خلال السنوات القليلة الماضية، قام عدد متزايد من الأقمار الصناعية الصينية والروسية والأمريكية بمراقبة وتتبع بعضها البعض بطرق يمكن استخدامها أيضاً لمهاجمة أصول العدو في المدار.
وقد صنّفت الولايات المتحدة عدداً من الأنشطة الصينية على أنها تجهيزات لـ«معارك جوية في الفضاء». وبذلك، فإن فكرة القتال في مدار الأرض ضرباً من الخيال.
وتكشف كتبٌ موضوعة لضباط الجيش الصيني، وما يقرب من مئة ورقة بحثية لعلماء مرتبطين بجيش التحرير الشعبي الصيني، استعرضتها صحيفة فاينانشال تايمز، كيف يتصور الجيش الصيني خوض حرب فضائية. من الأقمار الصناعية وضرب الأهداف الأرضية إلى تجاوز مشروع ستارلينك، تُقدّم هذه المادة أوضح صورة حتى الآن لاستراتيجية الصين في حشد الدعم للصراعات في الفضاء.
وكتب الخبير العسكري الصيني جيانغ ليانجو في كتابٍ صدر عام 2024: «بالنظر إلى السماء اليوم، نرى أن الفضاء مُغطّى بالفعل بدخان الصراع المُحتمل. وتمثل إمكانية تحقيق مكاسب كبيرة – عبر القدرة على السيطرة على الأرض من خلال السيطرة على الفضاء – حافزاً استراتيجياً وعسكرياً قوياً. ولذلك، أصبح تطوير قدرات الحرب الفضائية محوراً رئيسياً في سباق التسلح».
وقد تجلّى التوتر المُتصاعد في الفضاء في المواجهة التي جرت بين قمر المراقبة الصناعي الأمريكي «يو إس أيه 324» ونظير صيني في أبريل الماضي، والتي أتاحت للولايات المتحدة فرصةً للاطلاع عن كثب على منافس استراتيجي يسعى إلى تجاوز قدرات واشنطن.
ويُستخدم القمران الصناعيان الصينيان «تي جيه إس 16» و«تي جيه إس 17» رسمياً لاختبارات الاتصالات، ولكن هناك شكوكاً أيضاً في قيامهما بالمراقبة – وهي إحدى القدرات التي تُقلق الولايات المتحدة.
وأشار الجنرال تشانس سالتزمان، قائد القوات الفضائية الأمريكية، في شهادة له أمام لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين، والتي ترفع تقاريرها إلى الكونغرس بشأن العلاقات بين البلدين، إلى تطوير بكين لأجهزة التشويش والليزر والأقمار الصناعية القادرة على جذب الأجسام الأخرى إلى «مدار مقبرة» بعيد عن الأرض.
وأضاف سالتزمان في أول عقيدة للقوات الفضائية الأمريكية: «الفضاء مجال للحرب، وليس مجموعة من الأنشطة المساندة».
وتُصوّر القوات الفضائية مناوراتها على أنها دفاعية، إلا أن الخصائص التقنية للأقمار الصناعية، مثل القمر الصناعي يو إس أيه 324، ذات استخدام مزدوج بطبيعتها، شأنها شأن نظيراتها الصينية. ومع تعمق انعدام الثقة بين واشنطن وبكين، يتلاشى الخط الفاصل بين العمليات الروتينية وما يُعرف بنشاط مكافحة الفضاء، أي التحركات الرامية إلى تعطيل أو تدمير أصول الخصم في الفضاء.
ويمكن تتبع المخاوف بشأن تسليح الفضاء إلى تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في خمسينيات القرن الماضي، والتي تسافر عبر الفضاء في طريقها إلى هدفها. وفي وقت مبكر من عام 1996، صرّح الجنرال جوزيف آشي، القائد العام آنذاك لقيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية وقيادة الفضاء التابعة للقوات الجوية، قائلاً: «إنه موضوع حساس سياسياً، لكنه سيحدث.. سنخوض حرباً في الفضاء».
بعد ثلاثين عاماً، تتسابق الولايات المتحدة والصين للاستعداد لمثل هذا الصراع. ويدفعهما خوف من أن ضربة واحدة في الفضاء قد تُعطّل النظام العصبي المركزي الذي تعتمد عليه اقتصاداتهما وجيوشهما.
ويمكن أن تنهار الاتصالات وشبكات الطاقة وأنظمة الملاحة والأسواق المالية جميعها بدون الإشارات المنقولة عبر الأقمار الصناعية. وبالمثل، تعتمد الجيوش الحديثة اعتماداً كبيراً على الفضاء للقيادة والسيطرة والاتصالات وتوجيه الصواريخ.
يقول هوارد وانغ، الباحث في مركز راند للأبحاث في واشنطن، إن المفهوم الأساسي لاستراتيجية جيش التحرير الشعبي الصيني هو ضرب نقاط رئيسية في شبكة الخصم لشلّ عملية صنع القرار على امتداد سلسلة العمليات، بدءاً من جمع البيانات ونقلها وصولاً إلى تحليلها واتخاذ الإجراءات اللازمة.
كما ينبع سعي الصين لتعزيز قدراتها العسكرية في الفضاء من شعورها بالتهديد. ويُعدّ برنامج الفضاء الصيني محاولةً لمواجهة ما تعتبره الصين تفوقاً عسكرياً للولايات المتحدة في هذا المجال، تماماً مثلما قامت بتحديث وتوسيع ترسانتها النووية جزئياً خشية تحييدها بواسطة الدفاع الصاروخي الأمريكي.
وفي إشارة إلى طلب إدارة ترامب الأخير غير المسبوق لزيادة ميزانية البنتاغون – والذي سيرفع إنفاق القوات الفضائية الأمريكية بنحو 80 % ليصل إلى 76 مليار دولار العام المقبل – صرّحت وزارة الخارجية الصينية قائلةً: «نحثّ الجانب الأمريكي على وقف توسيع التسلح والاستعداد للحرب في الفضاء الخارجي، واتخاذ إجراءات ملموسة لحماية الاستقرار الاستراتيجي العالمي»، لكن الصين تعمل بالفعل على تطوير قدراتها الخاصة رداً على ذلك.
وفي يناير 2022، استخدم القمر الصناعي الصيني «شيجيان-21»، الذي أُطلق رسمياً لاختبار قدراته على إزالة الحطام الفضائي، ذراعاً آلية لسحب قمر صناعي ملاحة «بيدو» معطل إلى مدار المقبرة، حيث يتم التخلص من الحطام الفضائي.
وقد أثار هذا الأمر قلقاً بالغاً لدى الجنرالات الأمريكيين، نظراً لقدرة بكين على إسقاط قمر صناعي في مدار ثابت بالنسبة للأرض على بُعد حوالي 36,000 كيلومتر من الأرض – والتخلص منه على ارتفاع مئات الكيلومترات.
وبعد عام، حذّر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية من أن مثل هذه الأنشطة «تُثبت قدرة الصين على تشغيل أسلحة فضائية مضادة مستقبلية».
وفي عام 2024، أجرت خمسة أقمار صناعية تجريبية صينية، ثلاثة منها من طراز «شيجيان-24 سي» واثنان آخران يُطلق عليهما «شيجيان-6 05 أيه» و«شيجيان-6 05 بي»، سلسلة من المناورات قصيرة المدى – وهو سلوك تصنفه الولايات المتحدة ضمن إطار الاشتباكات الجوية.
تُظهر بيانات شركة «كومسبوك» لتحليلات الفضاء، اختباراً آخر أُجري في يونيو، حيث شارك قمران صناعيان صينيان في عملية «الالتقاء» في المدار الجغرافي الثابت، والتي يُحتمل أن تكون الأولى من نوعها. واقترب القمر الصناعي «شيجيان-25» من «شيجيان-21» وحاذى مساره، قبل أن يندمج القمران بصرياً في بيانات التتبع، مما يُشير إلى احتمال الالتحام.
ويُفسَّر هذا الإجراء على نطاق واسع بأنه أول عملية تزويد بالوقود في المدار، على الرغم من عدم وجود تأكيد مستقل. وتعتزم الولايات المتحدة تكرار هذه العملية هذا العام. وهذه الأنشطة ليست سوى غيض من فيض.
وكانت الولايات المتحدة تُطوِّر أسلحة متطورة مضادة للفضاء خلال فترة خدمة الجنرال آشي في التسعينيات. لكن أيام هيمنة واشنطن المطلقة في هذا المجال قد ولّت.
وتشارك الجامعات والمعاهد المرتبطة بجيش التحرير الشعبي الصيني في جهود بحثية مكثفة لتطوير تكنولوجيا الفضاء للاستخدامات العسكرية. وتغطي الأبحاث التي اطلعت عليها صحيفة فاينانشال تايمز مواضيع متنوعة، بدءاً من مهاجمة أنظمة الأقمار الصناعية المعادية وصولاً إلى الاتصالات غير القابلة للاختراق القائمة على الحوسبة الكمومية.
وفي العديد من الدراسات التابعة لجيش التحرير الشعبي، يصف الباحثون جهوداً لتطوير أدوات للصيانة في المدار، بما في ذلك أنظمة التزود بالوقود ومركبات فضائية متعددة الأذرع قادرة على التقاط الأهداف المتحركة. ويمكن لهذه القدرات أن تُطيل فترة خدمة الأقمار الصناعية وتُمكّنها من القيام بمناورات مراوغة، كما يمكن استخدامها ضد الأصول الفضائية للخصم.
ومن الناحية النظرية، لا يوجد الآن قمر صناعي خارج نطاق وصول الصين، بغض النظر عن بُعده عن الأرض. وقد مهّد أول اختبار صيني لصاروخ مضاد للأقمار الصناعية عام 2007 الطريق أمام نظام أرضي لاستهداف الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، وهي المنطقة الفضائية التي تبعد أقل من 2000 كيلومتر عن الأرض.
وفي تطور يراقبه البنتاغون بدقة، تُكثّف الصين أبحاثها في مجال استشعار وتحديد مواقع الأقمار الصناعية – وهي تقنيات تُمكن الصواريخ المضادة للسفن من تتبع الأهداف. ويُعد هذا الأمر محورياً في جهود بكين لتقييد حرية حركة البحرية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تعتبرها منطقة نفوذها.
وأصبحت الصين الآن قادرة على مسح المنطقة من ارتفاع 36000 كيلومتر. هي الدولة الوحيدة التي تُشغل رادار الفتحة التركيبية – وهي تقنية تُنتج صوراً عالية الدقة لسطح الأرض باستخدام نبضات الرادار – من أقمار صناعية في المدار الثابت بالنسبة للأرض.
ويُوفر هذا النظام تصويراً مستمراً على مدار الساعة طوال أيام السنة، مما يسمح لبكين بمراقبة تحركات القوات البحرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وفقاً لما ذكره بريان ألكاير، الباحث في مؤسسة راند، مما يُساعدها على تكوين صورة واضحة عن وضع القوات الأمريكية في المنطقة، وحماية الأصول البحرية من المخاطر على مسافات بعيدة.
في يونيو الماضي، أطلقت الصين القمر الصناعي «شانج هينج 102»، الذي صرّحت إدارة الفضاء الوطنية الصينية بأنه يهدف إلى تعزيز رصد الكوارث الطبيعية. لكن يُمكن لهذه الأنظمة تحليل الإشارات الكهرومغناطيسية لتحديد مواقع القوات المعادية، وتجنب التداخل بين الأنظمة الصديقة، وتعطيل الحرب الإلكترونية للعدو.
ويحذر محللون غربيون من أن بكين تُحرز تقدماً سريعاً في مجال الاتصالات عبر الأقمار الصناعية.
وقد انعكس هذا التقدم السريع للصين في تجربة حديثة لتوزيع المفاتيح الكمومية – وهي تقنية تعتمد على فيزياء الكم، وتأمل الجيوش أن تُتيح نقل البيانات بشكل غير قابل للاختراق. وفي مارس 2025، أعلنت الأكاديمية الصينية للعلوم أن فريقاً من عدة جامعات حقق إنجازاً عالمياً غير مسبوق: إنشاء وصلة كمومية فورية بين قمر صناعي صغير ومحطة أرضية متنقلة.
وعلى غرار قوة الفضاء الأمريكية، حدد جيش التحرير الشعبي الصيني مهمتين رئيسيتين لعمليات الفضاء: حماية أصوله الفضائية، التي يحتاجها في كل شيء من الاتصالات إلى الملاحة، وتهديد البنية التحتية الفضائية للخصم.
ويشير كتاب «مقدمة في عمليات الفضاء»، الصادر عام 2024، إلى أن المهمة الأساسية لعمليات الفضاء هي دعم العمليات المشتركة براً وبحراً وجواً، مع تسليط الضوء على الفضاء باعتباره المجال الأمثل للردع الاستراتيجي – فهو أكثر مرونة وموثوقية، وأسرع وأكثر كفاءة حتى من الردع النووي.
وكتب جيانغ، مؤلف الكتاب: «يمكن لأي أصل يتحرك في الفضاء بسرعة عالية أن يهدد أي هدف بري أو بحري أو جوي، وأن يشن هجمات حول العالم، وبالتالي يتمتع بمدى وقدرة قتالية حقيقية عالمية». ويضيف أنه بدون التفوق الفضائي، لا يمكن تحقيق أي تفوق في أي مجال آخر من مجالات الحرب.
ويُقدم كتاب «تقييم استراتيجية الفضاء»، وهو كتاب آخر تابع لجيش التحرير الشعبي الصيني، مثالاً عملياً، إذ يُشير إلى أن الصين تهدف إلى السيطرة على الفضاء القريب – أي الطبقة العليا من الغلاف الجوي التي تلي الفضاء الخارجي مباشرة – للتغلب على دفاعات سلسلة الجزر الثانية والعمق الاستراتيجي للدول المحيطة.
ويُحدد كتاب آخر، بعنوان «بحوث حول تطبيقات القتال في الفضاء القريب المستقبلية»، من تأليف أستاذين في جامعة هندسة القوات الجوية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، طموحاتٍ لأنظمة فضائية تُتيح المراقبة المستمرة، والهجمات السريعة، والدفاع في الفضاء القريب، والنقل بعيد المدى الذي يُغطي «سلسلة الجزر الثانية والعمق الاستراتيجي للدول المحيطة».
لكن أي صراع فضائي قد يبدأ بعيداً جداً عن بؤر التوتر التقليدية على الأرض. ويتصور جيش التحرير الشعبي الصيني مراحل متتالية من الحرب الفضائية تعكس استراتيجيته العسكرية الأوسع.
وتبدأ هذه المراحل بعمليات الردع – من خلال استعراض القدرات، ونشر الأسلحة الفضائية، وإعادة تموضع الأقمار الصناعية، وإجراء مناورات فضائية. وتوصي الأبحاث بتعطيل أنظمة الاتصالات والقيادة للعدو عبر الهجمات الإلكترونية والسيبرانية، أو «ضربات الردع» المحدودة باستخدام أسلحة هجومية على أهداف فضائية لإجبار الخصم على التراجع في حالة الأزمات.
في هذه المرحلة، يجب على جيش التحرير الشعبي الصيني تجنب ضرب «جوهر» أنظمة العمليات للعدو، مثل مراكز القيادة، لمنع التصعيد غير المقصود.
وتتمثل المرحلة التالية في فرض حصار فضائي، وهي استراتيجية يصفها جيانغ، مؤلف كتاب «مقدمة في العمليات الفضائية»، بأنها «سريعة ومريحة»، لأن «الفضاء مجال مفتوح».
وقد يشمل هذا الحصار تسلل قوات خاصة إلى قواعد أرضية لإلحاق الضرر بمراكز التحكم أو الرادارات أو البنية التحتية للطاقة والتزود بالوقود.
وتتراوح التكتيكات بين التشويش والهجمات الإلكترونية واستخدام أسلحة مثل الليزر وحزم الجسيمات، التي يمكن تشغيلها من الأرض أو الجو أو الفضاء. ويشير أحد الكتب ذات الصلة إلى أنه «بمجرد إصابة أنظمة العدو الفضائية بهذه الأسلحة، فإنه سيفقد القدرة على تزويد قواته البرية والبحرية والجوية وغيرها بالبيانات».
كما يمكن للقوات الصينية الاستيلاء على الأقمار الصناعية أو تعطيلها أو تدميرها باستخدام مركبات فضائية مخصصة، إضافة إلى الألغام الفضائية.
ويمكن تسليح الحطام الفضائي، ما يحول البيئة المدارية إلى أداة هجوم. بل إن خبراء جيش التحرير الشعبي يناقشون إمكانية التلاعب بالطقس لمنع إطلاق الصواريخ المعادية أو اعتراضها خارج الغلاف الجوي للأرض.
ووفقاً لاستراتيجيي جيش التحرير الشعبي الصيني، فإنه إذا لم يتراجع العدو أمام عمليات الردع والحصار الفضائي، فعلى الصين حينها شنّ هجمات.
ويكون الهدف هو «تدمير قدرات العدو القتالية الفضائية للسيطرة على المجال الفضائي». ويتحدث خبراء جيش التحرير الشعبي الصيني عن تكتيكات تتراوح بين حجب هوائيات الأقمار الصناعية برش مواد مانعة للتسرب، وضرب المركبات الفضائية بصواريخ اعتراضية عالية السرعة ومدافع كهرومغناطيسية.
وسيتم صدم الأهداف مباشرةً أو تدميرها بسحابة كثيفة من جزيئات معدنية ناتجة عن انفجار رأس حربي قريب. ويسلط مؤلفون عسكريون الضوء على إمكانات الطائرات الفضائية والمكوكات الفضائية والمحطات الفضائية في المهام القتالية.
وفي هذه المرحلة، لا شيء يمكن أن يكون محظوراً، وتتلاشى الحدود بين الفضاء وساحات القتال الأخرى بسرعة. وتُدرج الدراسات كل شيء، من أقمار العدو الصناعية إلى القواعد العسكرية، ومواقع الأسلحة النووية، والبنية التحتية للمعلومات والطاقة، كأهداف للهجوم.
في أقصى هذا المنطق، يكمن احتمال شن هجمات مباشرة على الأرض من الفضاء. يكتب جيانغ: «السيطرة على الأجواء تمنح حرية العمل في ساحة المعركة البرية والبحرية والجوية». وإحدى الطرق المقترحة هي أنظمة القصف المداري – المشابهة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ولكنها تُوضع في مدار أرضي منخفض وتُجهز بمعززات للمساعدة في التخفي.
يقول مؤلفو أحد كتب جيش التحرير الشعبي إن هذه «المركبات الفضائية عالية الحركة» ستكون بمثابة «منصات رئيسية للأسلحة الفضائية» وذات «إمكانات هائلة للتطبيقات العسكرية». لكن وانغ يرى أن الضربات الفضائية على الأرض من غير المرجح أن تُقدم مزايا كبيرة على الهجمات الأرضية التقليدية نظراً لتكلفتها وتعقيدها.
وتكشف أبحاث جيش التحرير الشعبي الصيني، مجتمعةً، عن قوة تتنافس للسيطرة على الفضاء لحماية النظام العصبي للحرب الحديثة، وأيضاً للتغلب على قدرات الولايات المتحدة في حال نشوب صراع محتمل في المدار.
وفي هذا السباق، يُعد المدار الأرضي المنخفض المجالَ الأبرز للمنافسة، والذي شهد تحولاً جذرياً بفضل مشروع ستارلينك التابع لإيلون ماسك. فمنذ بداية عام 2025 وحده، تم إطلاق أكثر من 5000 قمر صناعي إلى هذا المجال من الفضاء – ما يقرب من ثلاثة أرباعها من قِبل شركة ماسك.
وقال سالتزمان، من القوات الفضائية الأمريكية، العام الماضي، إن بنية الفضاء الأمريكية مصممة لبيئة آمنة، لذا فإن مداراتها قابلة للتنبؤ، والأقمار الصناعية فيها عُرضة للهجوم. وأضاف: «ليس من الصعب تحديدها كأهداف. وهذا يمنح الهجوم ميزة، ويحفز على المبادرة بالضرب، وعلينا أن نعمل جاهدين لمنع ذلك».
وأضاف أن استخدام «مئات الأقمار الصناعية» في المدار الأرضي المنخفض للإنذار بالصواريخ القادمة، بدلاً من «عدد قليل» في المدار الأرضي الثابت، يمكن الولايات المتحدة من «تغيير حسابات الاستهداف لدى الخصم».
وقد أثارت جهود الولايات المتحدة الرامية إلى تعزيز الأمن من خلال العدد – إلى جانب القدرات المتطورة لشبكة ستارلينك التابعة لإيلون ماسك – قلق جيش التحرير الشعبي الصيني. فمن شأن شبكة أقمار صناعية أمريكية أكثر انتشاراً أن تُضعف استراتيجية الصين التي ترتكز إلى «حرب تدمير الأنظمة»، التي تسعى إلى هزيمة العدو بتدمير العُقد المركزية التي تعتمد عليها أنظمته.
وفي مقال نُشر في صحيفة «بي إل إيه ديلي» في يونيو الماضي، وصف أكاديميان من جامعة هندسة الفضاء في بكين شركة سبيس إكس، الشركة الأم لستارلينك، بأنها جزء لا يتجزأ من استخدام الولايات المتحدة العسكري للفضاء.
وتنظر بكين إلى المدار الأرضي المنخفض باعتباره موقعاً فضائياً بالغ الأهمية لبناء كوكبات الأقمار الصناعية في منافسة محصلتها صفر مع الولايات المتحدة.
وفي مقال نُشر في صحيفة الشعب اليومية، صحيفة الحزب الشيوعي الصيني، في يوليو الماضي، أشار تيان تشينغ فنغ، نائب مدير مركز الاندماج العسكري المدني في جامعة نورث وسترن بوليتكنيكال، إلى أن الاتحاد الدولي للاتصالات يخصص موارد الترددات المدارية وفقاً لأسبقية الحجز، ما يشترط إطلاق الأقمار الصناعية في غضون 14 عاماً. وكتب أن هذا من شأنه أن «يُجبر شركات الفضاء التجارية الصينية على تسريع جداول إطلاقها».
وفي دلالة على حجم طموحها، تخطط الصين لنشر أكثر من 37 ألف قمر صناعي جديد بين عامي 2024 و2030. وكتب تيان أن الهدف هو تأمين سعة تتراوح بين 60 ألفاً و100 ألف قمر صناعي في المدار الأرضي المنخفض.
ولا تزال تكلفة إنتاج وإطلاق الأقمار الصناعية الصينية أعلى بكثير من تكلفة شركة سبيس إكس. وقد أثار هذا قلق خبراء الفضاء الصينيين، ودفع بكين إلى التركيز على بناء سلسلة إمداد تمكّنها من التفوق على الشركة الأمريكية.
وفي إطار سعيها لجعل إطلاق الأقمار الصناعية أسهل وأسرع وأقل تكلفة، وسّعت بكين ميناء ونتشانغ الفضائي في جزيرة هاينان الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، وطوّرت منصات إطلاق بحرية في مقاطعة شاندونغ.
ويقول الاستراتيجيون الصينيون إن جهود بكين في مجال الفضاء لا تزال متأخرة عن الولايات المتحدة. لكن جيش التحرير الشعبي الصيني يعقد آمالاً كبيرة على التفوق على منافسه في العديد من تقنيات الفضاء التي يعتقد أنها ستكون الأقوى في التاريخ العسكري.
كاثرين هيل – سام ليرنر – سام جوينر- إيرين دي لا توري أريناس – دان كلارك
المصدر: فايننشال تايمز-ترجمة: البيان