المخالفات العمرانية في دمشق.. أزمة تخطيط أم خلل في نظام البناء؟

زمن القراءة: 8 دقائق

تزايدت ظاهرة البناء غير المرخص في دمشق خلال السنوات الأخيرة، في ظل توقف منح تراخيص البناء أو تقييدها إلى حدها الأدنى، وهو ما أدى إلى توسع المخالفات العمرانية حتى داخل المناطق التنظيمية المصنفة والمخططة سابقاً، وجعل ملف نظام البناء أحد أبرز التحديات التي تواجه التخطيط العمراني في العاصمة.

هذا الفراغ التخطيطي في أيام النظام المخلوع لم يؤدّ فقط إلى تشويه النسيج العمراني فقط، فقد خلق واقعاً متناقضاً: حكومة تجرّم المخالفة قانوناً، لكنها عملياً كانت تترك المجال مفتوحاً لحدوثها ثم تعود لمعالجتها بإجراءات قسرية بعد استفحالها.

وتحوّل نظام البناء في العاصمة من قضية فنية أو إجرائية إلى واحد من أبرز التحديات التي تواجه التخطيط العمراني في ظل التوسع العشوائي وتراكم المخالفات وتعدد المرجعيات التنفيذية، ويتقاطع هذا الملف مع قضايا التخطيط والتنظيم والسلامة العامة والبيئة وحقوق المواطنين، إضافة إلى دوره المباشر في رسم صورة العاصمة ومستقبلها.

وخلال السنوات الأخيرة جرى الإعلان عن تعديلات على نظام البناء الخاص بالعاصمة، غير أن هذه التعديلات بقيت من دون نفاذ فعلي، إما لعدم استكمال إجراءات المصادقة أو لتغير الأولويات الإدارية، ونتيجة لذلك ظل العمل جارياً بأنظمة قديمة لا تواكب التحولات العمرانية ولا الضغوط السكانية المتزايدة.

التخطيط العمراني.. الغائب الأكبر

الخبير في التخطيط الحضري وتطوير المدن المهندس ماجد هيلم يؤكد أن أي نظام بناء لا ينطلق من مصور عام محدث يبقى إجراءً جزئياً لا يعالج جذور المشكلة، فالمصور العام هو الوثيقة التخطيطية الأعلى التي تحدد اتجاهات التوسع وأنماط الاستخدام والكثافات السكانية وشبكات البنية التحتية، وهو ما ينعكس مباشرة على ضوابط البناء وآليات الترخيص.

ويشير هيلم إلى أن دمشق ما زالت تعمل ضمن رؤى تخطيطية لم تعد قادرة على استيعاب التحولات الديموغرافية والعمرانية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية، وأضاف في حديثه لصحيفة الثورة السورية: إن إصدار نظام بناء جديد من دون الارتكاز إلى مصور عام حديث وشامل قد لا يكون قادراً على إحداث التغيير المطلوب أو ضبط الفوضى العمرانية القائمة، موضحاً أن أي نظام بناء لا يستند إلى رؤية تنظيمية واضحة محكوم بأن يبقى حبراً على ورق.

وأوضح أن المصور العام يشكل الأساس الذي يُبنى عليه التخطيط العمراني، والأداة التي تضمن توزيعاً متوازناً للاستعمالات وتحقيق متطلبات السلامة العامة وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى إدخال مفاهيم الاستدامة والطاقات المتجددة في النسيج العمراني للمدينة، كما يسهم في الحد من فرص التجاوز والفساد ويشجع المواطنين على الالتزام بالقانون بدلاً من التحايل عليه.

كما أشار إلى أن الخلط القائم بين نظام ضابطة البناء والكود المعماري يعد أحد محاور الجدل في هذا الملف، حيث يفترض أن تكون ضابطة البناء أداة تنظيمية بحتة تحدد الارتفاعات ونسب الإشغال والاستعمالات وشروط الترخيص، بينما يعنى الكود المعماري بالجوانب الفنية والجمالية ومعايير السلامة وجودة التنفيذ.

ويرى أن الدمج غير المدروس بين هذين المسارين أدى إلى تشوهات عمرانية وتراجع في الهوية المعمارية، إضافة إلى تفاوت واضح في مستوى الأبنية بين منطقة وأخرى، فضلاً عن بروز تدخلات إدارية في المنهاج العمراني المصدق، موضحاً أن التعديلات الاستثنائية التي تُمنح أحياناً خارج الإطار الفني أضعفت الثقة بالتخطيط العمراني، وحولت النظام العمراني من مرجعية ثابتة إلى نص قانوني قابل للاجتهاد والتأويل.

تسوية المخالفات.. رسالة خاطئة

يبقى ملف تسوية المخالفات العمرانية من أكثر الملفات حساسية، فالتوسع في تسوية المخالفات من دون ضوابط صارمة يفرغ نظام البناء من مضمونه، وفي هذا الإطار، يرى المختص في السلامة الإنشائية للأبنية المهندس محمد الحناوي أن ملف تسوية المخالفات العمرانية يمثل النقطة الأكثر إشكالية بين جميع الأطراف، فبينما اعتُبرت التسوية في أيام النظام المخلوع حلاً واقعياً للتعامل مع حجم المخالفات المتراكمة، فإن تحويلها إلى نهج دائم يقوض مفهوم سيادة القانون.

وأوضح أن التسويات المتكررة ترسل رسالة خاطئة للمواطن مفادها أن المخالفة يمكن معالجتها لاحقاً، ما يشجع على تكرارها ويزيد العبء على البنى التحتية وشبكات الخدمات.

وشدد الحناوي على أن أخطر ما في المخالفات ليس الجانب الشكلي بل ما يتعلق بالأمان الإنشائي، خاصة في الأبنية السكنية، معتبراً أن تسوية المخالفات من دون تدقيق فني صارم تشكل خطراً مباشراً على الأرواح، مطالباً بربط أي تسوية بدراسات هندسية حقيقية لا تكتفي بالمعالجات الورقية.

ويرى أن إصلاح واقع البناء في دمشق لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات منفصلة أو معالجات مؤقتة، إنما يتطلب رؤية متكاملة تبدأ بإعداد مصور عام جديد يواكب متطلبات التنمية المستدامة ويفصل بوضوح بين التشريع والتنفيذ ويعيد الاعتبار لضابطة البناء كأداة تنظيم، مع إنهاء سياسة تسوية المخالفات بوصفها بديلاً عن التخطيط.

غياب البدائل التنظيمية

يطالب المواطنون بسياسات أكثر عدالة ووضوحاً، إذ يرى المحامي رؤوف شوكت أن جزءاً من المخالفات نتج عن غياب البدائل التنظيمية وارتفاع تكاليف الالتزام بالنظام العمراني، معتبراً أن الحل لا يكمن في العقوبات فقط، بل في تبسيط الإجراءات وتخفيض الرسوم وتوفير مخططات تنظيمية واضحة تتيح البناء النظامي ضمن إمكانيات واقعية.

بدوره أوضح المهندس رامي الشوا، صاحب مكتب هندسي، أن مدينة دمشق تعاني من أزمة عمرانية مركبة تتقاطع فيها القوانين الصارمة مع واقع إداري متعطل، وتتداخل فيها الحاجة إلى التنظيم مع تمدد المخالفات.
وأضاف: إن وجود إطار تشريعي واضح ينظم البناء ويحدد آليات الترخيص والعقوبات لا يعني بالضرورة فعالية التطبيق، إذ يكشف الواقع العملي عن فجوة واسعة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي.

وأشار إلى أن التعقيد التشريعي وعدم وضوح التعليمات التنفيذية يدفعان كثيراً من المواطنين إلى البناء المخالف، سواء عن قصد أو نتيجة الجهل بالإجراءات، مبيناً أن طول مدة الترخيص وتعدد الموافقات المطلوبة وغياب النافذة الواحدة عوامل تشجع على الالتفاف على القانون، خاصة في ظل ضعف الرقابة في بعض المناطق.

تعزيز الالتزام بالمخططات التنظيمية

وحول ضمان الالتزام بالرؤية التخطيطية والفنية المعتمدة، ومنع أي تجاوزات قد تؤثر في البنية العمرانية للمدينة، بين مدير المخططات والتنمية الحضرية في وزارة الإدارة المحلية والبيئة المهندس خالد الخضر أن العمل جارٍ حالياً على تعزيز الالتزام بالرؤية التخطيطية المكانية عبر عدد من الإجراءات.

وأوضح في حديث لـ”الثورة السورية” أن من أبرز هذه الإجراءات اعتماد المخطط التنظيمي كمرجعية ملزمة للوحدات الإدارية، ووضع تنفيذ المخطط ومراقبة واقعه ضمن مؤشرات قياس أداء المجالس المحلية والأجهزة الفنية المعنية في الوحدات الإدارية والمحافظات.

ولفت إلى إجراء مراجعات دورية للمخططات ومتابعة تنفيذها والحد من الإعلانات الاستثنائية ما أمكن، إضافة إلى تعزيز التنسيق بين دوائر التنظيم والمخططات وأجهزة الدراسات المكانية المحلية والإقليمية بالتعاون مع الجهات الخدمية والفعاليات الموجودة ضمن المخططات التنظيمية أو ضمن الحدود الإدارية للوحدات الإدارية.

أما فيما يتعلق بتبسيط إجراءات تراخيص البناء وتعزيز الشفافية، فأشار الخضر إلى أن هناك مجموعة من الإجراءات التي يجري العمل على تنفيذها بشكل فوري وفق خطوات مدروسة وبشكل متوازٍ مع تأمين متطلبات تنفيذها.

وأوضح أن هذه الإجراءات تهدف إلى تبسيط مسار منح التراخيص وتوحيد المرجعيات الإدارية ذات الصلة بما يسهم في الحد من المخالفات وتعزيز الشفافية وتشجيع المواطنين والمستثمرين على الالتزام بنظام البناء.

وتشمل هذه الإجراءات توحيد مسار الترخيص ضمن نافذة إدارية واضحة، وإعداد دليل إجراءات موحد لنظام البناء، وتقليص البيروقراطية وتحديد مدد زمنية ملزمة، إضافة إلى العمل على رقمنة المخططات التنظيمية وربطها رقمياً بنظام الترخيص.
كما يجري العمل على نشر الاشتراطات الفنية بشكل علني وواضح وتفعيل منصات رقمية لتقديم الطلبات ومتابعتها واستقبال الشكاوى، بما يسهم في تعزيز الامتثال الطوعي والحد من شبهات الفساد الإداري.

المصدر: الثورة السورية
آخر الأخبار