لم تعد قرارات الحكومات أو المؤشرات الاقتصادية وحدها هي المحرك الرئيسي للأسواق، بل أصبحت كلمات قليلة يكتبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأحرف كبيرة وعلامات تعجب عبر منصته “تروث سوشيال” يمكنها أن تُضيف أو تمحو مئات المليارات من القيمة السوقية في غضون دقائق.
هنا تبدو الأسواق وكأنها دمى ماريونيت تتحرك بخيوط رقمية أو عصا سحرية، تشدها تغريدة، وترخيها أخرى، ومع ذلك، تبقى هذه الخيوط مؤثرة لكنها ليست مطلقة، إذ تتقاطع مع قوى أعمق وأكثر تعقيداً ترسم المسار الحقيقي لأسواق الأسهم والسلع.

نمط غير مسبوق
تأثير تصريحات القادة على الأسواق المالية أمر معروف تاريخياً غير أن ما يفعله ترامب يختلف جوهرياً، فهو لا يتحدث في مؤتمرات صحفية مجدولة أو بيانات رسمية محررة، بل ينشر بكثافة وسرعة -أحياناً كل ساعة- رسائل حادة وغير متوقعة وفي بعض الأحيان متناقضة، تجعل الأسواق في حالة ترقب دائم لا تهدأ.
شغف مستمر
يميل ترامب إلى استخدام وسائل التواصل – التي يجذب عن طريقها قدراً كبيراً من الاهتمام – وأرجع الفضل لها من قبل في مساعدته على الفوز بالانتخابات الرئاسية، حتى في ولايته الأولى، من خلال إيصال رسالته إلى الناخبين، ويعتبرها منصة لإعلان القرارات الهامة، على سبيل المثال، في عام 2018 ذكر وزير الخارجية “ريكس تيلرسون” أنه علم باستبداله عبر “تويتر”.
منصة إعلامية
نشأت فكرة “تروث سوشيال” عندما تم تعليق حسابات “ترامب” على كبرى منصات التواصل إبان ولايته الأولى لأسباب منها خطر التحريض على العنف، فأسس عام 2022 منصته الخاصة التابعة لمجموعة “ترامب ميديا أند تكنولوجي” بتصميم استُوحي من “إكس”، التي كانت تعرف حينها باسم “تويتر”.

منصة بديلة على غرار تويتر
جعل منها منصة لإعلان قراراته وتصريحاته، متجاوزاً القنوات الرسمية التقليدية، ورغم أن “إيلون ماسك” المدير التنفيذي لـ “إكس” سمح للرئيس لاحقاً بالعودة لاستخدام المنصة عندما استحوذ عليها عام 2022، فإن “ترامب” اختار البقاء نشطاً على “تروث سوشيال”.
منشورات متعاقبة
نشر الرئيس نحو سبعة آلاف منشور على المنصة خلال العام الماضي، وفق قاعدة بيانات “رول كول”، وهو ما دفع “سيباستيان باراك” المسؤول لدى صندوق التحوط “سيتادل” إلى تخصيص شاشة منفصلة لرصد المنشورات لحظة بلحظة، مقرًّا بأنها غيّرت سلوك أسواق النفط كليًاً، فيما أشار رئيس “جولدمان ساكس” إلى هذه الظاهرة في سياق ساخر يعكس قلقاً حقيقياً.
تأثير فوري
كشفت تحليلات “فاندسترات” للأبحاث أن تصريحات “ترامب” كانت المحرك الرئيسي لأفضل وأسوأ خمسة أيام أداءً لمؤشر “إس أند بي 500” منذ بدء ولايته الثانية، كما أن تأثير كلماته يبدو فوريًا، ففي تشرين الأول 2025، تراجعت المؤشرات بصورة حادة إثر تهديده بتعريفات جمركية مرتفعة على الصين، ثم انتعشت بسرعة بعد منشور متفائل بعد يومين فحسب.
الحرب مع إيران
وخلال الحرب، شهدت الأسواق تقلبات حادة كانت أغلبها مدفوعاً برسائل “ترامب” التي تعكس استراتيجيته المعتادة “التهديد والضغط للتفاوض بشكل أفضل”، حتى بلغ ذلك ذروته بالتهديد بمحو “حضارة بأكملها”، وهو المنشور الذي لم يُقلق الأسواق فحسب، بل أشارت تقارير إلى أنه أضعف رغبة الجانب الإيراني في الوصول إلى اتفاق وعرقل مسار المفاوضات فعلياً.

نماذج من تأثير كلماته خلال الحرب
وفي الثالث والعشرين من مارس الماضي وقبل ساعتين تقريباً من افتتاح وول ستريت أعلن “ترامب” في منشور إجراء محادثات جيدة ومثمرة مع الجانب الإيراني، وعلى الفور تراجعت أسعار النفط بشكل حاد وارتفعت الأسهم مع بداية الجلسة، وهو ما حدث تماماً عندما أعلن في السابع عشر من نيسان قبل دقائق من بدء التداولات أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل.
ليس الأسواق فحسب
لا تقتصر تداعيات المنشورات على الأسواق؛ فحين أعاد “ترامب” نشر تصريحات تتهم مواطني الهند والصين بإساءة استخدام حق الحصول على الجنسية للمولودين في الولايات المتحدة، ردّت وزارة الخارجية الهندية رسمياً واصفةً تلك التصريحات بأنها “مسيئة وغير مدروسة وغير لائقة”.
تظل منشورات “ترامب” محركاً حقيقياً لا يمكن تجاهله، لكنها في الوقت ذاته أداة ذات حدين، فما يدفع السوق للصعود اليوم قد يقوده نحو الهبوط غداً بمنشور مغاير، والأسواق التي تتعلم التعايش مع هذا الإيقاع المتقلب ستدرك أن أفضل استراتيجية هي عدم الرهان على كلمة واحدة، بل في القراءة المتأنية لما وراء الكلمات.
فهل ستظل الأسواق رهينة لهذه الخيوط الرقمية؟ أم تعود الأسواق نحو التركيز على العوامل الأساسية؟
المصادر: أرقام – منشورات “ترامب” على منصة “تروث سوشيال” – بريتانيكا – فاينانشال كونتنت – أكسيوس – فاينغتون بوست – نيويورك تايمز – فاينانشال تايمز – بلومبرج
