تتجه استثمارات بمليارات الدولارات إلى مشروعات عقارية كبرى في سوريا، تشمل المجمعات السكنية والأبراج الفاخرة والمشروعات السياحية، بالتوازي مع اتساع احتياجات إعادة الإعمار وتأمين المساكن للعائلات المتضررة والعائدة. وتطرح هذه الاستثمارات تساؤلات حول مدى توافقها مع الأولويات السكنية والعمرانية، وقدرتها على تنشيط الاقتصاد وخلق فرص عمل مستدامة، ومدى انعكاس عوائدها على التنمية المحلية وتحسين الظروف المعيشية.
ويمتد تقييم هذه المشروعات من حجم الاستثمارات المعلنة والوظائف التي توفرها خلال التنفيذ، إلى أثرها في القطاعات الإنتاجية، وإسهامها في توفير مساكن تلبي احتياجات السكان، ودعم التعافي الاقتصادي. ومع استمرار تحديات إعادة الإعمار واستعادة النشاط الزراعي والصناعي، تبرز أهمية توجيه التطوير العقاري بما يحقق التوازن بين الجدوى الاستثمارية والأولويات التنموية والاجتماعية.
ومن أحدث هذه المشروعات اتفاق إطاري وقّعته شركة «إيغل هيلز»، التابعة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، مؤسس شركة «إعمار»، لإقامة مشروعات سكنية وسياحية في دمشق واللاذقية، بقيمة إجمالية معلنة تصل إلى 17 مليار دولار. وتشمل المشروعات «تلال دمشق» في العاصمة، ومشروعاً سياحياً على الساحل يتضمن مرسى لليخوت.
وسبق ذلك توقيع الصندوق السيادي السوري اتفاقية مع مجموعة «أرادَ» الإماراتية لتطوير مشروع «دمشق الجديدة» غرب العاصمة، باستثمارات تُقدّر بنحو 7 مليارات دولار، وعلى مساحة تبلغ 4 ملايين متر مربع. ويتضمن المشروع نحو 11 ألف وحدة سكنية، تشمل الشقق والفلل والمنازل المتلاصقة والمساكن ذات العلامات التجارية، إضافة إلى 500 غرفة فندقية وألف شقة فندقية.
ويضم المشروع، إلى جانب الوحدات السكنية، مستشفى بسعة 300 سرير، ومرافق تعليمية تستوعب 5 آلاف طالب، ومباني للخدمات الحكومية، وحديقة عامة بمساحة 700 ألف متر مربع. ووفق الخشيبي، صُمم المشروع ليكون مجتمعاً متكاملاً متصلاً بالمدينة المحيطة، وليس مجتمعاً مغلقاً، بحيث تكون الحديقة العامة متاحة للجميع.
وبحسب ما قال الرئيس التنفيذي لمجموعة «أرادَ» أحمد الخشيبي، في تصريح سابق لصحيفة «الثورة السورية»، من المقرر أن يُنفذ المشروع على مراحل تمتد لسنوات.
وفي مشروع آخر، أطلقت شركة «ثرا» السعودية للتطوير والاستثمار العقاري، بالشراكة مع المؤسسة العامة للإسكان وبرعاية وزارة الأشغال العامة والإسكان، مشروع «شام فيو» السكني والاستثماري.
وفي ريف دمشق، أطلقت شركة «أبيات» السعودية مشروع «أبيات هيلز» في قدسيا، الذي يضم أكثر من ألفي وحدة سكنية. كما طُرح مشروع «التجمع العمراني الحديث» في البجاع، على مساحة تبلغ 6 ملايين متر مربع، مع مخططات لإنشاء نحو 20 ألف وحدة سكنية.
بين الجدوى والاستراتيجية
يرى عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، أن تقييم جدوى المشروعات العقارية الكبرى في سوريا يستدعي الحذر في ظل غياب استراتيجية وطنية شاملة للإسكان وإعادة الإعمار، محذراً من تحولها إلى مجال للمضاربة على الأصول الفاخرة، بعيداً عن الاحتياجات السكنية الملحّة للسكان.
ويتفق الخبير الاقتصادي الدكتور عبد المنعم الحلبي، في حديثه لـ«الثورة السورية»، مع أهمية النظر إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه المشروعات، معتبراً أن المشروعات السكنية الفاخرة قد تترك أثراً اقتصادياً محدوداً يتركز في شريحة معينة من أصحاب رؤوس الأموال، فضلاً عن احتمال إسهامها في رفع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية على اللاجئين والنازحين الذين فقدوا مساكنهم خلال الحرب.
وتتضح حجم الفجوة بين الاستثمارات العقارية واحتياجات إعادة الإعمار في تقديرات البنك الدولي الصادرة في تشرين الأول 2025، التي قدرت كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 82 مليار دولار للبنية التحتية و75 مليار دولار للمباني السكنية.
أولويات الاستثمار العقاري
ويؤكد الرفاعي في حديثه لصحيفة «الثورة السورية» أن تحديد أولويات الاستثمار العقاري يجب أن ينطلق من الاحتياجات الفعلية للسكان، لا من حجم الأموال المعلنة.
وتشير تقديرات وزارة الأشغال العامة والإسكان إلى أن الفجوة السكنية في سوريا بلغت نحو 1.9 مليون وحدة عام 2025، مع احتمال ارتفاعها إلى 2.5 مليون وحدة بحلول عام 2030 إذا لم تتسارع وتيرة زيادة المعروض السكني، فيما تستهدف الوزارة بناء أو معالجة نحو مليوني وحدة حتى عام 2035.
وتتفاقم هذه الاحتياجات في ظل ارتفاع تكاليف مواد البناء، بما يجعل كثيراً من الأسر غير قادرة على إصلاح منازلها المتضررة أو تأمين مساكن بديلة.
ويضيف الرفاعي أن هذه المشروعات، مثل «تلال دمشق»، تستهدف بصورة أساسية المغتربين والفئات ذات الدخل المرتفع، فيما تتجاوز أسعار بعض الوحدات السكنية الفاخرة 100 ألف دولار، ما يجعلها بعيدة عن متناول شريحة واسعة من السوريين، ولا سيما العائدين والمهجّرين.
ويشير إلى أن هذه المشروعات لا تستطيع معالجة الاحتياجات السكنية الأساسية للسكان عموماً، في حين يحذّر الحلبي من أن المضاربات العقارية وارتفاع الأسعار قد يزيدان صعوبة حصول الفئات الأقل دخلاً على مساكن ملائمة.
وتتفاقم هذه الصعوبات، بحسب الحلبي، مع تراجع الدور التمويلي للجهاز المصرفي تجاه الطبقة المتوسطة والفئات الأقل دخلاً، بالتوازي مع انحسار دور الدولة في القطاع السكني، الأمر الذي يحدّ من قدرة شرائح واسعة من السوريين على تأمين مساكن ملائمة وقانونية، ويدفع نحو مزيد من التوسع العمراني العشوائي وما يرافقه من مشكلات اجتماعية وعمرانية طويلة الأمد.
المردود الاقتصادي
وفي ما يتعلق بالمردود الاقتصادي للمشروعات الكبرى، يشير الرفاعي إلى أنها تمتلك إمكانات لجذب الاستثمارات وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل.
إذ تُظهر التقديرات المتعلقة بمشروعي «تلال دمشق» و«اللاذقية السياحي» إمكانية جذب استثمارات أجنبية بقيمة 23 مليار دولار، مع وصول النشاط الاقتصادي التراكمي المرتبط بهما إلى 41 مليار دولار. كما أشار وزير السياحة مازن الصالحاني، إلى أن مشروع اللاذقية قد يوفر أكثر من 40 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
لكن الرفاعي يحذّر من التعامل مع هذه الأرقام كنتائج مضمونة، إذ يرتبط تحققها بتأمين التمويل واستكمال التنفيذ، في ظل العقوبات القائمة وضعف النظام المصرفي والتحديات التي تواجه تحويل الاستثمارات المعلنة إلى مشروعات منفذة فعلياً.
وعلى مستوى المشاركة المحلية، كان الخشيبي قد أكد أن مجموعة «أرادَ» تعتزم العمل مع المقاولين والموردين السوريين حيثما تتوافر الجودة والقدرة على التنفيذ، مشيراً إلى أن ذراع «أرادَ» للإنشاءات ستوفر وظائف مباشرة في سوريا على المستويين الإداري والتقني منذ مرحلة مبكرة، على أن تتوسع فرص العمل خلال البناء لتشمل العمالة الماهرة وغير الماهرة، إلى جانب زيادة الطلب على المواد والخدمات المحلية.
وأضاف أن فرص العمل ستستمر مع بدء تشغيل المشروع في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والضيافة وتجارة التجزئة، لافتاً إلى أن المشاركة المحلية تشمل أيضاً الخدمات الهندسية والتوريد والنقل والصيانة والتجهيزات الداخلية والخدمات اللوجستية وإدارة المرافق، بما يتيح للشركات السورية، بما فيها الأصغر حجماً، المشاركة في أعمال التطوير والتشغيل.
وفي ما يتعلق بنقل الخبرات، قال الخشيبي إن المجموعة تعتزم الاستفادة من خبراتها العالمية في الإنشاءات والتطوير، وتكييفها بما يلبي احتياجات السوق السورية، مع التركيز على بناء قدرات المقاولين والكوادر المحلية وتعزيز معايير التنفيذ والجودة والسلامة. وأوضح أن ذلك سيتم من خلال إشراك المهندسين السوريين في العمل على تصاميم المشاريع، وإسناد نطاقات محددة من الأعمال إلى المقاولين المحليين، وإشراك الموردين في تنفيذ عقود فعلية، بما يسهم في ترسيخ خبرات تستمر في السوق بعد انتهاء أعمال المجموعة.
المنفعة المتبادلة
تزداد أهمية التمييز بين حجم الاستثمار المعلن وأثره الاقتصادي والاجتماعي الفعلي، إذ إن جذب رؤوس الأموال لا يكفي وحده لمعالجة أزمة السكن، ما لم تنعكس نتائجه على قدرة السكان على الحصول على مساكن مناسبة، وعلى توفير فرص عمل مستدامة وتحسين الظروف المعيشية.
ويؤكد الرفاعي أن التوفيق بين جذب الاستثمارات وتوفير السكن يتطلب آلية تحقق المنفعة المتبادلة، من خلال ربط منح الأراضي والامتيازات للمطورين العقاريين بالتزامات واضحة ضمن اتفاقيات التطوير، تشمل تخصيص نسبة محددة من الوحدات السكنية للإسكان الميسّر أو إتاحتها للحكومة للاستخدام العام، إلى جانب المساهمة في إنشاء البنية التحتية للمناطق المتضررة.
ويرى أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص ينبغي أن تقوم على تحقيق المنفعة العامة، لا على منح الأراضي الجيدة للقطاع الخاص لإقامة المجمعات السكنية المغلقة. ويتكامل ذلك مع الدعوة إلى تعزيز دور الدولة في تنظيم القطاع السكني وتوجيه الاستثمار، بدلاً من الاقتصار على توفير الأراضي للمطورين.
وفي هذا الإطار، يدعو الرفاعي إلى وضع استراتيجية وطنية شاملة للإسكان، تحدد أولويات إعادة الإعمار وتعالج مشكلات ملكية الأراضي المعقدة من خلال التشريعات اللازمة. كما يقترح استخدام الأدوات الضريبية والسياسات الائتمانية لتشجيع رأس المال على التوجه نحو إعادة بناء المساكن المدمرة والصناعات الإنتاجية، بما فيها قطاعات مواد البناء والزراعة، بدلاً من تركزه في العقارات الفاخرة.
ويشدد كذلك على ضرورة الإعلان عن محتوى الاتفاقيات وشروط تخصيص الأراضي، وإخضاعها للرقابة العامة، بما يعزز الشفافية ويحدّ من مخاطر انحراف المنافع عن أهدافها المعلنة.
المعالجة الجذرية
ويحذّر الرفاعي من أن تركز المشروعات العقارية الفاخرة في دمشق واللاذقية والمناطق الساحلية التي لم تتضرر نسبياً، مقابل محدودية حضورها في المدن الأكثر تضرراً، مثل حلب وحمص والرقة، قد يعمّق التفاوت الاجتماعي والمكاني.
ويرى أن توجيه الاستثمار نحو الفئات الأكثر ثراء في بلد لا يزال عدد كبير من سكانه بلا مأوى قد يفاقم الفجوة بين المناطق والفئات الاجتماعية، ويؤدي إلى تداعيات اجتماعية غير مرغوبة.
من جهته، يؤكد الحلبي أن معالجة أزمة السكن بصورة جذرية تتطلب توجيه الجهود نحو إعادة إعمار المناطق المدمرة وتحويلها إلى بيئات جاذبة للسكان، بما يتيح عودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية، ويساعد على استعادة النسيج الاجتماعي ومصادر كسب العيش، ولا سيما في الأرياف والمناطق التي يعتمد سكانها على النشاط الزراعي.
ويعكس هذا التوجه أهمية التعامل مع إعادة الإعمار باعتبارها عملية تتجاوز تشييد المباني إلى استعادة مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بما يشمل البنية التحتية ومصادر الدخل والأنشطة الإنتاجية التي تتيح للسكان العودة والاستقرار في مناطقهم.
معايير النجاح
ويشدد الرفاعي على اعتماد معايير قابلة للقياس تركز على الإنسان في تقييم نجاح مشروعات إعادة الإعمار، تشمل الأثر في حياة السكان، إلى جانب حجم الاستثمارات ومساحات البناء، استناداً إلى أطر التقييم المعتمدة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
وتشمل هذه المعايير مدى ملاءمة المشروع للاحتياجات الملحّة للسكان المتضررين، وعدد الأسر التي عادت فعلياً إلى مساكن آمنة، ومدى تحسن مؤشرات العمالة والتحويلات المالية في المجتمع المحلي. كما تتضمن قدرة المشروعات على الاستمرار بعد انتهاء التمويل أو الدعم السياسي، ومدى إسهامها في خلق وظائف دائمة، بدلاً من الاكتفاء بفرص العمل المؤقتة خلال مرحلة البناء.
ويؤكد الرفاعي أيضاً ضرورة قياس مدى استفادة المناطق المتضررة والفئات الأكثر هشاشة، بما فيها الأرامل وذوو الإعاقة واللاجئون والنازحون العائدون، من عوائد المشروعات، لضمان عدم اقتصار منافع إعادة الإعمار على الفئات القادرة على الاستثمار والشراء.
إعادة الإعمار
ويرى الرفاعي أن دور المشروعات العقارية الكبرى في دعم الاقتصاد السوري يرتبط بفاعلية إدارتها ووضوح الضوابط المنظمة لها، بما يضمن توجيه عوائدها نحو الأولويات الاقتصادية والسكنية الفعلية.
ويشير إلى أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة إعمار المساكن الأساسية في المناطق المتضررة واستعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، مضيفاً أن مشروعات مثل «عمار» في إدلب، التي تستهدف إصلاح 10 آلاف منزل بكلفة 50 مليون دولار، تلبي احتياجات أكثر إلحاحاً من مشروعات المليارات المخصصة للأبراج الفاخرة.
وفي سياق المبادرات التي تربط الاستثمار العقاري بتوفير مساكن للأسر المحتاجة، تبرز مبادرة «بيت مقابل بيت» التي أطلقتها مجموعة «أرادَ» ضمن برنامجها للمسؤولية الاجتماعية.
وقال الخشيبي إن البرنامج يقوم على بناء منزل لأسرة محتاجة مقابل كل منزل تبيعه «أرادَ» في الإمارات والمملكة المتحدة وأستراليا، مستهدفاً بناء ما لا يقل عن 4 آلاف منزل سنوياً.
وأضاف أن أنشطة البرنامج تشمل، إلى جانب توفير المساكن، مجالات البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية وفرص العمل. وفي سوريا، تعتزم المجموعة بناء منزل لأسرة محتاجة في منطقة أخرى من البلاد مقابل كل منزل يُباع في مشروع «دمشق الجديدة»، من دون تحميل المشتري أي تكلفة إضافية.
وأكد أن البرنامج يُموّل من أرباح مشروع «دمشق الجديدة»، وتنفذه مؤسسة «أرادَ» المعنية بالشؤون الإنسانية، فيما يتولى الصندوق السيادي السوري تحديد معايير الاستحقاق واختيار الأسر المستفيدة من بين الأسر النازحة والأسر التي لم يسبق لها امتلاك منزل. وأشار إلى أن المجموعة تعمل حالياً على تقييم المواقع المناسبة بالشراكة مع الصندوق، على أن تعلن مزيداً من التفاصيل خلال الأشهر المقبلة.
وبالتوازي مع ذلك، يسلّط الحلبي الضوء على ضرورة استعادة جاذبية المناطق المدمرة للسكان، وتوفير الظروف التي تتيح عودة اللاجئين والنازحين واستعادة مصادر كسب عيشهم، بما يعزز الترابط الاجتماعي ويساعد على الحد من التوسع العمراني العشوائي.
وتلتقي رؤيتا الرفاعي والحلبي عند أهمية توجيه الاستثمارات العقارية نحو الاحتياجات السكنية الفعلية، وربط المشروعات الكبرى بأهداف إعادة الإعمار والتنمية المستدامة. ويُقاس أثر هذه المشروعات بقدرتها على توفير مساكن ميسّرة، وخلق فرص عمل مستدامة، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتعزيز التنمية المتوازنة بين المناطق والفئات الاجتماعية، إلى جانب حجم الاستثمارات والأبنية المنجزة.
إخلاص علي
المصدر: الثورة السورية
