الغاز الخفي.. شريان حيوي لصناعة أشباه الموصلات والتصوير الطبي وتقنيات الذكاء الاصطناعي

زمن القراءة: 6 دقائق

وسط سباق محموم حول طفرة الذكاء الاصطناعي، يبرز عنصر غير مرئي عديم اللون والرائحة ليكشف عن هشاشة مخيفة في بنية الاقتصاد الرقمي العالمي، خاصة بعدما أدت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز إلى تهديد نحو 30% من إمدادات الهيليوم العالمية.

ذلك الغاز – وهو منتج ثانوي لعملية معالجة الغاز الطبيعي – يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً ببالونات الأعياد، لكنه في حقيقته شريان حيوي لصناعة أشباه الموصلات والتصوير الطبي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت ترتفع فيه أسعاره بصورة حادة ويقترب مخزون بعض الدول من النفاد.

ما وراء البالونات

يُعرف الهيليوم بوصفه الغاز الذي يُبقي البالونات طافية، غير أن هذه الصورة لا تعكس سوى جزء يسير من حقيقته، فهو عنصر أساسي في تصنيع أشباه الموصلات، وفي الأجهزة الطبية كالتصوير بالرنين المغناطيسي، فضلاً عن تطبيقاته في البحث العلمي وصناعة الفضاء، وبدونه قد تتوقف خطوط إنتاج كبرى الشركات التكنولوجية، مما ينعكس سلباً على كل شيء من الجوالات حتى خوادم الذكاء الاصطناعي.

تركز الإنتاج

فاقمت الأزمة في الشرق الأوسط، المخاوف المتعلقة بأمن إمدادات الهيليوم عالمياً، إذ تأثر ما يقارب ثلث الإمدادات العالمية، ودفعت الأسعار إلى الارتفاع بصورة ملحوظة، ما يعكس التركز الشديد للإنتاج العالمي، حيث تستأثر الولايات المتحدة وقطر معاً بنحو 76% من إجمالي الإنتاج العالمي.

أمريكا الأكثر مناعة ولكن

تعد الولايات المتحدة أكبر منتج للهيليوم  في العالم، وتحصل مصانع أشباه الموصلات المحلية على معظم احتياجاتها من الهيليوم من مواقع في أنحاء البلاد إلى جانب إمدادات من الجزائر، لذلك فإن شركات مثل “إنتل” تتمتع بقدرة أفضل على مواجهة الأزمة لكنها رغم ذلك ليست محصنة خاصة إذا طال أمد الاضطرابات.

أكبر الدول المنتجة للهيليوم في العالم  خلال 2025 .. بيانات تعكس تركز الإنتاج

الدولة

الإنتاج
(مليون قدم مكعبة)

النسبة من الإنتاج العالمي

الولايات المتحدة

2860

%42.6

قطر

2225

%33.2

روسيا

636

%9.5

الجزائر

388

%5.8

كندا

212

%3.2

الصين

106

%1.6

بولندا

جنوب إفريقيا

18

%0.3

من أكبر المنتجين ولكن

رغم أن روسيا هي ثالث أكبر منتج للهيليوم في العالم إلا أن قدرتها على تزويد الأسواق الغربية محدودة بسبب العقوبات، كما تمثل الصين حصة صغيرة من الإنتاج العالمي، ورغم ذلك فإنها مستهلك رئيسي للغاز، لذلك فإنها تعتمد على الواردات بصورة كبيرة لتلبية الطلب المتنامي.

كوريا الجنوبية.. الأكثر عرضة للخطر

استوردت كوريا 64.7% من احتياجاتها من الهيليوم من قطر وحدها في العام الماضي، ما يجعلها الأكثر عرضة لتداعيات هذه الأزمة، كما أن شركتيها “سامسونج إلكترونكس” و”إس كيه هاينكس” تتحكمان في نحو 70% من إمدادات رقائق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية عالمياً، لذا فإن أي نفاد للمخزون الكوري من الهيليوم -المتوقع بحلول حزيران- قد يؤدي إلى هزة عنيفة في سوق الإلكترونيات العالمي.

صعوبة التخزين

يفرض الهيليوم تحديات لوجستية استثنائية، فهو أخف من الهواء ويتسرب بسهولة إلى الغلاف الجوي ثم إلى الفضاء، ويحتاج إلى النقل في حاويات مخصصة معزولة حرارياً تحافظ عليه في حالته السائلة، بل إنه في حالته فائقة السيولة يتسرب حتى من أصغر الشقوق، وهو ما دفع الباحثين للسعي نحو تطوير مواد بديلة فائقة التوصيل لا تحتاج إلى تبريد شديد.

تأثير واسع النطاق

لا يقتصر التأثير على قطاع التكنولوجيا، إذ تُعد المستشفيات أكبر مستهلك للهيليوم عالمياً بحصة تناهز 32% من السوق، ويحتاج جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي التقليدي إلى نحو 2000 لتر من الهيليوم السائل لتبريد مغناطيساته، وإن كانت الأجهزة الأحدث باتت أكثر كفاءة في الاستهلاك.

أزمة متكررة

لا تعد أزمة الهيليوم الراهنة حدثاً استثنائياً، بل هي الخامسة في سلسلة من اضطرابات الإمداد منذ عام 2006، كان آخرها عام 2022.

ويتفاقم الوضع مع توقعات بتضاعف الطلب على الهيليوم بحلول عام 2035، وبالتالي قد يجبر استمرار الاضطرابات طويلاً تلك الشركات على التخلي عن بعض إنتاجها أو إعطاء الأولوية لرقائق الذكاء الاصطناعي ذات الهوامش الربحية العالية على حساب المنتجات التقليدية.

التنافس على الإمدادات

في أوقات الشح، تتحول إمدادات الهيليوم إلى ساحة تنافس بين القطاعات، وتاريخياً استطاعت شركات أشباه الموصلات، بفضل مواردها المالية الضخمة، الفوز بالغاز على حساب قطاعات كالأدوية والتصوير الطبي، ويرى محللو “بنك أوف أمريكا” أن صناعة الرقائق تتصدر سلم الأولويات في توزيع الإمدادات، غير أنها لن تنجو كلياً من التداعيات في حال استمر النقص طويلاً.

البحث عن مخرج

تسعى دول عدة إلى تنويع مصادر الهيليوم أو تطوير إنتاجها المحلي، إذ تعد الصين البنية التحتية اللازمة وتستكشف احتياطيات جديدة، لكن رغم ذلك ليس هناك حل سريع في الأفق، إذ قد يستغرق استئناف الإنتاج خمسة أسابيع على الأقل بعد أي تهدئة للأزمة الراهنة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفائض الذي كان يعاني منه السوق قبيل الأزمة قد يخفف قليلاً من حدة التداعيات على المدى القريب.

تكشف أزمة الهيليوم أن نقاط ضعف الاقتصاد الرقمي قد تكمن في أصغر التفاصيل، فغاز خفي بات يمسك بخيوط مستقبل الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق والرعاية الصحية، وما لم تتسارع الجهود نحو تنويع مصادر الإنتاج، وتطوير تقنيات بديلة، وبناء احتياطيات استراتيجية على المستوى الدولي، فإن العالم سيظل أسير دورات متكررة من النقص والأزمات.

المصادر: أرقام – إنوفيشن نيوز نتورك  – هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية-  ذا كونفرزيشن – نيويورك تايمز –  فيجوال كالبيتالست – فوربس – وكالة “فيتش” – بنك أوف أمريكا – سي إن بي سي

آخر الأخبار