هندسة الخداع المالي .. حين تصبح الخسارة سرًا يجب إخفاؤه

زمن القراءة: 4 دقائق

في خريف 2011، انكشفت واحدة من أكبر فضائح الاحتيال المالي في اليابان، عندما تبيّـن أن “أوليمبوس” — التي تمتد جذورها لأكثر من 90 عامًا في صناعة الكاميرات والمعدات الطبية — أخفت خسائر تُقدّر بنحو 1.7 مليار دولار على مدار سنوات.

شرارة الانطلاق

رغم تحقيق الشركة أرباحًا مبكرة في عام 1987، فإن مسارها تغيّـر سريعًا، إذ سجلت بحلول عام 1991 خسائر بلغت 2.1 مليار ين، ومع تصاعد الشائعات في أواخر التسعينيات بشأن تفاقم تلك الخسائر، لم تتجه الإدارة إلى الاعتراف بها، بل اختارت مساراً معاكساً.

استراتيجية الإخفاء والتلاعب

وذلك عبر زيادة الانكشاف على استثمارات أكثر مخاطرة، وفي هذا السياق، لجأت إلى استخدام طرق احتيالية لإخفاء الخسائر منها تسجيل الأصول بالتكلفة التاريخية بدلاً من القيمة السوقية العادلة، بالتوازي مع تنفيذ عمليات استحواذ عبر شركات في جزر كايمان مقابل رسوم إدارة ومشورة مرتفعة.

كيف أخفت الخسائر؟

اتضح لاحقًا أن شراءها للشركة البريطانية “جيروس” لصناعة المعدات الطبية كان ضمن العمليات التي استخدمت لإخفاء الخسائر، ففي تلك الحالة بلغت رسوم الاستشارة 687 مليون دولار التي دفعت لشركة غير معروفة نسبياً، وهو ما يعادل ثلث إجمالي المقابل المدفوع تقريباً، لذا أبدت شركة التدقيق المحاسبي الخارجية “إرنست أند يونغ” مخاوفها بشأن تلك الصفقة.

ناقوس الخطر

رغم تحفظ الشركات اليابانية في إسناد مناصبها القيادية لغير اليابانيين، فإن البريطاني “مايكل وودفورد” نجح في الوصول إلى منصب المدير التنفيذي لـ “أوليمبوس” عام 2011، بعد خبرة تجاوزت عشر سنوات في فروعها الأوروبية.

تفاؤل أولي

حينها رفع “جولدمان ساكس” توصيته لسهم الشركة إلى “شراء” على أمل أن يساهم المدير الغربي في خفض النفقات غير الضرورية وزيادة الأرباح، لكن بدلاً من ذلك هبط السهم 17% فور انتشار الخبر، وسرعان ما تحول صعود “وودفورد” إلى أزمة كبرى، بعدما اكتشف سلسلة من المعاملات الاحتيالية.

صدام إداري

وعندما واجه رئيس مجلس الإدارة “تسويوشي كيكوكاوا” ومسؤولين تنفيذيين آخرين، مطالبًا بتوضيح الحقيقة، كانت الردود مبهمة وصامتة، وأدرك لاحقًا أن المجلس لا يتوافق مع رؤيته وسيقاوم أي شفافية بشأن الادعاءات، لذلك قرر الاستعانة بشركة التدقيق المحاسبي “برايس ووترهاوس كوبرز” لإجراء تحليل مستقل للمعاملات.

أدلة تُدين الإدارة

قدمت “بي دابليو سي” تقريرًا مقلقًا أرسل إلى “كيكوكاوا”، واقترح “وودفورد” عليه الاستقالة باعتبارها الطريقة الأمثل لمواجهة هذه الفضيحة، كما بادر بإرسال نسخ من التقرير إلى “إرنست أند يونج”، مدركًا أن ذلك سيفضي إلى كشف القضية للعلن.

قرار مفاجئ

 كان يأمل أن يُحفز اجتماع مجلس الإدارة الذي عقد في الرابع عشر من أكتوبر اتخاذ الإجراءات اللازمة لكي تبدأ “أوليمبوس” عملية التعافي وتحقيق الشفافية، لكن ما حدث لم يكن متوقعًا، إذ قرر المجلس فصل “وودفورد” بعد 6 أشهر فقط من توليه منصبه.

الاعتراف بعد الإنكار

بعد الإنكار المبدئي للمخالفات، أقرت “أوليمبوس” لاحقًا بإخفائها خسائر بقيمة 1.7 مليار دولار على مدى 20 عامًا، وخلال تلك السنوات فشل المدققون الخارجيون في كشف جميع المعاملات التجارية المزورة، واستمرت الإدارة العليا في السعي وراء استثمارات فاشلة أسفرت عن خسائر فادحة.

تداعيات مدوية وسقوط القيادات

ومنذ انكشاف الفضيحة تراجع سهم الشركة بحوالي 80% واستقال مجلس إدارتها ورفعت الشركة دعوى قضائية ضد رئيسها و18 مسؤولاً آخر، وأجرى المدعون العامون في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان تحقيقات معها، في فضيحة لفتت أنظار العالم إلى حوكمة الشركات اليابانية.

رغم أن “أوليمبوس” تواصل عملياتها حاليًا مع اتباع نموذج عمل أكثر مرونة ووضوح أكبر في المساءلة، إلا أن فضيحتها التاريحية تُجسّد نموذجًا صارخًا على كيف يمكن لثقافة مؤسسية قائمة على إخفاء الحقيقة أن تُحوّل مسار الشركات، فما بدأ بخسائر استثمارية قابلة للمعالجة تحوّل — بفعل القرارات الخاطئة والصمت المتعمد — إلى كارثة امتدت لعقدين كاملين.

المصادر: أرقام – جامعة سنغافورة للإدارة  – ريسيرش جيت – ورلد فاينانس – بي بي سي – الإيكونومست – بلومبرغ

آخر الأخبار