تشهد سوق مواد البناء مؤخراً ارتفاعات متتالية في الأسعار، تعكس واقعاً اقتصادياً مضطرباً، حيث تتداخل عوامل محلية مرتبطة بأسعار الصرف وتكاليف الإنتاج مع مؤثرات خارجية تتعلق بسلاسل التوريد والنقل، ما انعكس بشكل مباشر على قطاع الإنشاءات وأسعار العقارات، وعمّق حالة التباطؤ في حركة البيع والشراء.
وعلى صعيد الأسعار، ارتفع سعر طن الحديد من نحو 610-625 دولاراً إلى قرابة 680 دولاراً، متأثراً بزيادة تكاليف الشحن، كما ارتفعت أسعار الرخام بنحو خمسة دولارات للمتر نتيجة الاعتماد على الاستيراد البحري من الهند، في حين حافظ الرخام المصري على استقرار نسبي، كذلك، ارتفع سعر طن الإسمنت من 118 إلى 137 دولاراً.
ركود وتراجع
أفاد عدد من أصحاب محلات بيع مواد البناء لصحيفة “الثورة السورية” بأن الحركة التجارية تشهد تباطؤاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، في ظل تراجع القدرة الشرائية واستمرار الارتفاعات السعرية بشكل متواصل.
وأشاروا إلى أن الطلب بات يتركز بشكل أساسي على المواد الأساسية وبكميات محدودة، في حين تراجعت مشاريع البناء الفردية مقارنة بالسنوات السابقة.
وقال صاحب محل، طلب عدم ذكر اسمه، إن تقلبات الأسعار اليومية باتت تشكل تحدياً كبيراً أمام عمليات البيع والتسعير، إذ تتغير تكلفة المواد المستوردة بشكل مستمر تبعاً لسعر الصرف وتكاليف الشحن، ما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار عند تحديد هامش الربح، كما لفت إلى أن بعض الزبائن باتوا يؤجلون عمليات الشراء على أمل انخفاض الأسعار، وهو ما يسهم بدوره في مزيد من الركود في السوق.
من جهة أخرى، أوضح أصحاب مكاتب عقارية لصحيفة “الثورة السورية”، أن أسعار العقارات تواصل ارتفاعها رغم حالة الركود النسبي في حركة البيع والشراء، ويُعزى ذلك إلى تعدد حلقات الربح بين المتعهدين والتجار، فضلاً عن ارتفاع أسعار الأراضي التي باتت تشكل الجزء الأكبر من التكلفة النهائية للمشاريع، متقدمة في بعض الأحيان على تكلفة البناء نفسها.
في المقابل، رأى بعض الخبراء أن تكلفة البناء الفعلية لا تزال أقل بكثير من سعر البيع النهائي، إذ لا تتجاوز تكلفة المتر المربع على الهيكل في كثير من الحالات 120 دولاراً، بينما يصل السعر في السوق إلى أضعاف هذا الرقم بعد احتساب الأرباح وتكاليف الأرض، كما تختلف التكاليف بين المناطق الريفية والمدن تبعاً لتفاوت أجور اليد العاملة وأسعار المواد والخدمات.
عوامل داخلية
أكد المختص في الشؤون العقارية عمار يوسف، أن الارتفاع المستمر في أسعار مواد البناء يعود بالدرجة الأولى إلى عوامل داخلية، وليس إلى المتغيرات الإقليمية كما يُشاع.
وأوضح يوسف لصحيفة “الثورة السورية”، أن تراجع قيمة الليرة السورية، إلى جانب السياسات والإجراءات الاقتصادية الحكومية، لعبا دوراً محورياً في دفع الأسعار نحو الارتفاع.
كما أشار إلى وجود “ممارسات احتكارية” من قبل بعض التجار، خاصة فيما يتعلق بمواد البناء ذات الطابع الاستراتيجي، ما يؤدي إلى زيادات تفوق المستويات الطبيعية. وبناء على ذلك، توقع يوسف استمرار منحى الارتفاع في المرحلة المقبلة، انسجاماً مع الاتجاه العام للأسعار في مختلف القطاعات.
أما على صعيد الاستثمار العقاري، فلفت يوسف إلى غياب مشاريع إعادة الإعمار بشكل فعلي، وتوقع أن محدودية المعروض في السوق ستُبقي الأسعار في مسار تصاعدي.
وأضاف أن تراجع قيمة الليرة السورية مقابل الدولار يؤدي إلى ارتفاع أسعار العقارات عند تقييمها بالعملة المحلية، في حين تبدو أقل نسبياً عند احتسابها بالدولار، ما يخلق معادلة معقدة يصعب معالجتها في الوقت الراهن، ورجّح استمرار هذا الواقع إلى حين ظهور بدائل استثمارية فعالة أو إطلاق مشاريع إعادة إعمار حقيقية قد تسهم مستقبلاً في تخفيف حدة الأسعار.
متغيرات إقليمية
بدوره، قدّم الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، تفسيراً أوسع يربط ارتفاع الأسعار بالمتغيرات الجيوسياسية، مؤكداً أن اندلاع الحروب يرفع بشكل مباشر تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس على زيادة تكلفة النقل، وبالتالي ارتفاع أسعار المواد الأولية.
وقال الدبس لصحيفة “الثورة السورية”، إن هذه التطورات تنعكس سلبياً على أسعار مواد البناء، حيث تُسجل ارتفاعات قد تتراوح بين 20 بالمئة و40 بالمئة، فيما وصلت في بعض المواد إلى نحو 50 بالمئة نتيجة تأخر التسليم وتوقف بعض الشحنات، ما دفع بعض الشركات إلى الاعتذار عن عدم الالتزام بالتوريد في الوقت المحدد بسبب اضطرابات النقل وارتفاع تكلفته.
وحول توقعاته للأسعار خلال الفترة المقبلة، أوضح أن الأمر مرتبط بالظروف الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أنه في حال نجاح الحكومة في تنويع مصادر الاستيراد والبحث عن بدائل خارج الاعتماد على دول بعيدة مثل الخليج وشرق آسيا، والتوجه نحو دول عربية وإقليمية مثل تركيا ودول أوروبا الشرقية كبلغاريا وأوكرانيا، فقد يؤدي ذلك إلى استقرار الأسعار أو حتى انخفاضها أما في حال استمرار غياب البدائل، فمن المرجح بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة أو تزايدها.
وفي ما يتعلق بتأثير هذه الزيادات على الاستثمار العقاري ومشاريع إعادة الإعمار، اعتبر الدبس أن الأثر حتى الآن لا يزال ضمن الحدود المقبولة، لكنه حذّر من أنه إذا استمرت الأوضاع لأشهر إضافية، فإن التأثيرات السلبية ستتزايد، مع ارتفاع أسعار العقارات والترميم والإعمار، وتأخير في تسليم المشاريع والوحدات السكنية، مؤكداً أن طبيعة تحرّك الحكومة خلال الفترة المقبلة ستكون العامل الحاسم في تحديد المسار الاقتصادي القادم.
حلول استراتيجية
رأى الدبس أن السياسات الممكنة للتخفيف من هذه الآثار تتمثل في اللجوء إلى حلول أسرع عبر تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على جهة أو جهتين فقط، والتوجه إلى أسواق متعددة في الشرق والغرب والدول العربية والإقليمية.
واعتبر أن الحل الاستراتيجي يتمثل في تعزيز الإنتاج المحلي والاستثمار في قطاع التصنيع الداخلي، خاصة في مواد البناء، مشيراً إلى أن سوريا كانت في مراحل سابقة تنتج أكثر من 90 بالمئة من احتياجاتها من مواد البناء، بينما أصبح الوضع اليوم معكوساً تقريباً، حيث يعتمد السوق على الاستيراد بنسبة تصل إلى 90 بالمئة.
كما أكد الدبس ضرورة إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع وتقليل التأثر بالأزمات والحروب، عبر دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، بما يحد من تأثير تأخر الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وفي ما يتعلق بقدرة القطاع المحلي، أشار الدبس إلى أن تصنيع مواد البناء ليس عملية معقدة، مؤكداً أن لدى سوريا الكفاءات والخبرات والمواد الأولية اللازمة للإنتاج المحلي، ما يستدعي إعطاء هذا الملف أولوية في السياسات الاقتصادية للدولة.
إخلاص علي
المصدر: الثورة السورية
