بدأت مشاريع الطاقة الريحية في سوريا تحظى باهتمام حكومي متزايد، في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع الكهرباء نتيجة تراجع الإنتاج وتهالك البنية التحتية على مدى أكثر من 14 عاماً خلال حقبة النظام المخلوع.
ومع انخفاض القدرة التوليدية من نحو 7000 ميغاواط قبل عام 2011 إلى حوالي 2000 ميغاواط فقط، برز التوجه نحو مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها طاقة الرياح، كخيار استراتيجي لتعزيز أمن الطاقة في البلاد.
وفي هذا الإطار، بدأت بعد التحرير ملامح مشاريع استثمارية واعدة تتبلور، تستهدف استثمار الإمكانات الطبيعية الكبيرة للرياح في عدد من المناطق السورية، ولا سيما في محافظة حمص، التي تتصدر المشهد كوجهة رئيسية لهذه الاستثمارات.
حمص المرشح الأبرز
تُعد محافظة حمص من أبرز المناطق المرشحة لمشاريع الطاقة الريحية، نظراً لما تتمتع به من مقومات طبيعية وجغرافية وبنى تحتية تجعلها بيئة مناسبة لهذا النوع من الاستثمارات، إذ تتميز بسرعة رياح مستقرة على مدار العام، خاصة في المناطق الشرقية مثل تدمر والقريتين، حيث تقع السرعات ضمن مستويات ملائمة لتشغيل العنفات بكفاءة عالية، ما يحدّ من تقلبات الإنتاج ويعزز الجدوى الاقتصادية للمشاريع.
إلى جانب ذلك، تضم المحافظة مساحات واسعة من الأراضي غير المأهولة، ولا سيما في البادية السورية، ما يسهّل إقامة مزارع الرياح بعيداً عن العوائق العمرانية والكثافة السكانية، كما أن طبيعة التضاريس المنبسطة تساعد على توزيع التوربينات بشكل يحقق أعلى إنتاج ممكن.
وتكتسب حمص أهمية إضافية لكونها نقطة مركزية في شبكة نقل الكهرباء السورية، إذ تمر بها خطوط توتر عالٍ تربط مختلف المناطق، ما يقلل تكاليف الربط ويسهّل تصريف الإنتاج، كما يعزز توفر المنشآت الصناعية والخبرات الفنية، إلى جانب شبكة الطرق والمواصلات، من جاهزيتها لاستضافة هذا النوع من المشاريع، وبذلك تجمع محافظة حمص بين المورد الطبيعي والجاهزية اللوجستية، ما يجعلها خياراً رئيسياً لتطوير قطاع الطاقة الريحية في سوريا.
العنفات الريحية تُصنّع محلياً
يُعد مشروع الطاقة الريحية بقدرة 700 ميغاواط من أبرز المشاريع المطروحة حالياً، حيث تم توقيع اتفاقية لتنفيذه بين وزارة الطاقة السورية وشركة “مارف إنيرجي”، في خطوة تعكس توجهاً نحو إشراك القطاع الخاص في تطوير قطاع الطاقة.
ويتضمن المشروع تركيب نحو 140 عنفة ريحية مصنّعة محلياً، تتوزع على عدة مواقع، مع ربطها مباشرة بالشبكة الكهربائية الوطنية، بما يسهم في تحسين استقرار الإمدادات الكهربائية.
وفي هذا السياق، أوضح المدير العام للمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، المهندس خالد أبو دي، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن الفرق الفنية المختصة تعمل حالياً على استكمال الدراسات الفنية التفصيلية، إلى جانب إعداد مجموعة من الاتفاقيات الأساسية، التي تشمل اتفاقية شراء الطاقة، واتفاقية الربط الكهربائي، واتفاقية استخدام الأرض، مشيراً إلى أنه من المتوقع، بعد الانتهاء من صياغة هذه الاتفاقيات وتوقيعها، أن يدخل المشروع حيز التنفيذ الفعلي.
وأشار أبو دي إلى أن التجهيزات المتعلقة بالمشروع تعتمد على التصنيع المحلي، حيث سيتم تصنيع العنفات الريحية في مدينة حسياء الصناعية، لافتاً إلى أن الشركة المنفذة تمتلك خبرة سابقة في هذا المجال، إذ قامت سابقاً بإنشاء عنفتين ريحيتين في سوريا باستطاعة 2.5 ميغاواط لكل منهما.
وحول أبرز المناطق المؤهلة لإقامة عنفات ريحية في محافظة حمص، قال أبو دي: “تتميز مشاريع الطاقة الريحية الحالية بآلية مختلفة لاختيار المواقع، إذ تعود مهمة تحديد المواقع المناسبة للشركة المنفذة بناءً على الدراسات الفنية. وبالتوازي، توجد دراسات أولية لمناطق واعدة في المحافظة، من أبرزها: القطينة، وجبل عبد العزيز، وهيجاني، وجبل البلعاس، إضافة إلى مناطق في القنيطرة”.
وأضاف أن التنسيق جارٍ بين وزارة الطاقة والمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء لتنفيذ مشاريع أخرى، من بينها مشروع ريحي باستطاعة 200 ميغاواط بالتعاون مع شركة “محمد الحرفة” السعودية، إلى جانب مشاريع إضافية باستطاعات تصل إلى 1000 ميغاواط بالتعاون مع شركات دولية، مشيراً إلى أن منطقة جبل البلعاس مرشحة لتكون من أولى المناطق التي ستنطلق فيها المرحلة التنفيذية لمشاريع توليد الطاقة من الرياح.
وفيما يتعلق بدور هذه المشاريع في دعم الشبكة الكهربائية، أوضح أبو دي أن الطاقة الريحية تُعد من المصادر الواعدة في سوريا، نظراً لوقوعها ضمن حزام ريحي مناسب لتوليد الكهرباء، متوقعاً أن تسهم هذه المشاريع في تعزيز استقرار الشبكة، ورفع موثوقية التوليد، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، لا سيما في المناطق التي تتمتع بسرعات رياح جيدة.
وعن نطاق الاستفادة من هذه المشاريع، بيّن أن عوائدها لن تقتصر على محافظة حمص، إذ ستشمل مختلف المحافظات، نظراً لطبيعة شبكة النقل الكهربائية في سوريا التي تعمل كنظام حلقي مترابط، بحيث يسهم أي توليد للطاقة في منطقة معينة في دعم الشبكة العامة وتغذية باقي المناطق.
وتبرز مشاريع الطاقة الريحية كأحد الحلول المهمة لسد الفجوة بين العرض والطلب في قطاع الكهرباء، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وفتح آفاق جديدة للتنمية الاقتصادية المستدامة، ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على زيادة القدرة الإنتاجية، إنما تمتد لتشمل دعم الصناعة المحلية ونقل التكنولوجيا، من خلال توطين تصنيع التوربينات وتأهيل الكوادر الوطنية.
كما تعكس الاتفاقيات الموقعة مؤخراً، سواء مع شركات محلية أو عربية أو دولية، توجهاً واضحاً نحو جذب الاستثمارات وتوسيع الشراكات في قطاع الطاقة المتجددة.
وفي هذا السياق، أوضح المهندس طارق إسماعيل، المختص في الطاقة المتجددة، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن الكلفة الاستثمارية الأولية لمشاريع الطاقة الريحية قد تكون مرتفعة نسبياً، لكنها تُعد أكثر جدوى على المدى المتوسط والبعيد مقارنة بالمصادر التقليدية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة تأمينه، مشيراً إلى أن اعتماد هذه المشاريع على مورد مجاني ومتجدد يسهم في خفض تكاليف التشغيل والصيانة، ما يعزز العائد الاقتصادي مع مرور الوقت.
وفيما يتعلق بتأثير هذه المشاريع على أسعار الكهرباء، أشار إسماعيل إلى أنها يمكن أن تسهم في خفض التكاليف على المدى الطويل، من خلال تقليل الاعتماد على الوقود والمساهمة في استقرار الأسعار، وربما خفضها تدريجياً عند دمجها بشكل مدروس ضمن مزيج الطاقة.
ولفت إلى وجود تحديات تواجه تنفيذ هذه المشاريع، أبرزها ضعف البنية التحتية للشبكة الكهربائية، وصعوبة ربط مشاريع التوليد الجديدة بشكل مستقر، إضافة إلى الحاجة لتحديث خطوط النقل ومحطات التحويل لاستيعاب الطاقة المنتجة.
وأكد إسماعيل أهمية تأهيل كوادر فنية متخصصة قادرة على تشغيل وصيانة هذه التقنيات بكفاءة، مشدداً على أن تجاوز هذه التحديات ممكن من خلال وضع سياسات حكومية واضحة لدعم الطاقات المتجددة، وتقديم تسهيلات للمستثمرين، إلى جانب تطوير البنية التحتية تدريجياً وتعزيز التعاون مع الدول والشركات ذات الخبرة.
بسام الرحال
المصدر: صحيفة الثورة
