الرسوم الجمركية بين الانفتاح والحماية.. أي نموذج للصناعة السورية؟

زمن القراءة: 14 دقائق

تعود السياسة الجمركية في سوريا إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بين دعوات الانفتاح لتحفيز الأسواق وتأمين مدخلات الإنتاج، ومطالب بفرض رسوم حمائية للحد من إغراق الأسواق المحلية بالمنتجات المستوردة على حساب الصناعة الوطنية.

ومع سعي الصناعة المحلية إلى تطوير أدوات تعزز قدرتها على الاستمرار والمنافسة، يتسع النقاش حول طبيعة النموذج الاقتصادي الأنسب، ودور الرسوم الجمركية في موازنة تكاليف الإنتاج ومستويات الأسعار ومعايير التنافسية.

مطلع العام 2025، أصدرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، التي أصبحت لاحقاً الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، تعرفة جمركية موحدة للبضائع عبر المعابر والمنافذ السورية كافة.

وشملت التعرفة الجديدة أكثر من ستة آلاف سلعة ومادة، سواء كانت أولية أو نصف مصنعة أو مصنعة، للأغراض المختلفة المستوردة والمصدرة.

وحينها، أوضح مدير العلاقات العامة في الهيئة مازن علوش، أن نشرة الرسوم الجمركية الموحدة راعت حماية المنتج المحلي من خلال تشجيع الصناعة عبر تخفيض الرسوم على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج، إلى جانب تطبيق الرزنامة الزراعية بما يسهم في دعم القطاع الزراعي وحماية الفلاح.

وأضاف علوش أن النشرة تستهدف دعم القطاع الصناعي وتعزيز جذب الاستثمارات، عبر تقديم إعفاءات للمستثمرين وأصحاب المعامل الذين اضطروا إلى إخراج معداتهم ومنشآتهم خلال سنوات الحرب، أو الراغبين بإعادتها إلى البلاد أو إدخال خطوط إنتاج جديدة، مشيراً إلى أن تخفيض الرسوم بنسبة تتراوح بين 50 بالمئة و60 بالمئة في عدد كبير من البنود سينعكس على الأسواق من خلال تحسين القدرة الشرائية وتوفير السلع بأسعار أكثر توازناً.

قاعدة “6 مصانع”

تؤدي التعرفة الجمركية وظائف رئيسة عدة في أي اقتصاد، وتختلف فلسفة تصميمها بين المدارس الاقتصادية، فهي أولاً مصدر إيراد للخزينة، لكن ارتفاع الرسوم بشكل مفرط قد يؤدي إلى تراجع الإيرادات وزيادة التهريب والفساد، كما تُستخدم لحماية الإنتاج المحلي عبر إعفاء مدخلات الإنتاج وفرض رسوم أعلى على السلع المنافسة، مع ضرورة تجنب الحماية المفرطة التي تضر بالمستهلك.

وتسهم التعرفة أيضاً في تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية عبر تخفيض الرسوم على السلع الأساسية ورفعها على الكمالية، إضافة إلى دورها في تنظيم الاستيراد وحماية المجتمع من السلع الضارة أو المحظورة، وبشكل عام، يتطلب إعداد أي تعرفة جمركية توازناً بين هذه الأدوار، فيما يحتاج تقييم آثارها إلى وقت قبل الحكم على نتائجها، وفق تقرير لـ”المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”.

وفي السياق الصناعي السوري، يتبلور توجه يدعو إلى اعتماد منظومة رسوم جمركية تدريجية ومحكمة، تقوم على الحماية العادلة، وتستهدف السلع المستوردة المنافسة للإنتاج المحلي ضمن إطار يراعي متطلبات السوق ويحدّ من التشوهات التجارية.

وبحسب تقديرات البنك المركزي السوري، تراجعت الصادرات من نحو 8.8 مليارات دولار عام 2010 إلى قرابة 1 مليار دولار عام 2023، في حين انخفضت الواردات من نحو 17.5 مليار دولار إلى نحو 3.2 مليارات دولار خلال الفترة نفسها. ويعكس هذا الانخفاض الحاد في حجم التجارة الخارجية تراجعاً في القدرة الإنتاجية، واتساع فجوة ميزان المدفوعات، حيث لم تعد الصادرات تغطي سوى نحو 31 بالمئة من الواردات، ما يشير إلى ضغوط متزايدة على العملة الوطنية وضعف القدرة على تمويل المستوردات.

وشكلت العائدات الجمركية عام 2010 نحو 4.2 بالمئة من إجمالي موارد الموازنة العامة، رغم التحديات المرتبطة بالفساد والتهرب الضريبي خلال تلك الفترة.

أما في عام 2025، فقد شكّلت الرسوم الجمركية نحو 39 بالمئة من الإيرادات العامة، أي ما يعادل نحو 149.8 مليار ليرة سورية جديدة، من إجمالي إيرادات بلغ نحو 384.2 مليار ليرة سورية جديدة (نحو 3.493 مليارات دولار).

ومن المتوقع أن تتراجع نسبة مساهمة الرسوم الجمركية من الإيرادات العامة في عام 2026 إلى 21.8 بالمئة، وأن تزداد كماً إلى نحو 1.9 مليار دولار من إجمالي الإيرادات المتوقعة البالغة نحو 8.7 مليارات دولار.

ويرى الباحث الاقتصادي محمد حسون، أن الانفتاح التجاري المطلق (صفر جمارك) لا يُعد مؤشراً على التعافي، ويصفه بأنه “رصاصة رحمة” تُطلق على صناعة وطنية منهكة خرجت من حرب مدمرة استنزفت سيولة أصحاب المصانع.

واستغرب حسون فتح الحدود أمام الاستيراد “بالمجان”، في حين تحصّن عمالقة الاقتصاد والنمور الآسيوية في عام 2026 أسواقها “بأسوار جمركية منيعة”.

وقال حسون لصحيفة “الثورة السورية”: إن الحل الأمثل لإنقاذ الصناعة السورية يتضمن إلغاء خطة “صفر جمارك”، واستبدالها برفع الرسوم الجمركية إلى 600 بالمئة على أي منتج مستورد له مثيل وطني، وفق قاعدة “6 مصانع”، أي تُفرض هذه الرسوم عند توفر ستة مصانع وطنية تتنافس داخلياً، ما يضمن الجودة للمستهلك ويحمي المنتج المحلي من “الإغراق” الخارجي.

وأضاف أن الهدف يشمل تحويل عائدات الجمارك إلى صندوق لدعم الطاقة الصناعية، بما قد يغطي نحو 75 بالمئة من فاتورة الطاقة، وبالتالي خفض تكاليف الإنتاج محلياً، الأمر الذي يجعل المنتج السوري “قنبلة تنافسية” في الأسواق الدولية، مع تخصيص جزء من العوائد لحجز مساحات في معارض دولية خارجية.

نماذج دولية

تكتسب التعرفة الجمركية أهمية محورية في مختلف الدول، بوصفها أداة لحماية القطاعات الإنتاجية من التأثيرات السلبية للأسواق المفتوحة والتجارة الدولية، وقد اعتمدت الدول الصناعية المتقدمة، خلال فترات طويلة، سياسات حمائية أسهمت في دعم نمو صناعاتها وتعزيز قدرتها التنافسية، حيث سادت هذه السياسات حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ومع انتهاء الحرب وبدء جهود إعادة الإعمار، برزت دعوات دولية لتخفيض الرسوم الجمركية بشكل متبادل بين الدول، ما قاد إلى مفاوضات استمرت حتى عام 1946، وأسفرت عن إنشاء الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (غات) خلال مؤتمر جنيف، وكانت سوريا من الدول المؤسسة لهذه الاتفاقية منذ عام 1947، فيما حصلت لاحقاً على صفة عضو مراقب في منظمة التجارة العالمية عند تأسيسها عام 1995، وانضمامها بصفة مراقب عام 2001.

وفي هذا الإطار، أشار حسون إلى أن عدداً من الدول الكبرى تعتمد سياسات جمركية حمائية لدعم صناعاتها الوطنية، من بينها اليابان التي تفرض رسوماً مرتفعة على بعض المنتجات الزراعية، مثل الأرز، والولايات المتحدة التي تدعم قطاعات، مثل الصلب والألمنيوم والسيارات الكهربائية برسوم تتراوح بين 50 بالمئة و100 بالمئة.

كما تشمل الأمثلة كوريا الجنوبية في دعم المحاصيل الزراعية الحيوية، والهند في قطاعات السيارات والمنسوجات والإلكترونيات، إلى جانب دول أخرى، مثل سريلانكا وتايلاند والبرازيل وبنغلاديش، التي تعتمد رسوماً متفاوتة لحماية صناعاتها المحلية.

وأضاف أن بعض الدول العربية والأوروبية تتبع النهج ذاته، مثل تونس في بعض السلع الاستهلاكية، والاتحاد الأوروبي عبر ما يُعرف بضريبة الكربون على صناعات، مثل الصلب والإسمنت، بهدف حماية الصناعة وتعزيز التحول نحو الإنتاج المستدام.

ونفى حسون وجود أي طرح يدعو إلى إلغاء الجمارك أو اعتماد الانفتاح الكامل في المرحلة الحالية، معتبراً أن ذلك لا يمكن أن يُطرح إلا عندما يصل متوسط دخل الفرد في سوريا إلى نحو 2500 دولار شهرياً، بحيث تتوفر قدرة شرائية كافية لدى المواطن، وتصبح لدى المصانع المحلية قدرة تنافسية تمكنها من مواجهة البضائع المستوردة.

العزل الاقتصادي

سجلت المنافذ البرية والبحرية حركة تجارية نشطة في عام 2025، وفق البيانات الرسمية، حيث عبرت أكثر من 605 آلاف شاحنة محمّلة بما يزيد على 14.4 مليون طن من البضائع، وبلغ عدد الشاحنات أكثر من 605 آلاف شاحنة، منها أكثر من 542 ألفاً للاستيراد وأكثر من 63 ألفاً للتصدير، بإجمالي يزيد على 14.4 مليون طن، بينها أكثر من 12.2 مليون طن مستوردات وأكثر من 2.2 مليون طن صادرات.

وفي المرافئ، استقبل مرفأ اللاذقية أكثر من 500 باخرة نقلت نحو 3.25 ملايين طن، فيما استقبل مرفأ طرطوس أكثر من 900 باخرة بكمية تجاوزت 6.5 ملايين طن، كما استقبل ميناء بانياس النفطي أكثر من 110 ناقلات محمّلة بالمشتقات النفطية بوزن يقارب 3.47 ملايين طن.

ورأى الخبير الاقتصادي تيسير طرقجي، أن طرح فرض رسوم جمركية تصل إلى 600 بالمئة قد يبدو في ظاهره داعماً للصناعة، لكنه في جوهره يعالج النتائج لا الأسباب، مشيراً إلى أن مثل هذه الأدوات أثبتت تاريخياً أنها قد تفاقم التحديات بدلاً من معالجتها.

وأوضح طرقجي لصحيفة الثورة السورية أن الإشكالية في سوريا لا تتمثل في انفتاح تجاري مفرط بقدر ما تشمل ضعف القدرة التنافسية البنيوية، لافتاً إلى أن الاستناد إلى تجارب دولية لتبرير هذه النسب يعد استخداماً “انتقائياً غير دقيق”.

وأضاف أن نماذج، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي، تعتمد سياسات حماية انتقائية ومؤقتة تستهدف قطاعات استراتيجية محددة، في حين تمتلك قواعد صناعية متقدمة وقدرات تصديرية واسعة، ما يجعل هذه التجارب غير قابلة للقياس المباشر على سياقات اقتصادية مختلفة.

وأشار طرقجي إلى أن فرض رسوم جمركية بهذا المستوى (600 بالمئة) يؤدي عملياً إلى إغلاق السوق أكثر من كونه حماية للصناعة، نتيجة الحد من المنافسة، وخلق بيئات احتكارية محلية، ورفع الأسعار على المستهلك بشكل كبير، إلى جانب تراجع الجودة بسبب غياب الضغط التنافسي، واعتبر أن هذا النهج لا يندرج ضمن مفهوم الحماية الاقتصادية، ويقترب من العزل الاقتصادي الشامل، وهو ما لا تتبناه الاقتصادات الحديثة.

وحول فكرة تمويل الصناعة من عائدات الجمارك، حذر طرقجي من أنها تنطوي على مخاطر اقتصادية، موضحاً أن تحويل الرسوم الجمركية إلى دعم للطاقة قد يبدو جذاباً نظرياً، لكنه يؤدي إلى تشويه الأسعار، إذ إن دعم الطاقة يخفي التكلفة الحقيقية ويؤخر عمليات التحديث، كما أشار إلى أن هذا النهج يخلق اعتماداً دائماً لدى المصانع على الدعم بدلاً من تحسين الإنتاجية.

وأضاف أنه في حال تراجع الاستيراد نتيجة ارتفاع الرسوم الجمركية، فإن مصادر التمويل ستتقلص، ما يطرح تساؤلات حول استدامة هذا النموذج وقدرته على الاستمرار.

وأكد أن تبني نموذج يعتمد على تقليص الاستيراد لتمويل دعم صناعة غير تنافسية يمثل حلقة مغلقة غير قابلة للاستمرار، كما أوضح أن الاعتماد على شرط “6 مصانع” لا يضمن الكفاءة أو الجودة أو المنافسة الحقيقية، إذ قد ينتج عنه مصانع محمية من السوق تفتقر إلى التكنولوجيا والقدرة الإنتاجية والتكلفة المنخفضة والتصدير.

وأشار إلى عدم دقة الربط بين فتح السوق ودخل الفرد، موضحاً أن التنافسية والتصدير يسهمان في رفع دخل الفرد، وليس العكس، إذ إن الاقتصادات تنمو عبر الانفتاح والمنافسة ثم تحقيق الازدهار.

وحذّر طرقجي من تحميل المستهلك تكلفة السياسات الحمائية المفرطة، إذ يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار وتراجع الجودة، بما يعني تقديم دعم غير مباشر للمصنع على حساب المجتمع، وهو ما يتعارض مع جوهر السياسات الاقتصادية السليمة.

الحماية الذكية المؤقتة

أدّت الحرب التي شنها النظام المخلوع منذ عام 2011 إلى انهيار واسع في بنية الإنتاج، انعكس بشكل مباشر على حجم الاقتصاد الكلي، فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 61 مليار دولار عام 2010 إلى قرابة 8 مليارات دولار عام 2023، أي إلى ما يقارب 13 بالمئة فقط من مستواه قبل الحرب، ما يعكس حجم الانكماش العميق في النشاط الاقتصادي.

وامتد هذا التراجع إلى مختلف القطاعات، إذ تقلصت المساحات المزروعة والإنتاجية الزراعية، ليهبط الناتج الصافي للقطاع عام 2021 إلى نحو 38.5 بالمئة من مستواه عام 2010، كما خرج جزء كبير من إنتاج النفط والغاز عن سيطرة الدولة، وتراجع النشاط الصناعي إلى نحو 25 بالمئة فقط من مستوياته السابقة، ويعكس هذا المشهد فجوة واضحة في القدرة على تلبية الاحتياجات الإنتاجية والاستهلاكية.

وفيما يتعلق بالبديل عن فرض رسوم جمركية واسعة، طرح طرقجي مفهوم “الحماية الذكية المؤقتة”، على أن تكون محددة زمنياً بين 3 و5 سنوات، وترتبط بخطط تحديث إلزامية ومعايير إنتاجية واضحة، بحيث لا تُمنح الحماية لمن لا يطوّر إنتاجه، ولا يُقدَّم الدعم لمن لا يحقق قدرة تصديرية.

كما دعا إلى تشجيع الاندماج بين المنشآت الصناعية لتكوين كيانات أكبر قادرة على تحقيق اقتصاديات الحجم، إلى جانب تعزيز التصدير عبر تسويق خارجي فعلي وفعّال وليس عبر زيارات شكلية، مع التركيز على الاستثمار في التكنولوجيا ورفع الكفاءة الإنتاجية بدلاً من الاكتفاء بخفض تكلفة الطاقة.

ومما سبق يبدو أن الانفتاح الجمركي في عام 2026 يشكل مساراً جزئياً وتدريجياً يركز على تخفيض بعض الرسوم وتسهيل استيراد مدخلات الإنتاج، مع استمرار المطالبات بـ “صفر جمارك” على المواد الأولية، دون بلوغ مرحلة الانفتاح الكامل على نمط المناطق الحرة الشاملة، وبقاء اعتبارات حماية الصناعة المحلية حاضرة في المشهد الاقتصادي.

وتبقى الإشكالية قائمة بين اتجاه يراهن على “صفر جمارك” مقروناً بإجراءات معيارية لرفع كفاءة المنتج المحلي وتعزيز تنافسيته، واتجاه آخر يرى أن الانفتاح الواسع قد يضغط على السيولة والإنتاج، ما يعيد طرح الحاجة إلى سياسة جمركية متوازنة تقوم على حماية مدروسة تدعم الصناعة وتواكب متطلبات السوق.

مجد عبيسي

المصدر: صحيفة الثورة السورية

آخر الأخبار