سوريا 2026.. من «جغرافيا الأزمة» إلى «مقاصة الطاقة» والتعافي الهش

زمن القراءة: 7 دقائق

في الوقت الذي تنشغل فيه الدبلوماسية العالمية بترميم المسارات السياسية في الشرق الأوسط، كانت الأيام الثلاثة الماضية تشهد حراكاً «جيو-اقتصادياً» صامتاً في دمشق، يضع الدولة السورية أمام اختبار «الشرعية الاقتصادية». فالمعادلة اليوم لم تعد تقتصر على إعادة الإعمار فحسب، بل في قدرة دمشق على التحول من «ثقب أسود» في خارطة الطاقة إلى «عقدة ربط» إقليمية قادرة على حماية عملتها الوطنية من التآكل وتوفير حد أدنى من القوة الشرائية لمواطنيها.

جيوسياسة العبور.. خط الغاز العربي كشريان سيادي

تمثلت أهم أحداث الساعات الماضية في الانتقال من التفاهمات النظرية إلى التشغيل التقني لخطوط الربط العابر للحدود، فقد كشفت البيانات الصادرة أمس 28 نيسان عن استئناف ضخ الغاز الطبيعي عبر «خط الغاز العربي» بمعدل 70 مليون قدم مكعب يومياً، قادماً من الأردن باتجاه الأراضي السورية وصولاً إلى لبنان.

هذا التطور يمنح دمشق ميزة رسوم العبور السيادية، وهي ليست مجرد تدفق نقدي بالعملة الصعبة، بل هي «صك اعتراف» بكون الجغرافيا السورية هي الممر الأكثر أماناً واستدامة لربط غاز المتوسط ومستودعات الطاقة العربية بالأسواق الشمالية، إن نجاح سوريا في الحفاظ على استقرار الشبكة الكهربائية لمدة 24 ساعة في مناطق حيوية مؤخراً هو المؤشر الأول على نجاح هذه المقايضة الاقتصادية التي تهدف إلى تحويل «الجغرافيا العبء» إلى «جغرافيا الممر».

 ممرات النفط البديلة ونموذج الخصخصة المرنة

في ظل التوترات الأمنية التي تعصف بمضيق هرمز وباب المندب، برزت ملامح استراتيجية دولية تهدف إلى جعل سوريا «رئة برية» بديلة، ويشير التحليل الاقتصادي لهذا الحراك إلى أن تأهيل أنبوب «كركوك-بانياس»، الذي يمكن أن تبلغ سعته 1.5 مليون برميل يومياً، صار ضرورة للأمن القومي لمنتجي النفط.

وبالتوازي مع ذلك، دشنت دمشق عصر «الشركات القابضة للطاقة والتعدين» عبر المراسيم 44، 45، و46 الصادرة في 27 الجاري، ما يكسر احتكار الدولة التقليدي ويجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، «FDI» ويعد دخول شركات كبرى مثل «أديس» السعودية وهي -المزود الرائد عالمياً لخدمات الحفر- لتطوير الحقول السورية، مع توقعات برفع الإنتاج بنسبة 25% في المدى المنظور، انعكاساً لثقة المستثمر الإقليمي في نموذج «الخصخصة المرنة» الذي تتبناه الحكومة الانتقالية.

الربط الشمالي مع تركيا.. تكامل أم تنافس؟

لم تقتصر التحركات على الجانب الجنوبي؛ فقد برزت يوم أمس ملامح تعاون طاقي متزايد مع أنقرة، حيث تخطط سوريا لرفع واردات الغاز عبر تركيا إلى 5.2 مليون متر مكعب يومياً، إلى جانب تأهيل خطوط الربط الكهربائي بين الريحانية وحارم بقدرة 180 ميغاواط.

إن تزامن هذا الربط مع الأردن جنوباً وتركيا شمالاً يحول الخريطة السورية إلى مقاصة طاقية «Energy Clearing House» ويمنح الدولة السورية أوراق ضغط سياسية هائلة، ويجعل استقرارها مصلحة مشتركة لجميع القوى الإقليمية، هذا الاعتماد المتبادل يحول قطاع الطاقة من سبب للصراع إلى محرك للتعافي الاقتصادي، ويقلل من احتمالات التوتر.

وقد منح صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير «ضوءاً أخضر» حذراً لهذا المسار، مشترطاً تحسين كفاءة وشفافية الإنفاق العام لاستقطاب استثمارات أجنبية تصل إلى 54 مليار دولار.

ربط البحار الأربعة.. سوريا كحلقة وصل بين ثلاث قارات

تأتي هذه التحركات انسجاماً مع رؤية دمشق التي طرحها الرئيس أحمد الشرع حول ربط البحار الأربعة «الأسود، المتوسط، الخليج العربي، وبحر قزوين»، التي تحول سوريا من مجرد دولة ممر إلى منصة لوجستية عالمية، هنا يبرز دور الموانئ السورية (اللاذقية، طرطوس، بانياس) كبوابات بحرية حيوية لا غنى عنها في هذه المعادلة، فإعادة تأهيل هذه الموانئ وتطويرها يزيد من قدرة سوريا على استقبال السفن وشحن البضائع، ويعزز موقعها كنقطة التقاء بين البحر المتوسط والخليج العربي، وبدون بنية تحتية مينائية قادرة على استيعاب الحركة التجارية المتوقعة، تبقى رؤية ربط البحار ناقصة.

هذا المشروع الطموح – ربط البحار الأربعة- يعني أن البضائع والطاقة والمسافرين سيعبرون الأراضي السورية بحرية بين ثلاث قارات، ما يزيد من قيمة رسوم العبور بشكل كبير، ويجعل الاستقرار السوري ضرورة اقتصادية وأمنية لدول الجوار والعالم.

إن نجاح سوريا في ترسيخ هذا الدور سيحولها من «ساحة صراع» إلى «عقدة ربط» لا يمكن استبدالها بأي ممر بديل، وهو ما ينسجم مع مفهوم «المقاصة الطاقية» الذي تقوم عليه رؤية التعافي الاقتصادي السوري.

 الموازنة الانفجارية.. 10.5 مليارات دولار في مهب التضخم

على المقلب الآخر من مشروعات الطاقة الكبرى، يبرز التحدي النقدي الصعب، فقد أكدت الحكومة أن موازنة عام 2026 والتي بلغت قيمتها 10.516 مليارات دولار، هي قفزة نوعية مقارنة بالأعوام السابقة، وتعتمد بنسبة 28% على إيرادات النفط والغاز.

إلا أن السوق الموازية سجلت في تداولات أمس 29 نيسان/ أبريل استقراراً حذراً لليرة عند 13,300 ليرة للدولار، وتكمن المخاطرة في أن هذا «النمو الورقي» للموازنة قد يبتلعه التضخم العالمي، حيث حذر البنك الدولي أمس من قفزة في أسعار الطاقة العالمية بنسبة 24% في عام 2026، ما يهدد بتآكل أثر زيادة الرواتب بنسبة 100% التي أُقرت مؤخراً، ويضع البلاد في فخ الركود التضخمي.

ويبقى السؤال الأكبر: هل ستسمح العقوبات الدولية المفروضة على سوريا بتدفق التمويل والاستثمارات اللازمة لهذه المشاريع العملاقة؟ فرغم الانفتاح السياسي، لا تزال القيود المصرفية والتهديد بالعقوبات الثانوية تشكل عقبة حقيقية أمام انخراط الشركات العالمية الكبرى، وغياب القنوات المالية الآمنة قد يبقي هذه الخطط حبيسة الأدراج رغم الإرادة السياسية، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الدبلوماسية السورية لتفكيك هذه القيود.

خلاصة القول، سوريا اليوم لا تبحث عن مجرد «إنارة شوارعها»، بل تعيد صياغة عقد اجتماعي واقتصادي يرتكز على السيادة الطاقية والاندماج الإقليمي. الأيام الثلاثة الماضية وضعت اللبنة الأولى لـ «اقتصاد الممرات»، لكن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة الحكومة على تحويل طموحات الموازنة إلى واقع معيشي ملموس، يحمي الليرة ويعيد الطبقة الوسطى إلى دورها كقاطرة للنمو.

ما حدث في الأيام الثلاثة الماضية يتجاوز كونه أخباراً اقتصادية، إنه إعادة رسم للخرائط الجيوسياسية بأقلام مهندسي الطاقة، إذا استمر هذا الزخم، ستنتقل سوريا بحلول عام 2027 من مرحلة «طلب المعونات» إلى مرحلة إدارة الثروات، ما يجعل استقرارها ضرورة وجودية ليس للسوريين فحسب، بل للاقتصاد العالمي الطامح للنمو عبر ممرات آمنة ومستقرة.

أمين الدريوسي

المصدر: الحرية

آخر الأخبار