمو مرتبطاً بالموارد فقط، بل بالإنتاج المعرفي والتقني القادر على خلق قيمة مضافة أعلى.

ويقول ديب لصحيفة “الثورة السورية”، إن استقطاب الشركات الناشئة يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية للنمو عبر تنويع القاعدة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية، مع إدخال البرمجيات والخدمات الرقمية كمسار اقتصادي جديد.

كما يلفت إلى أن مرونة هذه الشركات تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على التكيف مع الأزمات، إضافة إلى دورها في جذب تدفقات نقدية خارجية من خلال تصدير الخدمات الرقمية، ما يوفر قطعاً أجنبياً دون أعباء لوجستية مرتفعة.

وفي الانعكاس المجتمعي، ترى الباحثة في العلوم الاجتماعية لينا دقو، أن الشركات الناشئة الرقمية تمثل مدخلاً لإعادة تشكيل الحياة اليومية للأفراد، من خلال خلق فرص عمل جديدة، وإعادة تعريف مفهوم العمل ذاته.

وتشير إلى أن انتشار هذه الشركات يرفع الطلب على مهارات مثل البرمجة والتسويق الرقمي والعمل عن بُعد، ما يفتح المجال أمام فئات شبابية واسعة للدخول إلى سوق العمل دون الحاجة إلى الهجرة أو الالتزام بالنمط التقليدي.

وتوضح دقو لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذا التحول يحمل في طياته جانباً إشكالياً، حيث قد يؤدي إلى هشاشة وظيفية نتيجة الاعتماد على مشاريع قصيرة الأمد أو اقتصاد العمل الحر، ما يضعف الاستقرار الاجتماعي، كما أن إدخال خدمات رقمية في مجالات التعليم والصحة والنقل والخدمات المالية من شأنه أن يغيّر أنماط المعيشة ويزيد الاعتماد على التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية.

مرحلة انتقالية

حول واقع التحول الرقمي، يوضح البيرم أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية بين بناء الأساس وتقديم خدمات ملموسة، ويشير إلى وجود تقدم في البنية التحتية الرقمية وإطلاق خدمات حكومية محسّنة، مع التأكيد على أن التحول لم يكتمل بعد، فلا يرتبط المعيار بحسب طرحه بعدد المنصات بقدر ما يتعلق بجودة الخدمات التي تنعكس فعلياً على حياة المواطنين.

وبين مفهوم العدالة والتفاوت الاجتماعي، تطرح دقو مسألة التحول الرقمي كإشكالية مركزية، “هل التكنولوجيا أداة للعدالة أم لإعادة إنتاج التفاوت؟”، معتبرة أن السؤال يتعلق بالنتائج الاجتماعية للتكنولوجيا، وتشير إلى أن التحول الرقمي قد يوسّع الوصول إلى الخدمات، خاصة في المناطق المهمّشة، عبر التعليم الإلكتروني والخدمات الحكومية الرقمية، كما يمكن أن يخلق فرصاً اقتصادية لفئات لم تكن مندمجة سابقاً.

لكنها تحذر في المقابل من “الفجوة الرقمية”، أي التفاوت في القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها، وتوضح أن هذا التفاوت في الحالة السورية قد يظهر بين سكان المدن والأرياف، وبين المتعلمين رقمياً وغير المؤهلين، وكذلك بين الفئات القادرة اقتصادياً وتلك التي تعيش تحت ضغط الفقر، حيث يصبح الوصول إلى التكنولوجيا ترفاً لدى بعض الفئات.

من جهته، يتناول ديب هذه المبادرات بوصفها توجهاً يهدف إلى تغيير “هوية” العامل السوري وليس مجرد زيادة في الفرص.

ويوضح أن الاتجاه سيكون نحو وظائف عالية القيمة مثل تطوير البرمجيات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، وهي وظائف ذات أجور أعلى عالمياً، مما يعيد تشكيل هيكل السوق.

كما يربط ذلك بإمكانية الحد من هجرة الكفاءات عبر توفير بيئة ريادية محلية (Startup Ecosystem)، حيث يمكنهم العمل عالمياً من داخل سوريا، إلى جانب تعزيز ثقافة العمل الحر (Freelancing) المرتبط بالمنصات الرقمية، بما يسرّع من استيعاب الخريجين الجدد.

300 شركة ناشئة

يكشف البيرم عن وجود أكثر من 300 شركة ناشئة تقنية تعمل حالياً في سوريا، معتبراً أنها تمثّل ركيزة أساسية في مشهد التحول الرقمي. ويؤكد أن هذه الشركات شريك في بناء الحلول، لما تمتلكه من سرعة ومرونة في الابتكار، وقدرة على تطوير خدمات تستجيب لحاجات السوق المحلية.

وفيما يتعلق بآليات إدماج الشركات الناشئة، يوضح البيرم أن العملية تتم عبر مسارات متعددة، تشمل الشراكات المباشرة، والبرامج المرتبطة باحتياجات حكومية، إضافة إلى التحديات المفتوحة. ويشير إلى أن هذا النموذج لا يزال قيد التطوير على المستوى المؤسسي، مع توجه نحو بناء منظومة تتيح دمج الشركات الناشئة بشكل مستمر في تنفيذ الحلول، بدلاً من الاعتماد على مبادرات متفرقة.

وبالنسبة لتحقيق أثر اقتصادي ملموس لهذه المبادرة في المدى المتوسط (3-5 سنوات)، يرى ديب أنه ممكن خاصة مع استهداف 1000 شركة، لكنه مشروط ببيئة حاضنة جاهزة متكاملة، إذ “لا يمكن للشركات التقنية النمو بالقروض البنكية التقليدية، تحتاج لبيئة استثمارية تسمح بدخول المستثمرين كشركاء في المخاطر”، مؤكداً أهمية التمويل الجريء (Venture Capital)، إلى جانب تشريعات مرنة تسهّل تسجيل الشركات وتحمي الملكية الفكرية وتنظيم المدفوعات الإلكترونية العابرة للحدود.

كما يشدد على أن البنية التحتية الرقمية وضمان استقرار خدمات الإنترنت والكهرباء التي تمثل الأساس، باعتبارها “المادة الخام” لهذا القطاع، مع ضرورة ربط التعليم الأكاديمي بمتطلبات السوق.

إلا أن انعكاسات التحول الرقمي، وفق دقو، تمتد إلى البنية الثقافية والسلوكية للمجتمع. وتشير إلى أن انتشار الحلول الرقمية قد يعيد تشكيل العلاقة مع الدولة من خلال الانتقال من البيروقراطية الورقية إلى الخدمات الإلكترونية، ما قد يعزز الكفاءة والشفافية، لكنه يتطلب في المقابل بناء ثقة رقمية ومؤسساتية.

كما تلفت إلى أن الاعتماد المتزايد على التطبيقات قد يقلل من التفاعل المباشر ويعيد صياغة العلاقات الاجتماعية، في حين أن التحول نحو العمل الرقمي أو الحر قد يعزز الفردانية على حساب الروابط المهنية التقليدية. وتضيف أن الانفتاح على الاقتصاد الرقمي العالمي قد يسرّع من هذه التحولات الثقافية.

طموحات وتحديات

في مواجهة الانتقادات التي تعتبر الأرقام المعلنة طموحة أكثر من اللازم، يقرّ البيرم بذلك، لكنه يربطها برؤية أوسع، ويقول: “هي طموحة نعم، لكنها مبنية على رؤية واضحة لما يمكن أن تصل إليه سوريا إذا تم تفعيل الإمكانيات الموجودة”.

ويؤكد أن البيئة الحالية ليست جاهزة بالكامل، لكن يجري العمل على تطويرها لتكون قادرة على تحقيق هذه الأهداف، مع التشديد على أن الأهم ليس الرقم بحد ذاته، وإنما بناء منظومة مستدامة قادرة على النمو لاحقاً.

من جهتها، تقدّم دقو قراءة مزدوجة لتوجه دعم الشركات الناشئة والتحول الرقمي، معتبرة أنه يحمل فرصاً واضحة وتحديات موازية. فمن جهة، يمكن أن يسهم في تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات، وإدماج سوريا في الاقتصاد الرقمي العالمي، إضافة إلى دعم الابتكار.

ومن جهة أخرى، تشير إلى تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق، ومخاطر تعميق الفجوة الاجتماعية، وغياب أطر تنظيمية ناضجة أحياناً، إضافة إلى احتمال تركز الاستفادة في فئات محدودة، وتحديات الثقة بالمؤسسات.

وتخلص إلى أن هذا المسار، رغم ما يحمله من فرص واعدة، “ليس محايداً اجتماعياً”، إذ يمكن أن يساهم في تحقيق تنمية شاملة أو في تعميق التفاوتات القائمة. وتؤكد أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية توظيف التكنولوجيا لبناء مجتمع أكثر عدالة وتماسكاً، لا أكثر انقساماً.

ويرى ديب أن نجاح الأجندة في خلق أول 1000 شركة يعني انتقال قطاع التكنولوجيا من دور خدمي مساعد إلى قطاع سيادي يقود النمو، ما يعزز موقع سوريا على الخارطة الرقمية الإقليمية. لكنه يلفت إلى أن هذا التحول لا يخلو من تحديات تتعلق بالبنية التحتية والقدرة على التنفيذ، مشدداً على أن التحدي يبرز “بين الواقع والطموحات”.

ويبقى المسار بين ما يُطرح من وعود وما يفرضه الواقع مفتوحاً على أكثر من احتمال، ويظل التحدي قائماً حول الاتجاه الذي ستأخذه هذه التحولات فعلياً وانعكاساتها في حياة الناس وسوق العمل.

ميسون حداد

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار