ميناء ينبع السعودي.. هل يكسر هيمنة مضيق هرمز؟

زمن القراءة: 11 دقائق

في كتابه، “السعيّ: بحثاً عن الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث”، يتحدث خبير ومؤرخ الطاقة دانيال يرغين عن مفارقة تجارة الطاقة قائلًا: “بينما تصبح تجارة الطاقة أكثر عالمية وتعبر مزيدًا من الحدود وتنمو على نطاق واسع على اليابسة وفي المياه، يصبح أمن سلاسل التوريد أكثر إلحاحًا. ويتطلب أمنها مزيدًا من التعاون بين المنتجين والمستهلكين. ونقاط المضائق الحساسة على طول مسارات البحر، تخلق نقاط ضعف بالنسبة لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال، سواء أكانت من الحوادث أو الهجمات الإرهابية، أو من الصراع العسكري. والأكثر شهرة من نقاط الضعف هذه، هو مضيق هرمز”.

أصدر ذاك الكتاب عام 2011، وفي مؤتمر كان شأنه أن يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، في الـ 23 من مارس/آذار الجاري، أدار يرغين دفة الحديث تمامًا، ليتحدث عن الطاقة دون أية تعبيرات ملطفة، فمع إغلاق المضيق فعليًّا قال: “نحن نشهد أكبر اضطراب في قطاع النفط العالمي في التاريخ. لم يحدث شيء كهذا من قبل بهذا الحجم”.

أراد يرغين بهذا التصريح أن يضع الأزمة الحالية في سياقها الصحيح حتى بالمقارنة مع الحظر النفطي عام 1973 والثورة الإيرانية عام 1979 اللذان أعادا تشكيل خريطة الطاقة العالمية، لكنهما لم يتضمنا قط إغلاقًا فعليًا لأهم ممر مائي استراتيجي في العالم، والذي أوقف عبور 16 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام.

لم يفت يرغين رغم ذاك التشاؤم، أن يُشير إلى بارقة أمل حين قال: “تتكشف هذه الأزمة في عالم يتمتع فيه نظام النفط والغاز العالمي بمرونة وتنوع أكبر مما كان عليه منذ عقود، ومن بين الاختلافات الهيكلية: أن الولايات المتحدة أصبحت الآن أكبر منتج للنفط في العالم وأن المملكة العربية السعودية تشغل خطوط أنابيب برية تنقل النفط الخام إلى محطات التصدير في البحر الأحمر متجاوزة المضيق تمامًا”.

ينبع.. الذروة المفاجئة

تُلقي التفاتة خبير الطاقة ذو الـ 79 عامًا، الضوء على مناورة اتبعتها المملكة العربية السعودية منذ بداية الحرب، يعتقد الكثيرون أن لها ما بعدها بشأن مستقبل تصدير النفط السعودي إلى الخارج مبتعدة عن السيّطرة الإيرانيّة على مضيق هرمز. في 4 مارس/آذار الجاري، بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، أكدت شركة أرامكو السعودية، ما تردد بشأن تعديل عمليات شحن النفط الخام من خلال إعادة توجيه الأحجام المخصصة مؤقتًا إلى ميناء ينبع تفاديًا لمضيق هرمز.

في تغطيّتها للخبر، أوضحت صحيفة الشرق الأوسط، أن هذا الإجراء يأتي بفضل البنية التحتية المتطورة التي يمثلها خط أنابيب شرق-غرب (بترولايّن)، الذي يربط حقول المنطقة الشرقية بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر. ليكون “بمثابة المنفذ الاستراتيجي البديل للمملكة. ويمتد هذا الخط 1200 كم بطاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين برميل يوميًّا، مما يمنح الرياض مرونة لوجيستية في إدارة صادراتها بعيدًا عن الممرات المضطربة”، وانعكست تلك الحفاوة في تغطيّات إخبارية سعودية أخرى عديدة.

وفقًا لتقديرات شركة فورتسكا المتخصصة في تتبع تجارة النفط والغاز، يُمكن أن تتسع الطاقة الاستيعابية لميناء ينبع بشكل نظري إلى 7 ملايين برميل يوميًّا، ومنذ بداية آذار 2026، وصلت حمولة ينبع اليومية إلى 4.5 مليون برميل يوميًا، مما يتجاوز بكثير ذروة معدل التصدير الشهر التاريخي المسجلة لدى فورتسكا والبالغة 1.5 مليون برميل يوميًا في أبريل/نيسان 2020. لكن تلك الأرقام، لا تعوض إلا جزءًا من النقص في صادرات النفط الخام من خط أنابيب الشرق الأوسط وأفريقيا، والذي يبلغ حوالي 13.4 مليون برميل يوميًا.

أرادت السعودية إعادة ضبط البحر الأحمر، بعد إغلاق مضيق هرمز، من خلال ميناء ينبع، خفضت إنتاجها بنحو مليوني برميل بوميًا، وسعت المملكة فورًا إلى تحويل إنتاجها المتبقي إلى الميناء المُطل على البحر الأحمر.

نون بوست
لقطة من الأقمار الاصطناعية لميناء ينبع

اصطفت ناقلات النفط العملاقة لاستقبال هذا النفط الخام المحول، وبحلول 18 مارس/آذار بلغ متوسط الشحنات من الميناء حوالي 4.2 مليون برميل يوميًا، لكن سقوط طائرة مسيرة على مصفاة سامرف في الميناء، واعتراض صاروخ باليستي، جاءت ردًا على قصف حقل غاز جنوب فارس الإيراني، أعطت إشارات أخرى.

يبدو أن ذاك المنفذ الاستراتيجي البديل، لا يبعد كثيرًا عن الاضطرابات التي تحدثت الشرق الأوسط عنها، حيث عطلت الصواريخ الإيرانيّة عمليات تحميل النفط، مع احتمال أن جماعة أنصار الله الحوثي في انتظار دخول الحرب في أي لحظة، رغم قلة الذخيرة.

سجل ميناء ينبع معدل تحميل متوسطًا يتراوح بين 2.5 و3 ملايين برميل يوميًا منذ بداية آذار، ومن الجدير بالذكر أيضًا، أن ذروة معدل التحميل المسجلة في الميناء يوم 9 مارس، بلغت وفقًا لتقرير هيئة الطاقة الدولية 5.9 مليون برميل يوميًا. إضافًة إلى ذلك، ارتفع متوسط ​​إيرادات ناقلات النفط من البحر الأحمر إلى آسيا إلى أعلى مستوى له منذ نحو ست سنوات، ليصل إلى ما يقارب 270 ألف دولار أمريكي يوميًا.

لكن تلك الذروة، صاحبتها شكوك. بالنسبة لأديتيا ساراسوات، رئيس قسم أبحاث الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة ريستاد إنرجي، يرى أنه “من غير الواضح ما إذا كان هذا الوضع سيستمر على المدى الطويل”. وهو ليس وحيدًا في رؤيته تلك، ولكن علينا أن نُلقي نظرة في تقرير هيئة الطاقة الدولية أولًا، قبل العودة إلى تلك النقطة، حيث نجد في تقرير الهيئة إضاءة هامة تخص مستقبل توزيع الطاقة في العالم.

آسيا.. المتضرر الأكبر حتى الآن فهل تكون متضرر دائم؟

يؤكد تقرير هيئة الطاقة الدولية IEA الصادر في 12 مارس 2026، أننا نعيش حاليًا أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة في التاريخ، متجاوزًا أزمة السبعينيات، وهو يتفق بذلك مع يرغين. واحدة من نقاط الأزمة المهمة تلك هي التي ألقى عليها التقرير الضوء بالنسبة لآسيا، حيث يُمكننا أن نقرأ من خلاله مستقبلًا يشهد أفول هيمنة الطاقة الخليجية على السوق الآسيوية.

ما يشير إليه التقرير هو أن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز التي انخفضت بشكل غير معتاد منذ بداية الحرب، أجبرت السعودية على خفض صادراتها لآسيا بنسبة 38.6% في شهر مارس وحده، أي من 7.1 مليون برميل يوميًا إلى 4.3 برميل يوميًا، وهذا فراغ كبير بالنسبة لسوق تعتمد تاريخيًا بما يقارب 80% على النفط الخليجي.

بناءً على ما سبق، تتوقع هيئة الطاقة الدولية أن إعادة رسم خريطة الإمدادات ستخلق واقعًا جديدًا في آسيا، فقد تنمو حصة الأطلسي والأمريكتين، وقد بدأت المصافي في الصين والهند بالتوجه المكثف بالفعل نحو النفط من الولايات المتحدة والبرازيل وغويانا ومناطق غرب أفريقيا، رغم أن شحن هذا النفط يستغرق أكثر من 40 يومًا للوصول لآسيا، وما يصاحب ذلك من ارتفاع في كلفة الشحن، ولكن، لا محيد عن ذلك.

كذلك، ما يصل من حصة آسيا، يتأثر أيضًا بجودة المعروض، فالصادرات التي تأتي من ينبع تقتصر على الخام العربي الخفيف -وهي نقطة سنعود لها فيما بعد- وبذلك خسرت المصافي الآسيوية الوصول إلى الخامات المتوسطة والثقيلة التي صُممت مصافيها لمعالجتها، مما أجبرها على تغيير خلطة التكرير وزيادة الاعتماد على موردين آخرين يوفرون درجات مشابهة.

مناورة ينبع.. تهديدات أكبر من الآمال

يرى الباحث في مجال الطاقة أندرو لوغان أن اتساع نطاق الصراع ليس الخطر الوحيد الذي يُهدد الخطة السعودية، فحتى مع استئناف الشحنات، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت المملكة تمتلك القدرة التقنية اللازمة لدعم خطتها التصديرية بالكامل، ولا ما إذا كان البحارة على استعداد لتحمل خطر المزيد من الضربات.

يُشير لوغان إلى خطر آخر، وهو خطر لوجستي بحت حيث يتسائل: إلى أي مدى يُمكن شحن النفط الخام من ينبع؟ فالسعودية، سمحت لعملائها باستلام حصص شهر أبريل/نيسان عبر الميناء، إلا أن هذه الحصص ليست كاملة، ولا تزال مُقيّدة بسعة خطوط الأنابيب.

 يُضاف إلى ذلك محدودية نوع النفط المُورد، إذ لا يُعرض على المصافي سوى النفط العربي الخفيف، وبالرغم من وجود نحو 30 ناقلة نفط ترسو بالقرب من الميناء حتى 16 مارس، لا تزال حركة التنقل عبر قناة السويس أقل بكثير من ذروتها. والآن، مع امتداد الاضطرابات إلى البحر الأحمر، يبقى السؤال مطروحًا حول إمكانية استمرار حركة ناقلات النفط لنقل النفط الخام المُحول من ينبع. 

أساسًا، تواجه ينبع مشكلة أخرى تتعلق بالشحن، فوفقًا لأحد تقارير فورتسكا يعد خط ينبع-آسيا حاليًا أغلى خطوط الشحن الرئيسية لناقلة النفط العملاقة في السوق، حيث تصل العائدات اليومية إلى مئات آلاف الدولارات وتعكس اقتصاديات الرحلة ندرة هذه السفن وارتفاع المخاطر التشغيلية، بالنسبة لناقلة نفط عملاقة مثل VLCC حمولتها 280 ألف طن، فإن تكلفة الشحن من ينبع تزيد بمقدار 12 مليون دولار أمريكي عن تكلفة الشحن من ساحل الخليج الأمريكي، و17 مليون دولار أمريكي عن تكلفة الشحن من غرب آسيا، وذلك على أساس الرحلة الواحدة.

بالعودة لتقرير لوغان، يرى أنه في أفضل السيناريوهات الممكنة حيث تتوقف الضربات الإيرانية وتزداد الطاقة الإنتاجية، فإن خط أنابيب البحر الأحمر لن يسد العجز الناجم عن مضيق هرمز إلا بشكل طفيف.

أما بالنسبة لأسوأ السيناريوهات، والذي يفترض وقوع هجمات أخرى من إيران أو الحوثيين تسبب انهيارًا في عناصر تحويل مسار خط الأنابيب -وهو شديد الهشاشة، ففي عام 2019 هاجم الحوثيون معمل بقيق السعودي -منشأة رئيسية تغذي خط الأنابيب-، ما أدى إلى توقف إنتاج 5.7 مليون برميل يوميًا- أو في حال صعّد الحوثيون نشاطهم مجددًا وأغلقوا مضيق باب المندب، فستظهر هنا أزمة أخرى، حيث ستضطر السفن المتجهة إلى آسيا، إلى تغيير مسارها عبر قناة السويس، وهذا قد يضيف أسابيع إن لم يكن شهورًا إلى رحلاتها.

وفقًا لتلك المُعطيات، لا يبدو أن السعودية تقتنع بجدية بإمكانية ينبع كبديل حقيقي لمضيق هرمز، بل هو مجرد حل اضطراري، يقلل الخسائر.

وإذن، فإنّ تحويل مسار البحر الأحمر ليس حلًا سحريًا، خاصة الآن بعد أن أصبح هدفًا محتملًا في هذه الحرب، ومن أجل أن يصبح ينبع بديلًا ناجعًا، لن تحتاج السعودية فقط إلى دفع بنيّتها التحتية إلى أقصى حدودها، بل يجب عليها أيضًا ضمان الحماية من الهجمات وإقناع البحارة بأن مينائها آمن، ووفقًا لكلمات لوغان، يبدو أن هذا أكثر من مجرد طلب صعب. 

مصطفى الخضري

المصدر: نون بوست

آخر الأخبار