العالم الاقتصادي- وليد أبو السل *
في مطلع القرن الماضي، وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية، تبلورت لدى العديد من الدول فكرة إقامة تحالفات مشتركة على نطاق ضيق بهدف إبعاد شبح الأزمات الاقتصادية التي قد تعصف باقتصاداتها، لكن سرعان ما اتسعت فكرة هذه التحالفات وتنامت لتأخذ أشكالاً أكثر تأثيراً في القرار الاقتصادي العالمي على خلفية المقولة: “إن مقياس قوة أي دولة في العالم يعتمد على ثقلها الاقتصادي ومدى تأثيرها في القرارات السيادية للقضايا المصيرية والدولية العالمية”.
فمن هنا ظهرت فكرة السعي لدى بعض الدول لإقامة مثل هذه التحالفات الهادفة إلى تعزيز هذه المكانة على خارطة العالم الاقتصادية، ومع مرور الوقت، بدأ التفكير بإيجاد تكتل اتخذ من الطابع الاقتصادي منهجاً في ظاهره، إلا أن فكرة إيجاد كيان يحل محل النظام الاشتراكي المنحل، كانت أبرز الأسباب الغير معلنة لإقامة مثل هذه التحالفات الهادفة إلى خلق توازن ضد ما كان يعرف بتحالف القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك، إلا أن هذه الأسباب قد تجلت بشكل علني مطلع السبعينيات من القرن الماضي وبالتزامن مع تعاظم دور بعض الدول الناشئة كالصين وروسيا في ظل تراجع ملحوظ لدور الولايات المتحدة الأمريكية.
إن المتتبع لخارطة الاقتصاد العالمية على مدى العقود الماضية بات يلحظ الارتفاع المتزايد لمعدلات النمو الاقتصادي لتلك الدول الناشئة كالصين والهند وروسيا في ظل التراجع الحاد في معدلات نمو الولايات المتحدة الأمريكية، هذه الأمور وغيرها دفعت بتلك الدول لتتبوأ مكان المنافس للقطب الأوحد الذي كان يتحكم بسياسات النظام العالمي برمته.
التكتلات الاقتصادية تعريفاً
تعرف التكتلات الاقتصادية على أنها “شكل من أشكال التحالفات التي تبنى بين الدول على أسس وأهداف وغايات واضحة، وأبرزها التجانس فيما بينها على أسس اقتصادية وجغرافية، وثقافية، وتاريخية”، لكن التوافق السياسي يعد العامل الأبرز في ولادة هذا التكتل الناشئ، ناهيك عن الرغبة المشتركة للدول المتكتلة، في تعزيز مكانتها الاقتصادية وتنشيط التجارة البينية فيما بينها من خلال تسهيل حركة مرور السلع والخدمات، وإزالة الحواجز الجمركية، والقيود المفروضة على التجارة وصولاً الى تحقيق عوائد مادية تسخّر لتحقيق أعلى درجات الرفاه الاقتصادي لشعوبها.
عوامل نشوء التكتلات الاقتصادية
لقد أسهمت عوامل عدة في نشوء مثل هذه التكتلات، منها ما هو جغرافي، أي نتيجة التقارب المكاني بين هذه الدول، “كالاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربي” وغيرها، ومنها ما نشأ على مبادئ التشاطر الثقافي والحضاري وحتى الديني، والتحالف على مبدأ المصير المشترك بهدف مواجهة التحديات الاقتصادية أو السياسية، إلا أن بعض التحالفات الأخرى قد نشأ على خلفية تحقيق أهداف وغايات مشتركة ذات رؤى متنوعة.
إن الدول الساعية لتحقيق هذه الأنواع من التحالفات، وضعت نصب عينيها التخفيف من أثر الازمات الاقتصادية العالمية، من خلال تحقيق أعلى درجات التشاركية والتنوع في الإنتاج، والتوسع في الأسواق العالمية، وتنامي الاستثمارات فيها، فحققت بذلك المزيد من عوامل التنمية مما انعكس ايجاباً على تحقيق درجات أعلى من التنمية والازدهار لشعوبها، ناهيك عن أن هذا النوع من التكتل يمنح الدول الأعضاء فيه قوة إضافية لجهة التحكم بالأسواق الدولية وبالتالي تحقيق أفضل الشروط في الصفقات التجارية الكبرى وإدارة الأسواق، الأمر الذي يسهم أيضاً في تعزيز مكانة هذه الدول في عملية إدارة الصراعات الاقتصادية العالمية المحتدمة بين الدول الكبرى.
ظهور أول تكتل اقتصادي عالمي
في منتصف القرن الماضي، وتحديداً عام 1951 أعلن رسمياً عن تأسيس أول تكتل اقتصادي عالمي تحت اسم “المجموعة الأوروبية للفحم والصلب” (ECSC) هدفه تنظيم عمليات استخراج الفحم والحديد، وإدارة عمليات بيعها بالاتفاق بين الدول الأعضاء السبعة المؤسسين للتكتل، وهم “ألمانيا، فرنسا، بلجيكا، إيطاليا، لوكسمبورغ، وهولندا”، لكن سرعان ما تطورت فكرة هذا التكتل ليتحول من بعد ذلك إلى ما كان يعرف ب “السوق الأوروبية المشتركة”.
السوق الأوروبية المشتركة
بعد نحو 6 سنوات من تأسيس (ECSC) ظهر للملأ تحالف جديد هو امتداد له عرف ب “السوق الأوروبية المشتركة”، وذلك بعد معاهدة روما الموقعة في عام 1957، لكن فكرة هذا التحالف سرعان ما اتسعت لتشمل الحياة الاقتصادية والتجارية بين دول المجموعة، (حالها حال بقية التكتلات الأخرى الناشئة).
النافتا (NAFTA)
مع ظهور تحالف السوق الأوروبية المشتركة عام 1957 ظهر تحالف جديد آخر جمع كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمكسيك، على أسس وأهداف اقتصادية وتجارية صرفه، إلا أن هذا التحالف لم يأخذ أبعاد نجاح واسعة -لأسباب وعوامل متنوعة-وسرعان ما خفت نجمه بعد الازدهار الاقتصادي الكبير الذي شهدته الولايات المتحدة الأمريكية مما دفع بها الى الاستغناء عن إقامة تحالفات مع دول ذات اقتصادات ناشئة، وذلك لأسباب-ليس أولها حب التفرد- لقيادة سوق التجارة العالمية والتحكم بالقضايا المصيرية العالمية لخدمة مصالحها وحدها دون غيرها.
الاتحاد الأوروبي
عند الحديث عن أبرز تلك التكتلات في العالم تتسارع الى الأذهان تجربة الاتحاد الأوروبي(EU)، الذي يعد أكبر وأوسع تكتل اقتصادي عرفته البشرية من حيث قوة التأثير الاقتصادي والسياسي العالميين، ومن حيث عدد أعضائه البالغ 28 دولة، مما جعل منه نموذجاً اقتصادياً عالمياً متكاملاً، لكن سرعان ما تحول هذا التحالف الى كيان سياسي- اقتصادي متكامل يتمتع بنظام وسياسات مشتركة في العديد من أوجه الحياة التجارية والزراعية والبيئية وغيرها، ويعد الاتحاد الأوروبي الحالي امتداد أساسي لما كان يعرف بتحالف مجموعة الدول الأوروبية للفحم والصلب، والذي تأسس عام 1951، أي قبل نحو 41 عاماً من تاريخ الإعلان عن تأسيس “الاتحاد الأوروبي” والمشكل بموجب معاهدة ماستر يخت عام 1992، والذي كان يهدف الى تحقيق السلم والاستقرار العالميين بالإضافة، الى تحقيق التنمية والازدهار بين دول الاتحاد وإيقاف النزاعات والحروب والعمل على مكافحة ظاهرة تغير المناخ وحماية حقوق الانسان وتحقيق الديمقراطية والعدالة بين شعوب الدول المنضمة إليه.
تكتل دول الخليج العربي (مجلس التعاون الخليجي GCC)
تأسس عام 1981 بهدف رفع مستويات التنسيق والتكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء المشكلة للاتحاد، وهي “المملكة العربية السعودية، دولة الامارات العربية المتحدة، الكويت، قطر، البحرين، سلطنة عمان”. ويهدف التكتل الى تعزيز الأمن والدفاع المشترك، وإنشاء سوق مشتركة، والتعاون في مجالات الصحة والتعليم والبيئة والثقافة والقضايا الدولية والإقليمية العالمية.
بعد مرور نحو 44 عاماً على تأسيس المجلس، بدأ دوره يتعاظم مع مرور الوقت فلم يعد مجرد منصة استراتيجية للتعاون الاقتصادي بين دوله الأعضاء، بل تجاوز ذلك بكثير بعد النجاحات التي حققها في المساهمة بتسوية العديد من القضايا الإقليمية والدولية، والإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار العالميين، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في العديد من الدول التي شهدت حروباً ونزاعات محتدمة.
وللمجلس العديد من الاسهامات المتنوعة، أبرزها المساهمة في المجال الإنساني سواءً في مجال محاربة الفقر، والاضطرابات المناخية، والكوارث الطبيعية، التي ألمت بعدد من دول المنطقة والعالم، فكانت دول المجلس سبّاقة في التخفيف من معاناة المتضررين (والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة ومتنوعة).
تكتل البريكس
ظهر هذا التكتل بغية إحداث نوع من التوازن في النظام الاقتصادي العالمي، بعد الإخفاقات المتكررة للولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق هذا التوازن، وإخفاقها في رفع مستويات التنمية في العالم، وسعيها لتحويل بوصلة اقتصادات العالم باتجاه خدمة مصالحها فقط.
في ظل ما تقدم ظهرت للعلن فكرة انشاء تكتل اقتصادي دولي ضم حتى الآن 19 دولة -لا يجمعها أي انتماء حضاري مشترك-سوى العداء للنمط الغربي الذي أثبت فشله في إدارة عملية التنمية في العالم.
لقد اجتمعت عوامل عدة مشتركة لقيام هذا التحالف لكن أبرزها هو استحواذ الدول المؤسسة لمجموعة بريكس (روسيا، الصين، الهند، البرازيل، وجنوب أفريقيا) على ما مقداره 25% من مساحة الكرة الأرضية، فيما يشكل تعداد سكانها ما نسبته 40% من سكان العالم، الأمر الذي سيجعل منه قوة اقتصادية وسياسية قادرة على إحداث تأثير واضح في القضايا المصيرية العالمية الكبرى، كالتغيرات المناخية في العالم، والذكاء الاصطناعي، والفقر، ومكافحة الأمية، والتنمية المستدامة.
يسعى التكتل باستمرار لتوسيع نطاق نفوذه من خلال دعوة المزيد من الدول ذات الاقتصادات الرائدة إلى الانضمام إليه لتعزيز مكانته على الساحة الدولية وزيادة تأثيره في القضايا الإقليمية والعالمية وبشكل خاص السياسية منها.
ولم يعد خافياً على أحد تعاظم دور “البريكس” في التأثير على القرارات السياسية العالمية، في ظل قدرة كل من روسيا والصين على استخدام حق النقض “الفيتو” باعتبارهما دولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن.
——————
* باحث وإعلامي
