السلفة الضريبية.. خطوة لمكافحة التهرب أم عبء على المستوردين؟

زمن القراءة: 8 دقائق

في إطار سعي الحكومة لتحقيق العدالة الضريبية ومكافحة التهرب، بدأت وزارة المالية خطوات جديدة تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المالية.

وتشمل هذه الإجراءات فرض سلفة ضريبية بنسبة 2 بالمئة من قيمة الفاتورة على المستوردين، وإلزامهم بتقديم براءة ذمة مالية مسبقة مع منح فترة سماح، في محاولة لموازنة الرقابة مع استمرارية النشاط الاقتصادي، وتعزيز شفافية السوق، والحد من التهرب الضريبي الذي طالما شكل تحدياً أمام استقرار المالية العامة.

وقال وزير المالية محمد يسر برنية، إن القرارين يأتيان استجابة لتوصيات غرف الصناعة والتجارة، وحرصاً على الحد من ظاهرة المستورد الوهمي ومكافحة التهرب الضريبي، وذلك بالتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.

وشدد برنية على أن هذه القرارات ليست ضريبة جديدة، لكنها تمثل سلفة تدفع على الحساب وتخصم من الضريبة المستحقة للمستورد.

الانضباط المالي

رأى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر، أن السلفة الضريبية تعد أداة عملية تهدف إلى تحسين الانضباط المالي دون التأثير المباشر على استمرارية النشاط التجاري، مع السعي إلى تحقيق توازن بين الرقابة والمرونة في السوق.

وأوضح السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”، أن السلفة الضريبية دفعة تُحتسب لاحقاً ضمن التكليف الضريبي، أي ليست ضريبة جديدة.

وأشار إلى أن هذا الأسلوب يسمح للخزينة العامة بالحصول على جزء من الإيرادات بشكل مبكر، وفي الوقت نفسه يحافظ على حقوق المستوردين من خلال التسوية النهائية، بما يحقق معادلة تضمن تدفقاً مالياً مستقراً دون تحميل المكلفين أعباء إضافية خارج الإطار المعتاد.

إلى جانب ذلك، يُسهم هذا الإجراء، بحسب السيد عمر، في الحد من ظاهرة “المستورد الوهمي”، التي شكّلت تحدياً واضحاً في السوق السورية، من خلال ربط السلفة الضريبية بقيمة الفاتورة، بالتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، الأمر الذي يُعزز مستوى الرقابة ويُقلل من فرص التلاعب أو التهرّب.

وأضاف أن هذا التكامل بين الجهات المعنية يُسهم في تنظيم العمليات التجارية ويجعلها أكثر شفافية وانضباطاً، كما أن إلزام المستورد بتقديم براءة ذمة مالية مسبقة، مع منح فترة سماح، يندرج ضمن المسار التنظيمي نفسه.

ويضمن هذا الإجراء وضوح الالتزامات المالية منذ البداية ويحد من تراكم الإشكالات لاحقاً، دون أن يؤدي إلى تعطيل حركة الاستيراد أو إبطاء النشاط الاقتصادي.

جودة البيانات

أكد وزير المالية أن السلفة الضريبية “بالغة الأهمية لتوفير بيانات ومعلومات تساعد على تطوير الإحصاءات والسياسات المالية”.

ورأى السيد عمر أن أحد الجوانب المهمة لهذه الخطوة يتمثل في تحسين جودة البيانات الاقتصادية في سوريا، إذ توفر السلفة الضريبية معلومات أكثر دقة حول حجم الاستيراد وقيم الفواتير، ما يسهم في بناء قاعدة بيانات واقعية تعكس النشاط التجاري بشكل أفضل. وتتيح هذه البيانات للجهات المعنية تطوير السياسات المالية بدقة أعلى، والاعتماد على مؤشرات فعلية بدلاً من التقديرات غير المستقرة.

في الوقت نفسه، تُسهم هذه الإجراءات في دعم استقرار السيولة النقدية للخزينة العامة على مدار العام، فتحصيل دفعات منتظمة يُقلل من تأثير التقلّبات المرتبطة بأسعار الصرف أو تغيّر حجم الاستيراد، وهو ما يمنح الإدارة المالية قدرة أفضل على التخطيط والإنفاق بشكل متوازن، وفق الخبير الاقتصادي.

الرقابة والمرونة

أشار الوزير برنية إلى أن السلفة تطبق فقط على المستوردين، وتحد من فرص التهرب والمستوردين الوهميين، كما أنها غير نهائية وتخضع لتدقيق البيانات الضريبية. وتهدف إلى تحقيق عدالة أكبر بين المكلفين من خلال الربط مع نظام الاستيراد، وتخفف العبء الضريبي عند تقديم البيان الضريبي عبر السلف المرتبطة بالنشاط الاستيرادي، إضافة إلى ضمان سيولة نقدية للخزينة طوال العام وحماية الاقتصاد من أي أثر ناتج عن تذبذب أسعار صرف العملات.

واعتبر السيد عمر أن اللافت في هذه السياسة أنها تجمع بين الرقابة والمرونة في آنٍ واحد، إذ إن فرض السلفة وربطها بعملية الاستيراد يعزز الالتزام، في حين تضمن فترة السماح وعدم اعتبارها ضريبة إضافية استمرار الأعمال دون ضغط مباشر على المستوردين. ويعد هذا التوازن ضرورياً في بيئة اقتصادية تحتاج إلى الاستقرار وتجنّب أي تعطيل مفاجئ في حركة السوق، كما تعكس هذه الخطوة توجهاً نحو تحقيق عدالة أكبر بين المكلفين في سوريا.

وكان المستوردون الملتزمون يتأثرون بوجود ممارسات غير منظمة من قبل البعض، ما يخلق تفاوتاً في الالتزامات، إلا أن تنظيم العملية بهذه الطريقة يحد من هذه الفجوة، ويضمن تطبيق القواعد على الجميع بشكل متساوٍ.

وخلص السيد عمر إلى أن السلفة الضريبية وبراءة الذمة المالية تمثلان خطوة عملية نحو تنظيم قطاع الاستيراد في سوريا وتحسين إدارة الموارد، إذ تعزز هذه الإجراءات الشفافية، وتدعم استقرار السيولة، وتوفّر بيانات دقيقة تسهم في تطوير السياسات المالية. وبذلك يتشكل مسار تدريجي نحو نظام مالي أكثر توازناً، يجمع بين الانضباط والاستقرار، ويحافظ على استمرارية النشاط الاقتصادي.

معيار الوزن أم القيمة؟

أكد رئيس غرفة تجارة دمشق السابق محمد الحلاق، أن المستوردين مع هذه الخطوة، وقد تمت المطالبة بها منذ العام الماضي.

لكن الحلاق اعترض على تسمية المستوردين “وهميين”، نافياً وجود مستورد وهمي طالما يوجد بوليصة وبضاعة مستوردة، رغم إمكانية الاستيراد بغير الاسم الحقيقي، أو من خلال الاستعانة بموظف لدى المستورد للاستيراد باسمه، أي أن المستورد حقيقي، لكن من يمارس المهنة ليس هو من يستورد فعلياً.

وحول نسبة السلفة المفروضة والمحددة بـ2 بالمئة، أوضح الحلاق أن اقتطاعها مهم، إلا أن الخلاف يكمن في آلية حسابها، إذ إنها لا تعكس الواقع الحقيقي لقيمة المستوردات.

ورأى ضرورة اعتماد معيار منفصل عن قيمة الفاتورة، مشيراً إلى أن الجمارك تستطيع الوصول إلى معيار أقرب للعدالة، بحيث تكون السلفة على الوزن لا على القيمة.

الأمر الإيجابي، بحسب الحلاق، هو إتاحة مهلة قانونية لتنفيذ القرار، الذي يبدأ تطبيقه مطلع شهر تموز المقبل، رغم أن تطبيق مثل هذه القرارات يُفضّل أن يتم بأسرع وقت ممكن، خاصة في ظل وجود تشوهات في هيكلية الضرائب.

وبالنسبة لبراءة الذمة، يرى الحلاق أنه لا داعي لها في هذه المرحلة، ويفضّل أن تكون ضمن منظومة المالية الإلكترونية ومرتبطة بجميع المكلفين، بحيث يُعرف من خلالها من هو بريء الذمة.

أهداف متعددة

أوضح المحلل الاقتصادي سامر مصطفى، لصحيفة “الثورة السورية”، أن السلفة الضريبية آلية تهدف إلى تحقيق أهداف عدة، أبرزها ضمان تدفق نقدي مستمر إلى الخزينة العامة، وتحسين دقة البيانات المالية المتعلقة بحجم الاستيراد والنشاط التجاري، إضافة إلى الحد من ظاهرة “المستورد الوهمي” التي تُستخدم للتهرب الضريبي.

ورأى مصطفى أن هذه الإجراءات تسهم في القضاء على التهرب الضريبي، الذي يُعد من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، خاصة في قطاع التجارة الخارجية، فربط السلفة الضريبية بعملية الاستيراد يجعل من الصعب على المستوردين إخفاء نشاطهم الحقيقي. كما أن إلزام براءة الذمة المالية يفرض رقابة مسبقة على المكلفين، ما يعزز الشفافية ويحد من التلاعب.

وقال مصطفى إن هذا الإجراء يسهم في تأمين موارد مالية منتظمة للدولة على مدار العام، بدل الاعتماد على التحصيل الموسمي أو المتأخر للضرائب، مما يعزز قدرة الحكومة على تمويل النفقات العامة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية وتقلبات سعر الصرف.

وبالنسبة للتأثير على المستوردين وبيئة الأعمال، أضاف مصطفى: “رغم أن السلفة تُسترد لاحقاً، إلا أنها قد تشكل عبئاً مؤقتاً على السيولة لدى بعض المستوردين، خاصة صغار التجار، كما أن شرط براءة الذمة قد يؤدي إلى تأخير بعض العمليات التجارية في حال عدم جاهزية المستوردين مالياً أو إدارياً. ومع ذلك، فإن منح فترة سماح وتوضيح أن الإجراء مؤقت يخفف من هذه الآثار ويساعد على التكيف التدريجي مع النظام الجديد”.

ميساء العلي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار