جائحة هرمز-26.. شرايين الطاقة أصبحت أهدافاً للهجوم!

زمن القراءة: 10 دقائق

كما في الجسد الذي ينهار حين يختل جهازه المناعي في ذروة المرض، يواجه الاقتصاد العالمي اليوم حالة مماثلة، حيث لم تعد الصدمات الخارجية هي الخطر الوحيد؛ بل أصبحت شرايين الطاقة ذاتها أهدافاً مباشرة للهجوم.

فعلى مدار العقد الأخير، لم تكن الهجمات على منشآت النفط والغاز مجرد حوادث متفرقة؛ بل أعراضاً مبكرة لمرضٍ يتفاقم بصمت، من بقيق وخريص إلى “نورد ستريم”، بدت الضربات وكأنها نوبات حمى عابرة، سرعان ما يتعافى منها النظام العالمي.

لكن ما يحدث اليوم يشير إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث تتحول هذه الاضطرابات إلى نمط متكرر يهدد بتقويض قدرة العالم على تأمين احتياجاته الأساسية من الطاقة، وتدفعه بطبيعة الحال نحو انهيار تدريجي.

وفي عالم يستهلك تقريباً كل ما ينتجه من الطاقة، فإن أي اضطراب إضافي لا يمثل مجرد أزمة عابرة، بل قد يكون الشرارة التي تدفع الاقتصاد العالمي نحو إغلاق قسري.

بروفة الخطر الأكبر

– في 14 سبتمبر عام 2019، أدت الضربات الإرهابية باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ على معملي “أرامكو” في بقيق وخريص إلى خفض إنتاج السعودية بنحو 5.7 مليون برميل يومياً أو نحو 50% من إنتاج الشركة.

– ارتفعت أسعار خام “برنت” بنحو 19.5% خلال يوم، من 60 دولاراً إلى حوالي 72 دولاراً، وهي أكبر نسبة ارتفاع يومي منذ عام 1991، وتوقف تداول العقود الآجلة لخام “نايمكس” الأمريكي لفترة وجيزة بعد ارتفاعها بشكل حاد.

– ارتفعت أسعار الأصول الآمنة (الذهب، الين، سندات الخزانة الأمريكية) بشكل حاد، وقفزت أسعار العقود الآجلة للبنزين بنحو 13%، وانخفضت أسهم قطاع النفط في البداية نتيجة ارتفاع علاوة المخاطرة، لكنها انتعشت بعد إعلان “أرامكو” عن عمليات الإصلاح.

– فعّلت “أرامكو” إجراءات الطوارئ ونجحت في العودة إلى معدلات الإنتاج الطبيعية في نحو أسبوعين تقريباً.

التخريب يطال أوروبا الهادئة

– بعد 3 سنوات من هجوم خريص وبقيق الغادر، وتحديداً في 26  أيلول عام 2022، تسببت انفجارات تحت سطح بحر البلطيق في حدوث أضرار جسيمة في خطي أنابيب الغاز “نورد ستريم 1 و2″، مما أدى إلى توقف تدفق الغاز من روسيا إلى أوروبا.

– بُنيت هذه الأنابيب لنقل حوالي 110 مليارات متر مكعب سنوياً، والتي تشكل جزءاً كبيراً من احتياج أوروبا، وبعد الهجمات ارتفعت الأسعار في أوروبا بشكل حاد نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات (قفزت أسعار الغاز في هولندا بنسبة تتراوح بين 25 و30%).

– انتقلت الآثار إلى سوق النفط أيضاً لكنها كانت أقل وطأة، حيث ارتفع سعر خام “برنت” بنسبة تتراوح بين 3% و5% بعد انتشار الخبر، وأدت هذه الأحداث إلى تفعيل خطة طوارئ من الاتحاد الأوروبي لتجنب حدوث نقص.

العدوى تتفاقم

– لم تكن حادثتا خريص وبقيق و”نورد ستريم” أول أو آخر الهجمات على البنية التحتية، ولكنهما كانتا بمثابة الحمى التي تنذر بوجود عدوى كامنة يمكن أن تنشط في أي وقت وتعطل الجسد كاملاً، هذه العدوى تبين مؤخراً أنها يمكن أن تتحول إلى جائحة صامتة ولكن مميتة.

حالات اعتداء وتخريب للبنية التحتية العالمية للطاقة

الواقعة والتاريخ

التفاصيل

هجمات على ناقلات النفط في خليج عُمان

يونيو 2019

– تعرضت ناقلتان لهجوم بألغام وطوربيدات غير متفجرة بالقرب من مضيق هرمز.

– ارتفع سعر النفط بنسبة 4% خلال الجلسة، لكن لم تتأثر الإمدادات العالمية.

– تم سحب السفن لاحقًا، لكن أسعار الشحن والتأمين ارتفعت بشكل كبير. 

هجوم إلكتروني على خط أنابيب كولونيال

مايو 2021

– نفذت عصابة برامج الفدية “دارك سايد” هجومًا تسبب في إغلاق أكبر خط أنابيب وقود في الولايات المتحدة لمدة خمسة أيام تقريباً.

– أدى ذلك إلى انخفاض تدفقات البنزين والديزل إلى جنوب شرق الولايات المتحدة بنحو 2.5 مليون برميل يومياً.

– أدى الشراء بدافع الذعر إلى نقص محلي، وارتفعت العقود الآجلة للبنزين في الولايات المتحدة بنحو 20% خلال جلسة 10 مايو قبل أن تستقر لاحقاً. 

الحرب الأوكرانية

فبراير 2022 حتى الآن

– أدت العقوبات إلى خفض صادرات النفط الخام الروسي بشكل حاد، وارتفع سعر “برنت” بنحو 50% في مارس 2022 ليصل إلى ما يقارب 139 دولاراً للبرميل (وهو أعلى مستوى له منذ عام 2008) وسط مخاوف من نقص عالمي.

– في أغسطس 2025، قصفت أوكرانيا محطة الضخ الخاصة بخط أنابيب دروجبا النفطي في أونيتشا، مما أدى إلى توقف تدفق حوالي 600 ألف برميل يوميًا من النفط إلى المجر وسلوفاكيا لمدة 5 أيام.

– تبادل البلدان استهداف منشآت الطاقة منذ اندلاع الصراع. 

حوادث أخرى

أغسطس 2017: تسبب إعصار هارفي في تعطيل أكثر من 30% من عمليات مصافي النفط في خليج المكسيك، أو قرابة 4 ملايين برميل يومياً من عمليات التكرير، مما أدى إلى ارتفاع كبير في سعر البنزين في الولايات المتحدة.

مايو 2019: فجرت جماعات مسلحة خط أنابيب “ترانس نيجر”، مما أدى إلى انخفاض مؤقت في إنتاج نيجيريا بنحو 100 ألف برميل يوميًا.

– 2025: شهد اضطرابات متكررة في إمدادات كازاخستان بسبب مشاكل تشغيلية في حقل “تنجيز”، إلى جانب تعطل خط أنابيب بحر قزوين (CPC) بسبب الهجمات الأوكرانية.

– أصبحت الهجمات الأوكرانية على البنى التحتية للنفط والغاز التابعة لروسيا متكررة في الأشهر الأخيرة، كما استُهدفت سفن النفط الروسية في المياه الدولية، مع توجيه أصابع الاتهام إلى كييف.

– يضاف إلى ذلك سلسلة طويلة من الحوادث الناجمة عن أخطاء تشغيلية أو ظواهر طبيعية مثل الهزات الأرضية والصواعق والعواصف. 

– في أعقاب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أواخر شباط 2026، أغلق مضيق هرمز أمام الملاحة، مما عرّض 20% من تجارة النفط العالمية للخطر، وقالت وكالة الطاقة الدولية إن الإغلاق عطّل تدفق 8 ملايين برميل يومياً (أشارت مؤسسات مستقلة إلى تقديرات أكبر بكثير).

– لا يكمن الخطر في كون الشرق الأوسط أهم منطقة للتزود بالنفط فحسب، إذ يعاني العالم من محدودية الطاقة الإنتاجية الفائضة، فيما يُقدّر الإنتاج الإضافي المتاح لمنظمة “أوبك” بنحو 3 ملايين إلى 4 ملايين برميل يومياً معظمها يتركز في السعودية والإمارات والعراق.

– لا تمتلك الدول المنتجة غير العضوة في “أوبك”، بما في ذلك روسيا وكندا، احتياطيات تذكر، فيما تعتمد زيادة إنتاج النفط الصخري الأمريكي على ظروف السوق، وبالتالي لا يمكن رفع الإنتاج بسرعة في أوقات الاضطرابات، ويضطر المستهلكون إلى استنزاف مخزوناتهم.

جائحة أخطر من كوفيد-19

– انهارت أسعار النفط العالمية إلى النطاق السالب في نيسان عام 2020 على خلفية عمليات الإغلاق التي عطلت الاقتصادات وخفضت الطلب على النفط بسبب جائحة “كوفيد 19″، لكن العالم الآن بصدد جائحة جديدة لا تسبب السعال أو العطس وإنما العوز والفقر.

– بعكس ما حدث في عام 2020، فإن جائحة “نقص الطاقة” الحالية تأتي في وقت كانت تتطلع فيه الاقتصادات للتحرر من تداعيات “كوفيد 19″، بعدما عانت من ركود ثم موجة تضخمية نجحت أخيراً في كبحها وبدأت بالفعل في خفض الفائدة لتسمح بإطلاق العنان للنشاط الاقتصادي.

– لكن مع صدمة النفط الحالية، ارتفعت أسعار البنزين بشكل حاد وبدأت الحكومات إجراءات تقشفية، وأصدرت تعليمات بالعمل والدراسة من المنزل، ومن المرجح أن يتباطأ النمو العالمي إذا استمر الصراع لبعض الوقت (كل زيادة بمقدار 10 دولارات في أسعار النفط تخفض النمو العالمي بنحو 0.2% وترفع التضخم 40 نقطة أساس).

– لكن كيف سيبدو الوضع في سيناريو أكثر قتامة (150- 200 دولار للبرميل)؟ هناك قاعدة تحليلية تشير إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات للبرميل (بعض المحللين يقولون “زيادة بنسبة 10%”) تُقلل الطلب بنحو 1%.

– يعني ذلك أن الطلب العالمي قد ينخفض بين 5% و10% في هذا السيناريو، ما قد يقود العالم إلى ركود حاد مثل (أو أشد من) الذي تسببت به جائحة “كوفيد 19”.

– سيضطر ذلك الحكومات والشركات إلى توسيع نطاق العمل من المنزل لتقليل استهلاك الوقود، وحتى تقليص ساعات وأيام العمل، واللجوء إلى تقنين الموارد، وفرض حظر تجول على المركبات الثقيلة، اقتصادياً، سيكون هذا إغلاقاً شبه كامل.

– قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأكثر من 2% خلال عام، وسترتفع معدلات البطالة مع تقليص الشركات لعملياتها، وسيزيد التضخم بشكل حاد، مما سيجبر البنوك المركزية على اتخاذ قرارات صعبة، وقد تُفرج الحكومات عن جميع مخزوناتها الاستراتيجية.

– كما كشفت جائحة “كورونا” هشاشة النظام العالمي أمام صدمة غير متوقعة، تكشف أزمة الطاقة الحالية هشاشته أمام استهداف شرايينه الحيوية، لكن الفارق الجوهري أن العالم هذه المرة لا يواجه فيروساً يمكن احتواؤه، بل ندرة قد تفرض على الاقتصادات التباطؤ أو التوقف.

– في ظل تصاعد الضربات وتآكل هوامش الأمان، لم يعد السؤال ما إذا كان التعطّل سيحدث، بل إلى أي مدى يمكن للعالم أن يتحمّله قبل أن يدخل في حالة إغلاق يفرضها نقص الطاقة، لا قرارات الحكومات.

المصادر: أرقام- رويترز- بلومبرج- لوس أنجلوس تايمز- إدارة معلومات الطاقة- فرانس 24- أويل برايس- مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي

آخر الأخبار