العالم الاقتصادي- وليد أبو السل
في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه سوريا، تبرز الحاجة إلى تبني نماذج تمويلية وتنموية قادرة على تحريك عجلة الإنتاج وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية، ولا سيما بين الفئات الأكثر فقراً وأصحاب المشاريع الصغيرة، ويطرح الاقتصاد الإسلامي أدوات وفرصاً يمكن توظيفها لدعم التنمية وإعادة بناء الاقتصاد السوري.
وفي هذا السياق نظمت نقابة الاقتصاديين السوريين ندوة اقتصادية في المركز الثقافي بمنطقة كفرسوسة تحت عنوان: “نحو اقتصاد متطور وعادل يقوم على الكفاءات والخبرات ويسهم في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية”، بمشاركة عدد من الباحثين والمهتمين، الذين ناقشوا دور النظام الاقتصادي الإسلامي في دعم التنمية في سوريا، وأساسيات المعاملات المالية والمصرفية الإسلامية، وآليات تعزيز دور المصارف الإسلامية في القطاع التجاري وتحفيز ريادة الأعمال، مؤكدين أهمية توظيف المبادئ الاقتصادية الإسلامية في معالجة القضايا الاقتصادية والتنموية.

وعلى هامش الندوة، رأى الخبير الاقتصادي المتخصص في الاقتصاد الإسلامي منير عبد العزيز في حديث خاص لـ”العالم الاقتصادي” أن التنمية في سوريا تبدأ من تمويل الإنتاج والمشاريع الصغيرة وإدماج الفئات الأكثر فقراً في العملية الاقتصادية، معتبراً أن الاقتصاد الإسلامي يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تحقيق هذه الغاية من خلال بناء منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، لا تقتصر على العمل المصرفي والتمويل؛ بل تمتد إلى دعم الاقتصاد الحقيقي وتنمية المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، وتعزيز التبادل السلعي، وتفعيل دور الأوقاف والزكاة والتمويل الاجتماعي الإسلامي.
وأوضح عبد العزيز أن المصرفية الإسلامية تمثل إحدى أدوات تطبيق الاقتصاد الإسلامي، الذي يقوم أساساً على ربط التمويل بالإنتاج والنشاط الاقتصادي الحقيقي، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد سوق للمال أو نظام مصرفي بديل، بل منظومة متكاملة تستهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار إلى أن تمويل المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر يشكل أحد أبرز مداخل هذه التنمية، ولا سيما بالنسبة لأصحاب المهن والحرف والأفراد الذين يمتلكون القدرة على الإنتاج لكنهم يفتقرون إلى رأس المال اللازم للانطلاق بمشاريعهم، مؤكداً أن التركيز على المشاريع الكبرى والتمويل الخارجي وحدهما لن يكون كافياً للوصول إلى هذه الشرائح أو تلبية احتياجاتها.
وفي سياق الحديث عن مستقبل التنمية في سوريا، لفت عبد العزيز إلى أن سنوات الحرب أوجدت فجوة واسعة بين طبقات المجتمع، وجعلت الفئات الفقيرة تشكل شريحة كبيرة منه، الأمر الذي يجعل من الضروري وضع هذه الفئات في صلب الخطط التنموية، والعمل على إدماجها في العملية الإنتاجية من خلال توفير فرص التمويل وإقامة المشاريع، باعتبار أن تحقيق التنمية المستدامة لا يمكن أن يتم دون توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية.
وحول دور التمويل الإسلامي في تحسين المستوى المعيشي، أوضح عبد العزيز أن الأولوية ينبغي أن تكون لتمويل الإنتاج وتوفير رأس المال اللازم لإقامة المشاريع، بدلاً من الاقتصار على زيادة الرواتب والأجور، مشيراً إلى أن زيادة الدخول النقدية دون توسع موازٍ في الإنتاج قد تنعكس على ارتفاع الأسعار، ما يحد من أثرها الإيجابي على القوة الشرائية للمواطنين.
وأكد ضرورة العمل على صياغة نموذج تنموي يستفيد من خبرات المتخصصين في الاقتصاد الإسلامي وأصحاب الكفاءات، بما يضمن توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والمشاريع القادرة على خلق فرص العمل وتحسين الدخول.
وختم عبد العزيز بالتأكيد أن الاقتصاد الإسلامي أوسع من أن يقتصر على المصارف الإسلامية وأدوات، وأن البنوك الإسلامية جزء من هذا النظام الشامل، وشدد على أهمية إعادة النظر في التشريعات القانونية الناظمة للقروض وأنظمة التمويل عموماً، بما يتيح تطوير أدوات التمويل الإسلامي وتوسيع نطاق الاستفادة منها، ويجعلها أكثر قدرة على دعم المشاريع الإنتاجية والمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد السوري.

