ليس ثوراً ولا دباً .. إنه حصان جامح​

زمن القراءة: 8 دقائق

كثيرًا ما يُستخدم حيوانان في عالم الاستثمار: الدب، في إشارة إلى المستثمر المحافظ أو الخائف، وكذلك إلى السوق المتراجع؛ والثور، في الإشارة إلى المستثمر المتفائل أو المغامر، أو السوق الصاعد.

ولكن، في كثير من الأحيان، يكون سبب خسارة بعض المستثمرين تشبيهًا آخر بـ”الحصان”، أو ما يُعرف بمفهوم “تأثير الحصان الجامح” (Wild Horse Effect)، في إشارة إلى أن حركة صغيرة بجوار حصان كفيلة بدفعه للتحرك بقوة، والأهم “بلا نظام”.

العضة أم الركض؟

ففي أسواق الأسهم، لا تُقاس الأحداث بحجمها المادي بقدر ما تُقاس بمدى الذعر الذي تولّده في نفوس المتداولين. لذا فإن “تأثير الحصان الجامح” يصف المتداول الذي يتلقى صدمة صغيرة أو خسارة هامشية، وبدلاً من احتوائها، يبدأ في اتخاذ قرارات هستيرية متلاحقة تؤدي في النهاية إلى تدمير محفظته بالكامل.

وينطلق هذا التأثير من قصة الحصان الذي عضّته أفعى؛ فلم يمت من السم، بل مات من الركض الجنوني خوفاً من الموت، حتى انفجر قلبه.

في الأسواق، “السم” هو الخبر السلبي، و”الركض” هو البيع العشوائي أو المبالغة في التحوّط، بما يسبب خسائر قياسية.

ويضرب د. بريت ستينبارجر، المتخصص في علم نفس التداول والأسواق، في كتابه “مدرب المتداول اليومي”، مثلاً بمتداول يُدعى “جايسون”، كان يمتلك محفظة بقيمة 150 ألف دولار في بداية عام 2020.

ومع بدايات انتشار فيروس كورونا، بدأت الأسواق تتراجع، وكانت “العضة” هنا هبوطًا بنسبة 5% في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” خلال يومين.

وبدلًا من الالتزام بخطة وقف الخسارة، سيطر عليه “تأثير الحصان الجامح”، فبدأ جايسون في بيع كل أصوله القيادية بخسارة، ثم انتقل إلى فتح مراكز “بيع على المكشوف”، مراهنًا على انهيار كلي للنظام المالي العالمي.

ولم يتوقف الذعر عند مرحلة الانخفاض، بل استمر “الركض” عندما بدأ السوق في التعافي السريع نتيجة حزم التحفيز؛ إذ زاد من مراهناته ضد السوق، لأنه كان يراهن على تكرار تجربة الكساد العظيم التي قرأ عنها، التي تسببت في تراجع السوق بنسبة 50% بين عامي 1929 و1932.

وبينما عاد السوق إلى قمم جديدة في غضون أشهر، كانت محفظة جايسون قد تكبدت خسائر قياسية، تجاوزت 10% في مراكز البيع، وأكثر من 70% في مراكز البيع على المكشوف، لأنه اختار (مثل الحصان) “الركض”، بينما كان عليه التوقف لتقييم الوضع.

كبار المتداولين أيضاً

كما تُعد قصة “بيل هوانغ”، مؤسس صندوق “أركيغوس كابيتال” (Archegos Capital)، مثالًا واضحًا على “تأثير الحصان الجامح” الناتج عن الطمع والمبالغة في رد الفعل الاستثماري.

ففي آذار 2021، حدث تراجع بسيط في أسهم شركة “فياكوم سي بي إس” (ViacomCBS)، وهي من أهم أصوله، وبدلاً من تقليص مراكزه أو قبول خسارة محدودة، تملّكه شعور “الحصان الجامح”. فقام باستخدام رافعات مالية هائلة ومضاعفة الرهان، ظناً منه أن السوق سيخضع لرغبته.

وكثيراً ما يستخدم متداولون هذا الأسلوب، بتوسيع مراكزهم في أسهم يملكونها بالفعل عند انخفاضها، لأن ذلك يقلل المتوسط الحسابي لسعر الشراء.

لكن النتيجة كانت أنه مع استمرار تراجع الأسهم وطلب البنوك تغطية الخسائر الناتجة عن الاستخدام المفرط للرافعة المالية، خسر بيل هوانغ نحو 20 مليار دولار من ثروته الشخصية، وانهار الصندوق بالكامل.

ويصف كثيرون “جيسي ليفرمور” بأنه أعظم مضارب في التاريخ، غير أن “تأثير الحصان الجامح” ضربه أيضاً في أكثر من مرة، فقد حقق ليفرمور ثروة خرافية خلال انهيار 1929 لأنه “توقع” الانهيار بناءً على أنماط سابقة.

لكن في عام 1934، حاول تكرار نفس “الركض”، حيث أسقط تجربته الناجحة في 1929 على وضع سوقي مختلف تماماً، وعندما بدأ السوق يتحرك ضده، لم يتقبل أن “الماضي لا يكرر نفسه دائماً”، بل بدأ يتداول بهستيرية، ويفتح صفقات ويغلقها سريعاً.

وخالف قواعده الصارمة التي وضعها بنفسه في تتبع الأنماط بدقة، لا أن “يتمنى” تكرارها، فكانت النتيجة إعلان إفلاسه للمرة الأخيرة، ثم إنهاء حياته لاحقاً.

الإخفاق بعد نجاح طويل

أما “جيمس كوردير”، فكان مديرًا لصندوق “أوبشن سيلر”، ومتداولاً ناجحاً لسنوات طويلة، تفوق خلالها على السوق بنسبة 5% إلى 8% لمدة لا تقل عن 10 سنوات، بفضل استراتيجية مغامرة نسبياً تركز على تسعير الأصول بشكل مختلف، لكن عام 2018 كان نقطة التحول.

اعتمد كوردير على بيع خيارات الشراء المكشوفة، وركّز في تلك الفترة على عقود الغاز الطبيعي، التي شهدت استقراراً لفترة طويلة، مراهنًا على عدم ارتفاع الأسعار فوق مستويات معينة.

لكن في تشرين الثاني شهد السوق ارتفاعاً حاداً ومؤقتاً في الأسعار بنسبة تجاوزت 18% في يوم واحد، قبل أن يرتفع السعر من نحو 3.20 دولار إلى أكثر من 4.80 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية خلال أيام.

كانت هذه الأرقام بمثابة “العضة”، لكن رد الفعل كان “ركضاً هستيرياً”. إذ تضخمت الالتزامات المالية على الصندوق بشكل كبير، ومع عجز المحفظة عن تلبية متطلبات الهامش، تحولت الخسائر إلى كارثة، خاصة أن الخسائر في الخيارات المكشوفة غير محدودة.

وبحسب التقارير، فقد الصندوق كامل أصوله المقدّرة بـ150 مليون دولار خلال أيام، بل وتحولت حسابات نحو 290 مستثمراً من أرصدة إيجابية إلى سالبة، أي أنهم لم يفقدوا مدخراتهم فقط، بل أصبحوا مدينين بمبالغ إضافية.

وتتجلى الكارثة في الأرقام النهائية؛ فبينما كان كوردير يستهدف عائداً سنوياً مستقراً بين 6% و10%، أدّى الذعر وفشل الاستراتيجية إلى خسارة 100% من قيمة الصندوق في أقل من أسبوع تداول.

وهذا يثبت أن إسقاط تجارب الماضي على واقع متغير هو المحرك الأساسي لـ”تأثير الحصان الجامح”، حيث يؤدي تجاهل احتمالية التغيرات الحادة إلى محو ثروات تراكمت عبر سنوات.

عندما يجمح السوق بأكمله

وفي عام 2013، ألمح بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، إلى إمكانية تقليص شراء السندات، فتصرف أحد مديري المحافظ في صندوق تحوط متوسط الحجم كـ”حصان جامح”، إذ قام بتسييل مراكز ضخمة في الأسواق الناشئة فوراً، متوقعاً انهياراً مشابهاً لأزمة 1998.

لكن هذا التوقع الخاطئ أدى إلى خسائر كبيرة في العمولات وفوارق الأسعار، ليتضح لاحقًا أن الفيدرالي نفّذ قراره تدريجياً وعلى مدى طويل، لتكون الخسارة نتيجة رد الفعل المبالغ فيه، لا الحدث نفسه.

وما سبق أمثلة فردية، لكن أحيانًا يتصرف السوق بأكمله كحصان جامح، ومن ذلك ما حدث في 6 مايو 2010، حين تبخرت مليارات الدولارات من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية خلال دقائق.

إذ تراجع مؤشر “داو جونز” الصناعي بنحو 9%، بسبب عملية بيع كبيرة نفذتها شركة “ريد آند ويديل” بقيمة 4.1 مليار دولار.

وأدى ذلك إلى تفاعل خوارزميات التداول عالي التردد، التي تسابقت في البيع، ما خلق فجوة في السيولة، ومع رؤية الأسعار تتراجع بسرعة، اندفع المتداولون للبيع بأي سعر، في حالة “ركض جماعي” بلا هدف سوى الهروب، لكن الأسعار عادت سريعًا بمجرد توقف هذا السلوك، بعد أن تكبد كثيرون خسائر كبيرة.

وتؤكد الدراسات أن النجاة من “تأثير الحصان الجامح” تتطلب ما يُعرف بـ”الانفصال العاطفي”، وذلك عبر ثلاث خطوات:

قاعدة 24 ساعة: غالبًا ما تكون القرارات المتخذة في أول 24 ساعة من الأزمات هي الأسوأ.
تحليل الحدث: هل يغير الخبر القيمة الجوهرية للشركة (السم)، أم أنه مجرد ضجيج مؤقت (العضة)؟
تجنب العدوى: الابتعاد عن منتديات التداول وشاشات الأسعار اللحظية أثناء الذعر الجماعي.

المصادر: أرقام – كتاب The Daily Trading Coach – وول ستريت جورنال – كتاب Jesse Livermore: World’s Greatest Stock Trader – فوربس.

آخر الأخبار