إعمار سوريا.. هل تعود المدن كما كانت أم تولد خريطة عمرانية جديدة؟

زمن القراءة: 10 دقائق

بين مدن تحوّلت أحياؤها إلى ركام، وأخرى ما زالت تنتظر فرص النهوض، يفرض ملف إعادة إعمار سوريا نفسه كأحد أكثر الملفات إلحاحاً وتعقيداً في المرحلة الراهنة، فبعد نحو 14 عاماً من الحرب التي شنّها النظام المخلوع، تعرضت مساحات واسعة من المناطق السكنية والبنى التحتية لتخريب كبير نتيجة القصف والدمار الذي طال المدن والبلدات الثائرة، ما يجعل إعادة الإعمار تحدياً عمرانياً وإنسانياً في آن واحد.

وفي ظلّ هذه الظروف، تفرض مرحلة ما بعد الدمار على الجهات المعنية خيارات متعددة، تتراوح بين ترميم الأحياء المتضررة وإعادة تأهيل المدن القائمة، وبين التوجه إلى إنشاء تجمعات عمرانية جديدة تستوعب التحولات السكانية ومتطلبات التنمية المستقبلية.

ويتداخل في هذا الملف البعد الهندسي والاقتصادي مع قضايا اجتماعية أساسية، أبرزها حق السكان في العودة إلى مناطقهم الأصلية وتحقيق العدالة السكنية، ما يجعل إعادة الإعمار مساراً لإحياء المدن واستعادة الحياة فيها، وليس مجرد عملية بناء مادي.

رؤية هندسية لإعادة الإعمار

وفي سياق الجهود الهندسية المبذولة، أوضح أمين سر نقابة المهندسين السوريين، رصين عصمت، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، أن مجلس النقابة عمل منذ التحرير على إعداد برامج وخطط لدعم عملية البناء والإعمار، حيث تمّ وضع برنامج وطني يتضمن رؤية النقابة لإعادة إعمار المدن والمناطق المتضررة، وجرى رفعه إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان باعتبارها الجهة المشرفة على عمل النقابة.

وبيّن عصمت أنه بعد سلسلة اجتماعات مع الوزير والمعنيين في الوزارة، تم العمل على برنامج خاص بمسح الأضرار في مختلف المناطق المتضررة، كما شاركت النقابة في إعداد دليل إجرائي تنفيذي مخصص لفرق العمل التي ستقوم بزيارات ميدانية لمسح الأضرار في المباني الصناعية والسكنية والخدمية والبنى التحتية.

وأشار إلى أن هذا الدليل أُعد بالتعاون مع إحدى المنظمات الدولية وبإشراف وزارة الأشغال العامة والإسكان، ويتألف من نحو 200 صفحة، وقد أصبح جاهزاً للطباعة، معتبراً ذلك خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، موضحاً أن النقابة أنجزت خلال العام الماضي أكثر من عشرة كودات هندسية متطورة وأدلة إرشادية تساعد المهندسين على تقييم المباني والكشف السريع والتفصيلي ضمن مراحل إعادة الإعمار.

وفيما يتعلق بالاستفادة من الخبرات المحلية لوضع خطط عمرانية لإعادة بناء المدن، أوضح عصمت أن النقابة سعت بعد التحرير إلى استقطاب الكفاءات التي كانت مغيّبة سابقاً، سواء في القطاعين العام والخاص أو في الجامعات، لافتاً إلى وضع برنامج لتشكيل «شبكات خبراء» من مختلف الاختصاصات الهندسية، بما يسهم في إعداد خطط عمرانية حديثة قابلة للتطبيق وفق أعلى المعايير العالمية في التخطيط المدني.

أما بشأن التحديات التي قد تواجه المهندسين في مشاريع إعادة الإعمار، فأكد أن أبرزها يتمثل في محدودية الموارد المتاحة، مشيراً إلى أن الدولة تعتمد حالياً على الخبرات المحلية والإمكانات المتوفرة، وقال: “برأيي، لا تنقصنا الكفاءات، بل تنقصنا الموارد المادية التي يجب توفيرها ليتمكن المهندسون من تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار على أرض الواقع”.

وحول إمكانية تحسين التخطيط العمراني وتنظيم المدن مقارنة بالمرحلة السابقة، أوضح أن رؤية النقابة تقوم على مستويات متعددة من الخطط ، تبدأ بخطط إسعافية لتأمين الإسكان المؤقت في بعض المناطق، إضافة إلى خطط متوسطة وبعيدة المدى.

ولفت إلى أن هذه الخطط تستند إلى ما أعدته هيئة التخطيط الإقليمي التابعة لوزارة الأشغال العامة والإسكان من منهجية وطنية وسياسة شاملة لتنظيم المدن في مختلف المناطق السورية، مشيراً إلى أن بعض المناطق التي تعرضت لدمار واسع، مثل جوبر، تحتاج إلى إعادة تخطيط عمراني شامل يتيح إنشاء تجمعات حديثة تراعي معايير العمارة المستدامة والمقاومة للزلازل، مع توفير المساحات الخضراء والمرافق الخدمية كالمشافي والمدارس والأسواق.

وفيما يتعلق بالمعايير الهندسية لبناء مدن آمنة ومستدامة، أكد عصمت أن إعادة الإعمار يجب أن تنطلق من مفاهيم العمارة الحديثة التي تركز على الأمان الإنشائي ومقاومة العوامل الطبيعية، إضافة إلى اعتماد البناء الأخضر الصديق للبيئة وتقنيات العزل الحراري لتوفير الطاقة وتحقيق الاشتراطات البيئية، بما يسهم في إنشاء أبنية اجتماعية واقتصادية تلبي متطلبات السكن الكريم وتواكب احتياجات المرحلة المقبلة.

بين الترميم وإنشاء التجمعات الحديثة

وفي السياق ذاته، أوضح مدير المخططات والتنمية الحضرية في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، المهندس خالد خليل الخضر، في تصريح لصحيفة «الثورة السورية»، أن الوزارة تعمل ضمن مقاربة متكاملة لإعادة البناء وتأهيل المناطق المتضررة، لا تقتصر على إعادة تشييد الأبنية فحسب، إنما تشمل أيضاً إعادة تنظيم الواقع العمراني وتحسين البنى التحتية والخدمات، وتعزيز قدرة الوحدات الإدارية على إدارة الموارد وتوجيهها بما يدعم التنمية الحضرية.

وأشار الخضر إلى أن الوزارة تركز على متابعة وتحديث المخططات التنظيمية ومعالجة الاختناقات التخطيطية التي ظهرت خلال السنوات الماضية، إضافة إلى إعادة تأهيل المناطق المتضررة وفق أولويات تستند إلى منهجيات علمية وتقنية، كما يجري العمل على تطوير الأدوات القانونية والإدارية لدعم الوحدات الإدارية في تنفيذ مشاريعها بكفاءة أكبر، إلى جانب رقمنة المخططات والبيانات المكانية لتعزيز دورها في التخطيط والتنفيذ وفق مبادئ اللامركزية والحوكمة والتنمية الحضرية.

وفيما يتعلق بالموازنة بين ترميم الأحياء القائمة وإنشاء تجمعات عمرانية جديدة، أوضح أن خيارات إعادة البناء تختلف تبعاً لحجم الضرر وحالة البنى التحتية والخصائص الاجتماعية والاقتصادية لكلّ منطقة، ويتم ترتيب الأولويات بما يحقق التوازن بين إعادة تأهيل الأحياء والحفاظ على النسيج الاجتماعي، وبين إنشاء تجمعات جديدة في المناطق التي شهدت دماراً واسعاً أو كثافات سكانية مرتفعة، ضمن رؤية تخطيطية شاملة تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

وأكد الخضر أن حقّ السكان في العودة إلى مناطقهم الأصلية يمثّل المبدأ الأساس في أي خطّة لإعادة الإعمار، مع التركيز على توثيق البيانات المكانية والعقارية وتحديث المخططات التنظيمية وربط تنفيذ المشاريع بتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، ولا سيما النقل والمياه والصرف الصحي، بما يسهم في تسهيل العودة المنظمة للسكان والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

كما أشار إلى أن إطلاق تجمعات سكانية جديدة، سواء كانت مدناً سكنية أو تخصصية، يقوم على رؤية متوسطة وبعيدة المدى تستند إلى دراسة الواقع العمراني للمدن والبلديات القائمة، وتحديد المواقع القادرة على استيعاب النمو السكاني مستقبلاً، مؤكداً أن المدن الجديدة تُعد خياراً تكميلياً لا بديلاً عن تأهيل المدن القائمة، بما يحقق التكامل بين السكن والخدمات والأنشطة الاقتصادية والبنية التحتية وشبكات النقل، ويسهم في إنشاء بيئات عمرانية متوازنة ومستدامة تعزز الاستثمار وتحسن جودة الحياة.

كلفة الإعمار وفرص التنمية

ووفق تقرير صادر عن البنك الدولي في تشرين الأول 2025 حول تقييم الأضرار في سوريا، تُقدَّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، بعد أكثر من عقد من الدمار الذي طال البنية التحتية والقطاعات الحيوية، ويشير التقرير إلى أن الأضرار المباشرة التي لحقت بالمباني والمنشآت والبنى التحتية بلغت نحو 108 مليارات دولار، حيث تصدّر قطاع البنية التحتية قائمة القطاعات الأكثر تضرراً بقيمة تقارب 52 مليار دولار، يليه قطاع المساكن بنحو 33 مليار دولار.

ويبيّن التقرير أن نحو ثلث الأصول المادية في البلاد قبل الثورة تعرضت للضرر، فيما كانت محافظات حلب وريف دمشق وحمص من بين الأكثر تضرراً، ما يجعلها في مقدّمة المناطق التي تحتاج إلى مشاريع إعادة إعمار واسعة، كما يقدّر أن كلفة إعادة بناء هذه الأصول قد تتراوح بين 140 و345 مليار دولار، وهو رقم يعادل عدة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، ما يعكس حجم التحدي الاقتصادي والعمراني الذي تواجهه البلاد في مرحلة التعافي.

وفي سياق متصل، تشير دراسة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن مرحلة إعادة الإعمار يمكن أن تمثل فرصة لإطلاق عملية تنموية شاملة، لا تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، موضحة أن تنفيذ مشاريع الإعمار وفق تخطيط عمراني حديث ومستدام قادر على تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل واسعة في قطاعات البناء والخدمات والصناعات المرتبطة بها، بما يسهم في تحسين مستوى المعيشة وعودة النشاط الاقتصادي إلى المدن المتضررة.

كما تؤكد الدراسة أن اعتماد معايير عمرانية حديثة في إعادة الإعمار قد يتيح إعادة تنظيم المناطق السكنية وتطوير البنى التحتية بصورة أفضل مما كانت عليه سابقاً، من خلال توسيع المساحات الخضراء وتحسين شبكات الطرق والخدمات العامة، ويرى خبراء أمميون أن هذه المرحلة قد تشكّل فرصة لإعادة بناء مدن أكثر استدامة وأماناً، قادرة على تلبية احتياجات السكان وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المستقبل.

وبين خيار ترميم المدن التي تحتفظ بذاكرة سكانها، والتوجه نحو إنشاء تجمعات عمرانية حديثة تستجيب لتحولات الواقع الديمغرافي والاقتصادي، تبدو سوريا أمام لحظة مفصلية في تاريخها العمراني، فإعادة الإعمار لم تعد عملية هندسية لإزالة آثار الحرب فقط، وتحولت إلى اختبار حقيقي للقدرة على صياغة نموذج تنموي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.

وفي ظل محدودية الموارد وتعقيدات الملكيات والعودة السكانية، فيبدو أن ما يمكن تسميته بـ«النموذج الهجين» هو الخيار الأكثر واقعية، إذ يقوم على إعادة تأهيل الأحياء القابلة للحياة للحفاظ على النسيج الاجتماعي والاقتصادي، مقابل إعادة تخطيط شاملة للمناطق التي تعرضت لدمار كلي بما يسمح بإنشاء مدن أكثر استدامة وكفاءة، فنجاح هذه المرحلة لن يقاس بعدد الأبنية التي ستُشيَّد، إنما بقدرة مشاريع الإعمار على إنتاج بيئات حضرية عادلة وآمنة ومحفزة للنمو، تفتح الباب أمام تعافٍ اقتصادي واجتماعي طويل الأمد.

إسماعيل القريان

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار