دول التعاون ستستعيد صادراتها النفطية وستحافظ المنطقة على مكانتها مركزاً للنقل والسياحة ولا شك في ذلك
بينما يُقيّم العالم الأضرار الاقتصادية المستمرة الناجمة عن حرب الشرق الأوسط، انصبّ التركيز بشكلٍ كبير على المدة التي ستستغرقها عودة إنتاج الطاقة وشحناتها إلى وضعها الطبيعي.
وهذه هي القضية الأكثر إلحاحاً، بالطبع. لكن من بين الأسئلة العديدة الأخرى التي ينبغي على المستثمرين وصنّاع السياسات أخذها في الاعتبار، سؤال مالي: كيف ستتغير علاقة الدول الخليجية بأسواق رأس المال الدولية على المدى القريب؟
لقد نمت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي: الإمارات، والبحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والسعودية مجتمعة على مدى عقود لتُصبح واحدةً من أكثر القوى تأثيراً في التمويل العالمي، حيث تستثمر في جميع أنحاء العالم.
غير أن تداعيات الحرب قد تدفع الدول الخليجية لتقليص استثماراتها في الأسواق العالمية بشكل مؤقت، ما سيؤدي بدوره إلى تداعيات على أسعار الفائدة العالمية وتوزيع التمويل، إذ بات العالم يعتمد على رؤوس أموال دول مجلس التعاون الخليجي بشكل أعمق مما يدركه الكثيرون.
وقبل اندلاع حرب إيران، نمت دول مجلس التعاون الخليجي لتمارس نفوذاً نظامياً أوسع من مكانتها كمورد مهم للطاقة عالمياً. فقد باتت تمثل مراكز نقل رئيسية (لا سيما الإمارات)، ووجهات سياحية متزايدة الشعبية، ومحركاً مهماً للسيولة العالمية.
فقد حققت دول مجلس التعاون الخليجي فائضاً في الحساب الجاري يزيد على 800 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية، ووظّفت مواردها الوفيرة بكفاءة عالية، وأدارت ثرواتها لصالح الأجيال الحالية والمستقبلية.
وبعد أن سافرت مرات عديدة إلى المنطقة لعقود، وجدت الكثافة الهائلة للمصرفيين والمستشارين ومديري الأصول في «غرف الانتظار» بدول الخليج خلال السنوات القليلة الماضية لافتة للنظر بشكل خاص. وفي مكاتب صناديق الثروة السيادية، والمكاتب العائلية، وصناديق التقاعد، والبنوك المحلية، توافد الممولون العالميون بأعداد غفيرة، إما لتقديم تقارير عن محافظهم الاستثمارية الحالية أو لعرض فرص استثمارية جديدة.
وعلى مر السنين، وسّعت دول مجلس التعاون الخليجي نطاق استراتيجياتها الاستثمارية لتشمل كافة جوانب الأسواق العامة والخاصة، والاستثمارات المباشرة، وغيرها، وخلال هذه المسيرة، أقامت هذه الدول علاقات مالية متينة حول العالم، ومؤخراً، تصدّرت دول مجلس التعاون الخليجي الاستثمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي، وعلوم الحياة، والروبوتات.
والآن، مع تعرقل صادرات النفط، وتأثر الإيرادات النفطية على المدى القريب، ستلجأ حكومات الخليج إلى زيادة إنفاقها للتعامل مع آثار الحرب.
وستحدد ثلاثة متغيرات مسارات كل دولة من الدول الخليجية على حدة: عمق الاحتياطيات المالية المتراكمة، وسرعة تعافي الإيرادات الأساسية، ومدى تعويض الالتزامات المحلية لاستثمارات رأس المال الخارجية.
إن أي تغيير في تدفقات رأس المال الخليجية إلى الأسواق العالمية سيأتي في وقت عصيب بالفعل على الأسواق الدولية. فالعجز الكبير في ميزانيات الاقتصادات المتقدمة والحاجة إلى إعادة تمويل الديون المستحقة يدفعان إلى زيادة إصدار السندات العالمية. وفي الوقت نفسه، تتطلب ثورة الذكاء الاصطناعي تمويلاً هائلاً، ويلوح في الأفق عبء إعادة تمويل الشركات في أماكن أخرى.
والنتيجة النهائية: تكاليف اقتراض «مرتفعة لفترة أطول» تُحدث أثراً عالمياً كبيراً على كل دولة وشركة وأسرة تقريباً، ويتفاقم هذا الأثر كلما طالت الحرب، كما أن هذه البيئة تُنذر بتفاقم مواطن الضعف المالي القائمة – كتلك المرتبطة بفقاعة الذكاء الاصطناعي، وبعض قطاعات الائتمان الخاص، وبعض مخاوف الديون السيادية – مع احتمال ظهور مواطن ضعف جديدة.
إن دول مجلس التعاون الخليجي ستستعيد صادراتها النفطية، وستحافظ المنطقة على مكانتها كمركز للنقل والسياحة، لا شك لدي في ذلك. فهذه الدول أثبتت على مدى عقود قدرة ملحوظة على التكيف والتفكير الاستراتيجي طويل الأمد. ومع ذلك، فإن التغير المؤقت في علاقتها بتدفقات رأس المال الدولية، أمر لا بد من أخذه في الاعتبار عند تحليل التداعيات الاقتصادية والمالية العالمية لحرب إيران.
ومثل إمدادات الطاقة، يعد هذا التغير جزءاً من التداعيات الاقتصادية الأوسع نطاقاً لحرب بدأت آثارها تظهر بالفعل في جميع أنحاء العالم من خلال ارتفاع الأسعار وتكاليف الاقتراض، في حين أنها تُهدد النمو والتوظيف والاستقرار المالي العالمي بشكل متزايد.
المصدر: فايننشال تايمز
