الإنتاج المحلي بين التراجع ومنافسة المستورد.. مسؤولية الصناعيين أم هشاشة البيئة؟

زمن القراءة: 6 دقائق

تُطرح اليوم فكرة دعم الإنتاج المحلي كأحد الحلول لتحسين الاقتصاد وخلق فرص عمل، لكن البعض يرى أن المعالجة الحقيقية تتطلب تحديد الهدف المنشود من ذلك: رفع المستوى المعيشي للمواطن، أم توسيع هوامش الربح لدى منتجين يتهمون “بالفشل والاحتماء” بالدعم والامتيازات دون العمل على تطوير أدواتهم؟

فحين تُضخ الموارد العامة – من إعفاءات وحوافز وضمانات – دون وجود رقابة حقيقية على الجودة والكفاءة والاستدامة، تتحول السياسة من “تشغيل الاقتصاد” إلى “تمويل الخسائر”، ويصبح المواطن الممول الأكبر دون أي مقابل.

فك الارتباط

في هذا الإطار، يدعو رجل الأعمال فراس برازي، إلى فك الارتباط بين الدعم الحكومي والإنتاج التقليدي المحدود، مؤكداً أن النهضة الاقتصادية التي تسعى إليها سوريا لا تتحقق إلا بذلك، مع تحويل الدعم ليصبح مكافأة حقيقية للابتكار والكفاءة.

وقال برازي لصحيفة “الثورة السورية”، إن السياسات التي تنعش “المنتجين الفاشلين” على حساب القوة الشرائية للمواطن غير مقبولة، مشيراً إلى أن التحول الجذري المطلوب يستند على ركائز استراتيجية تتجسد في سيادة تقنية حكومية كحارس للجودة، إذ لا يمكن للقطاع الخاص النجاح في ظل العشوائية.

وشدد على ضرورة أن تستعيد الحكومة دورها كمرجع سيادي وحيد للمواصفات والمقاييس، لأن دور الدولة يشمل وضع قواعد بصرامة تقنية، ومراقبة التنفيذ بشفافية مطلقة، لضمان أن علامة “صنع في سوريا” تعني مطابقة أعلى المعايير العالمية.

من جهة أخرى، يطرح برازي فكرة حوكمة الأداء والرقابة الذكية بالانتقال من “حكومة التنفيذ” إلى “حكومة التخطيط والرقابة” عبر تطبيق مواصفات قياس أداء العمل الحكومي لضمان فعالية الأجهزة الرسمية، بينما يُترك التنفيذ الميداني للقطاع الخاص والتكتلات الاقتصادية تحت المظلة القانونية للدولة، الأمر الذي يمنع الترهل الإداري ويحفز الإنتاجية.

تبسيط خطير

بالمقابل، يرى رجل الأعمال محمد الشهابي، أن الخلط بين رفع مستوى معيشة المواطن وتدمير الإنتاج المحلي هو “تبسيط خطير” للمشكلة، فليس كل منتج خاسر في سوريا فاشل، بل هو غالباً ما يكون ضحية بيئة إنتاج مشوّهة تتجلى بتكاليف طاقة مرتفعة، ومخاطر عالية، وانعدام تمويل.

وأوضح أن اعتبار هؤلاء “فاشلين” ثم فتح الاستيراد بالكامل يعني عملياً إخراجهم من السوق لصالح منتج خارجي يعمل ضمن ظروف أفضل بكثير، وهذه – حسب رأيه – ليست منافسة بل إقصاء، والنتيجة معروفة اقتصادياً وهي تدمير الإنتاج المحلي، مما يسبب الاعتماد على الخارج، وبالتالي فقدان السيطرة على الأسعار وارتفاعها على المدى المتوسط.

وأضاف الشهابي لصحيفة “الثورة السورية” أن المفارقة تكمن في أن من يدعو اليوم إلى حماية المستهلك قد يُوضع غداً تحت رحمة السوق الخارجية، مؤكداً أن رفع مستوى المعيشة يكون من خلال اقتصاد قادر على الإنتاج والمنافسة، وأوضح أن الهدف حماية الإنتاج الجيد والابتكار، مع التأكيد على ضرورة إصلاح بيئة الإنتاج بدلاً من الهروب منها أو الإضرار به تحت شعار السوق الحر.

جدلية الاستيراد

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال فيصل عطري، أن هناك جدلية حادة تدور اليوم في الأوساط الاقتصادية والسياسية حول ملف الاستيراد، حيث تُوصم أي دعوة إليه على أنها طعنة للزراعة أو الصناعة الوطنية.

وأكد أن انتقاد السياسات الحمائية لا يعكس عداء للزراعة أو الصناعة المحلية، لكن يمثل دعوة لمواكبة التحولات العالمية، عبر تحسين ظروف الإنتاج وخفض التكاليف، بدلاً من الاعتماد على المنع كوسيلة للحماية.

وأوضح عطري لصحيفة “الثورة السورية” أن تجاوز سعر المنتج المحلي أسعار المستورد يشير إلى وجود خلل في التكاليف الإنتاجية أو الرسوم الجمركية أو الكفاءة، مشدداً على أن الزراعة والصناعة يجب أن تقدم منتجات بأسعار أقل أو مساوية للمستورد، وإلا أصبحت عبئاً على المواطن. وأضاف أن نجاح المنتج المحلي في المنافسة يلغي الحاجة إلى منع الاستيراد.

وطرح عطري مثالاً قطاع الدواجن، مشيراً إلى أن المربين يواجهون ارتفاعاً في تكاليف الأعلاف والطاقة والأدوية، ما يؤدي إلى خسائر وانخفاض في الإنتاج، ثم ارتفاع الأسعار لاحقاً.

وأشار إلى إمكانية المعالجة عبر محورين متوازيين: الأول يتضمن معالجة ارتفاع التكاليف، من خلال تخفيض رسوم استيراد المدخلات، وتوفير بيئة استثمارية لزراعة وصناعة الأعلاف واللقاحات، وتحديث تقنيات التربية والنقل لتقليل الهدر، والثاني يشمل السماح بالاستيراد ضمن شروط صحة المنتج المستورد، بحيث لا يتحول المنتج المستورد الرديء إلى منافس قاتل للمنتج المحلي الجيد، وقد تجلى ذلك بالفعل من خلال استيراد بعض السلع.

كما اعتبر أن الحل يكمن في إصلاح سلسلة الإنتاج وليس بحماية الاحتكار، مع الإشارة إلى أن الاستثناء المقبول يكون لحماية السلع الاستراتيجية مثل القمح، نظراً لأنها تشكل أداة ضغط سياسي واقتصادي، لأن الاعتماد على استيراد هذه السلع يجعل البلاد عرضة للابتزاز الخارجي، وأوضح أن الدول الناجحة تصنع تقدمها عبر المنافسة لا بالإغلاق، وسوريا بحاجة إلى هذا الدرس قبل فوات الأوان.

جوهر ما طرحه المحللون هو أن المواطن لا يجب أن يتحمل أخطاء منتجين غير ناجحين، ولا أن يدفع ثمن فشل إداري تحت مسمى “دعم الإنتاج المحلي”. ويظل الإنتاج المحلي مشروعاً نبيلاً فقط إذا كان المواطن المستفيد الأول من أسعار عادلة، وجودة أعلى، وفرص عمل حقيقية، واستقرار في الإمدادات. أما إذا تحول الدعم إلى وسيلة لتضخيم ثروات غير الأكفياء.

مجد عبيسي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار