بـ 220 مليار دولار سنوياً.. السلاح الخفي الذي يهدد الاقتصاد العالمي

زمن القراءة: 5 دقائق

تمكن علماء من كشف آلية غير متوقعة تستخدمها البكتيريا الممرضة للنباتات للتلاعب بمضيفاتها، مكتشفين أن بروتينات معينة تعمل بطريقة أكثر مباشرة وملموسة مما كان يُعتقد سابقاً، وهو ما قد يفتح الباب أمام طرق جديدة لحماية المحاصيل من الأمراض الفتاكة.

بدلاً من تفكيك دفاعات النبات تدريجياً، تعتمد بعض البكتيريا على أسلوب أكثر صرامة وفاعلية يتمثل في حقن البروتينات مباشرة داخل خلايا النبات، ما يسمح لها باختطاف نظام النبات الداخلي والسيطرة عليه من الداخل.

لسنوات طويلة حاول العلماء فهم مجموعة محددة من هذه البروتينات الحيوية، والمعروفة باسم AvrE/DspE، والتي تستخدمها مسببات الأمراض في مهاجمة مجموعة واسعة من المحاصيل، بما في ذلك الأرز، والطماطم، والتفاح، والكمثرى.

وتلعب هذه البروتينات دوراً رئيساً في التسبب بأمراض مثل: بقع البكتيريا، والبقع البنية، ومرض الحرائق الذي يمكن أن يدمر بساتين كاملة.

فك لغز طويل الأمد

في دراسة نُشرت في مجلة Nature، أوضح الباحثون كيف تعمل هذه البروتينات الغامضة، مكتشفين آلية جديدة يمكن أن تؤدي إلى تطوير أساليب مبتكرة لحماية المحاصيل.

رغم اكتشاف البروتينات في أوائل التسعينيات، بقيت طبيعتها غير مفهومة، كان العلماء يعرفون أن تعطيلها يحول البكتيريا الضارة إلى غير ضارة، وأنها قادرة على كبت استجابات المناعة النباتية وتحفيز أعراض مبكرة مثل: البقع المائية على الأوراق، لكن لم يكن واضحاً كيفية عمل هذه البروتينات فعليا داخل خلايا النبات.

تظهر البقع الداكنة على أوراق الطماطم نتيجة إصابة البكتيريا الممرضة Pseudomonas syringae، التي تنتشر عبر تشبع الفراغات بين الخلايا بالماء، مما يخلق بيئة رطبة ملائمة لتغذية البكتيريا وتكاثرها.

بروتينات ضخمة ومعقدة

تتميز بروتينات AvrE/DspE بحجم غير معتاد، إذ تحتوي على حوالي 2000 حمض أميني مقارنة بـ 300 فقط في البروتين البكتيري التقليدي، ما صعّب دراستها باستخدام الطرق التقليدية، كما أن المقارنة مع بروتينات معروفة لم تفد كثيراً في تفسير وظائفها.

قال عالم الأحياء شنغ-يانغ هي: “إنها بروتينات غريبة”.

اختراق هيكلي باستخدام الذكاء الاصطناعي

حقق الباحثون اختراقاً كبيراً باستخدام AlphaFold2، أداة ذكاء اصطناعي لتوقع هياكل البروتينات.

أظهرت النماذج أن البروتينات تتخذ شكل هياكل مجوفة تشبه الأنابيب الصغيرة، مشابهة للقش، وهو ما تأكد لاحقاً بصور المجهر الإلكتروني لبروتين مسبّب مرض الحرائق.

قال الباحث بي زهو من جامعة Duke: “عندما رأينا النموذج لأول مرة، لم يكن مشابهاً لما كنا نتخيله”.

تشير هذه البنية إلى أن البروتينات لا تعمل فقط على إضعاف دفاعات النبات، بل قد تشكّل قنوات تجذب الماء إلى الأنسجة، مفسرةً أحد أكثر الأعراض شيوعاً للعدوى: تشبع الأوراق بالماء.

اختبار الفرضية وإيقاف العملية

أظهرت التحليلات أن البروتينات لها سطح طارد للماء وقناة داخلية تجذب الماء، ما يدعم فكرة توجيه الماء إلى أنسجة النبات، لاختبار ذلك، قام الباحثون بتحوير بيض الضفادع لإنتاج البروتينات، وعند وضعه في محلول ملحي مخفف، امتص الماء بسرعة، وانتفخ وانفجر، بما يتوافق مع الفرضية.

ثم حاول الفريق استخدام جسيمات نانوية دقيقة تُعرف بـ PAMAM dendrimers لسد هذه القنوات، ما أدى إلى منع انتفاخ بيض الضفادع، وفي التجارب النباتية، أظهرت نباتات Arabidopsis المصابة انخفاضاً بمقدار 100 ضعف في مستويات البكتيريا، وظلت ثمار الكمثرى صحية رغم التعرض للعدوى.

قال هي: “كانت محاولة محفوفة بالمخاطر، لكنها نجحت.. نحن متحمسون جداً”.

نحو استراتيجيات جديدة لحماية المحاصيل

تعتمد العديد من مسببات الأمراض على هذه البروتينات، مما يشير إلى إمكانية تطوير طرق واسعة النطاق لحماية المحاصيل من دون قتل البكتيريا مباشرة، عن طريق تعطيل الآلية الأساسية التي تستخدمها للبقاء داخل النباتات.

تشير التقديرات إلى أن المحاصيل توفر حوالي 80% من الغذاء العالمي، بينما تُفقد أكثر من 10% سنوياً بسبب الآفات والأمراض، ما يكلف الاقتصاد العالمي نحو 220 مليار دولار سنوياً.

يعمل الباحثون الآن على فهم تفاعل الجسيمات النانوية مع القنوات البروتينية، بهدف تطوير استراتيجيات حماية أكثر فعالية.

قال زوهو: “إذا تمكنا من تصوير هذه الهياكل، يمكننا تصميم حلول أفضل لحماية المحاصيل”.

دراسة متابعة

دراسة متابعة في مجلة Trends in Microbiology أكدت أن عائلة بروتينات AvrE/DspE واسعة الانتشار ومُحافظة بين مسببات الأمراض الأكثر ضرراً عالمياً، وتشارك بين البكتيريا التي تصيب محاصيل متعددة، مؤكدةً دورها المركزي في تحفيز تشبع الماء، وتعطيل المناعة النباتية، وحتى تحفيز موت الخلايا في بعض الحالات.

رضا أبو العينين

المصدر: البيان

آخر الأخبار