قضيتُ أياماً مثيرة في قمة فاينانشال تايمز العالمية للسلع في لوزان، سويسرا، حيث تحدثت إلى متداولين، ومديري صناديق تحوط، ووسطاء، ومستثمرين، ومزودي بيانات، ودبلوماسيين وعمال تعدين، وشركات كبرى، ومجموعة متنوعة من الشخصيات ذات الصلة، وكان من الطبيعي أن تهيمن الحرب في الشرق الأوسط وما تبعها من تقلبات حادة في توافر وأسعار النفط والغاز الطبيعي وجميع المنتجات المصنعة منهما على النقاش.
وقد لاحظت أن خبراء الطاقة أكثر قلقاً بكثير مما يحدث في الشرق الأوسط وحولها من مستثمري الأسهم، لذا، وانطلاقاً من مبدأ مشاركة حكمة أسواق السلع، ودون ترتيب معين، إليكم أبرز النقاط:
– أسعار الطاقة المرجعية لا تعكس بدقة تكاليف الطاقة الحقيقية في الوقت الراهن، ودائماً ما تكون هناك علاوة سعرية على السعر المرجعي المحدد للتسليم إلى موقع معين، لكن هذه العلاوات ارتفعت بشكل كبير منذ إغلاق مضيق هرمز، وهي تتفاوت بشكل كبير من يوم لآخر، ومن مكان لآخر، وحتى من سفينة لأخرى. وقد انشغل مندوبو المؤتمر بتبادل قصص مروعة حول سعر برميل الديزل اللازم لتفريغ حمولة ناقلة في أحد الموانئ الآسيوية.
– الدول النامية في آسيا تعاني بالفعل من أزمة طاقة حادة، ونظراً لأن معظم نفط وغاز الخليج يتجه شرقاً بعد عبوره المضيق، فإن دولاً مثل ماليزيا وإندونيسيا والفلبين تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات، وتقنيناً لها، وتقليصاً حاداً للطلب. وتسعى الحكومات جاهدة لوضع سياسات عاجلة لأمن الطاقة. وإذا بقي المضيق مغلقاً، فسيتطور الوضع بشكل كارثي إلى أزمة غذاء، فالزراعة كثيفة الاستهلاك للطاقة.
– مع تحول الصيف إلى خريف، ستنتقل حدة الأوضاع بأسواق الطاقة من الشرق إلى الغرب. وقد استُنزفت بالفعل المخزونات في الغرب مع تدفق المنتجات إلى آسيا للاستفادة من الأسعار المرتفعة هناك، فناقلات المنتجات المكررة التي تغادر هيوستن تتجه إلى أستراليا، على سبيل المثال، وهذا يعني نقصاً في الإمدادات خلال موسم القيادة الصيفي، وحاجة لإعادة ملء المخزونات قبل موسم التدفئة الشتوي.
– حتى لو فُتح المضيق غداً، ستظل آثار الحرب بأسواق الطاقة لسنوات. وكما أشار الرئيس التنفيذي لشركة فيتول، راسل هاردي، فإن خسارة نحو 12 مليون برميل يومياً، والتي من المفترض أن تمر عبر المضيق، تعني خسارة العالم لنحو مليار برميل، حتى لو فُتح المضيق اليوم (يستهلك العالم نحو 100 مليون برميل يومياً في الظروف العادية). ويجب تعويض هذه الخسارة عن طريق خفض المخزونات وانخفاض الطلب، وتعتقد أمريتا سين من شركة «إنرجي أسبيكتس» أن سوق المنتجات المكررة قد لا يعود إلى وضعه الطبيعي قبل عام 2030، حتى لو انتهت الحرب قريباً.
– شركات تجارة السلع الكبرى تجني أرباحاً طائلة من هذه الاضطرابات، وهي تستجيب لفروق الأسعار عن طريق نقل السلع من أماكن وجودها إلى أماكن الحاجة إليها، وهذه الخدمة تشهد حالياً طلباً قياسياً. ولا توجد جهات أخرى كثيرة مهيأة مالياً للتعامل مع التقلبات اليومية المصاحبة، ويمكن أن تسمي ذلك استغلالاً للحرب إن شئت، لكن العالم الآن بحاجة ماسة إلى كل مضارب يمكنه الحصول عليه.
– هناك نوعان من التقلبات في السوق، فهناك تقلبات مدفوعة بتغيرات في أساسيات العرض والطلب، وهذا ما يفضله المتداولون التعامل معه. وثمّة تقلبات أخرى مدفوعة بحساب الرئيس الأمريكي على منصة «تروث سوشيال»، وهو حساب مؤثر ومستمر وغير قابل للتداول، ومكروه من الجميع، لأنه يزيد ميزانيات المخاطرة ويرهقها دون توفير فرصة لتحقيق ربح مضمون.
– الحرب الشاملة بين روسيا وأوكرانيا كانت بمنزلة «بروفة» مالية مفيدة للأزمة الحالية. وفي مثل هذه اللحظات، تحتاج شركات التداول إلى خطوط أوسع، ويحتاج المتداولون الأفراد إلى حدود مخاطرة أكبر. وفي عام 2022، تعلّمت شركات التداول وبنوكها ضرورة المرونة. وهذه المرة يتفق الجميع على وفرة السيولة المالية المتاحة، ولذلك لم تكن طلبات تغطية الهامش مشكلة. بعبارة أخرى، كان من الممكن أن يكون الوضع أسوأ، لكن لحسن الحظ أنه ليس كذلك.
– لا أحد يعلم شيئاً عن موعد فتح المضيق. قد يظن المرء، في حشد كاجتماع لوزان، أن خبراء الجيوسياسة سيتسابقون لإخبار صحفي من صحيفة فاينانشال تايمز بتفاصيل حصرية حول كيفية سير المفاوضات، لكن الأمر لم يكن كذلك بالمرة، فلا أحد لديه أدنى فكرة، ولكل سيناريو محتمل حجته المضادة.
– هناك إدراك واسع أن الأسواق المالية الأوسع نطاقاً تُسعّر على أساس قرب فتح المضيق. وبالكاد تعكس الأسهم والسندات وتوقعات التضخم في معظم أنحاء العالم ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، والتفسير الوحيد لذلك، كما اتفق عليه الحاضرون في القمة، هو أن الأسواق المالية تفترض أن كل شيء سينتهي قريباً، لكن إذا لم ينتهِ قريباً، فسيكون الألم حقيقياً.
عموماً، سيكون من المثير للاهتمام معرفة كيف ستستوعب الأسواق هذه المعلومات إذا ما اتضح أن الأزمة لن تنتهي سريعاً، لكننا نأمل بشدة أن تسير الأمور في الاتجاه المعاكس.
روب أرمسترونج
المصدر: فايننشال تايمز- ترجمة: البيان
