أسواق المال تقرأ حرب لبنان: مسار التعافي صعب وطويل

زمن القراءة: 5 دقائق

خلال حرب العام 2024، شهد لبنان ارتفاعاً مفاجئاً في أسعار سندات اليوروبوند؛ أي سندات الدين العام المقوّمة بالعملات الأجنبيّة، وهكذا وبالرغم من كل الدمار الذي خلّفته تلك الحرب، كانت الأسواق الماليّة تتوقّع تحوّلات سياسيّة مرتقبة على المستوى المحلّي، بما يسهّل لاحقاً الدخول في اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.

وبالفعل، ما إن انتهت تلك الحرب، وبعد انتهاء الفراغ الرئاسي، ثم تشكيل الحكومة الحاليّة، واظبت الأسواق على تسجيل ارتفاعات إضافيّة في أسعار سندات اليوروبوند، على وقع التقدّم بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة من الصندوق، وفي أواخر شهر شباط الماضي، كان سعر السندات قد لامس مستوى 30 سنتاً للدولار، مقارنة بحوالي 6 سنتات للدولار في بدايات أيلول 2024.

غير أنّ الحرب الراهنة، وبخلاف الحرب السابقة، أدّت إلى نتائج معاكسة بشكلٍ تام. فخلال هذه الحرب، واظبت السندات على تسجيل خسائر متكرّرة في قيمتها، إلى الحد الذي محا كل المكاسب المُحقّقة في قيمة السند منذ بداية العام الراهن، وبهذه الطريقة كانت الأسواق تعبّر عن توجّسها من نتائج الحرب الحاليّة، على مستوى مسار التعافي المالي، المُفترض أن يفضي إلى إعادة هيكلة سندات اليوروبوند، التي تخلّفت الدولة عن سدادها منذ آذار 2020، وبطبيعة الحال، كان لهذا التشاؤم أبعاده السياسيّة والماليّة والنقديّة على حدٍ سواء.

هبوط أسعار السندات

عند الدخول في التفاصيل، يظهر أن سندات اليوروبوند اللبنانيّة سجّلت خلال الأسبوع الماضي هبوطًا من مستوى 25.75-26.38 سنتاً للدولار، إلى 22.75-23.25 سنتأً للدولار، ما شكّل رابع انخفاض أسبوعي على التوالي. مع الإشارة إلى أنّ أسعار هذه السندات كانت تتراوح عند حدود 30 سنتًا للدولار، قبل بدء الحرب الراهنة، ما يعني أنّها خسرت 23 بالمئة من قيمتها خلال فترة الحرب الحاليّة، أمّا الأهم، فهو أنّ السندات عادت إلى المستويات نفسها التي سجّلتها في أواخر السنة الماضية، والتي كانت تبلغ نحو 23.1 سنتاً للدولار، ما عكس جميع الزيادات التي جرى تحقيقها خلال العام الحالي في أسعار السندات.

مصرف غولدمان ساكس قدّم في إحدى مذكراته الداخليّة بعض التفسيرات لتشاؤم السوق. إذ وجدت المذكرّة أنّ “تصاعد الصراع داخل لبنان يقلّص فرص تحقيق مزيد من التقدّم، على صعيد الإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة، بما في ذلك إقرار قانون الفجوة، الذي سيوزّع الخسائر المتراكمة في القطاع المالي”، ولهذا السبب بالتحديد، “سيؤدّي النزاع إلى تأخير أي إعادة هيكلة محتملة للدين العام (أي سندات اليوروبوند نفسها)، لمدة لا تقل عن سنة واحدة وربما أكثر”، وهذا ما سيعني تأخير التدفّقات الماليّة المتوقّعة، والتي يفترض أن يستفيد منها حملة السندات بعد إعادة هيكلة الدين، لكون الدولة ممتنعة حالياً عن تسديد قيمة هذه السندات عند الاستحقاق.

وفي الوقت نفسه، من المفترض أن تؤدّي الحرب الراهنة إلى زيادة الأعباء التي ستتحمّلها الدولة اللبنانيّة خلال السنوات المقبلة، للتعامل مع الأضرار الماديّة والاقتصاديّة، وهذا ما سيؤثّر على مستويات استدامة الدين؛ أي حجم الديون التي يمكن تحميلها للدولة اللبنانيّة في المستقبل، بعد إعادة هيكلة الدين العام الحالي، ومن المعلوم أنّ مستويات استدامة ستشكّل المعيار الأساسي، المُمكن على أساسه تحديد حجم الديون العامّة المتبقية، بعد شطب أجزاء من قيمة السندات المتداولة حاليًا. 

بالعودة إلى تقرير غولدمان ساكس، من المرجّح أن تؤدّي الحرب الحاليّة إلى خفض القدرة الإنتاجية للبنان وإضعاف النشاط الاقتصادي على المدى المتوسط، ما سيعني انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الإسمي، كما من المتوقّع أن تفرض الحرب تكاليف إضافية على القطاع العام، ما سيؤدّي إلى زيادة حاجات تمويل الدولة، فضلاً عن ارتفاع مستويات الدين العام، ولهذا السبب، يرى التقرير أن الحرب ستؤدّي إلى الحاجة لاقتطاع إضافي من قيمة سندات اليوروبوند، بعد إعادة هيكلتها، وبنسبة تتراوح بين 5 و10 بالمئة مقارنة بفترة ما قبل الحرب.

ضغوط نقديّة وماليّة متوقّعة

بموازاة كل هذه العوامل، تترقّب الأسواق ضغوطًا ماليّة ونقديّة من نوعٍ آخر. فالحرب أدّت خلال الأسابيع الماضية إلى استنزاف احتياطات مصرف لبنان، حيث انخفض حجم هذه الاحتياطات بنحو 769.22 مليون دولار أميركي بين منتصف شهر شباط وأواخر شهر آذار، وخلال الفترة المقبلة، من المرتقب أن يواجه لبنان ضغوطًا نقديّة متزايدة، مع انخفاض حجم التحويلات الواردة من المغتربين في منطقة الخليج العربي، بالإضافة إلى تراجع مستويات الدعم الممكن تقديمها من معظم دول الخليج نفسها، وجميع هذه العوامل، ستؤدّي إلى المزيد من الهشاشة النقديّة على المستوى المحلّي، ما سيؤثّر على مستويات الدين التي يمكن أن يتحملها لبنان بعد إعادة هيكلة الديون.

أخيرًا، ثمّة عوامل سياسيّة تدخل على الخط عند تقدير حجم المخاطر المحيطة بالوضع اللبناني، إذ لم تتضح حتّى اللحظة طبيعة المشهد السياسي المحلّي الذي سيسود في لبنان، بعد انتهاء الحرب، كما لم تتضح طبيعة التسويات التي ستحصل على المستوى الإقليمي. ومع ارتفاع مستويات عدم اليقين، تنخفض شهيّة المستثمرين لتحمّل لمخاطر سندات اليوروبوند اللبنانيّة، وهو ما أثّر بالفعل على أسعار هذه السندات. 

علي نور الدين

المصدر: المدن

آخر الأخبار