منذ الإطاحة بنظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، تواصل الإدارة السورية الجديدة إعادة بناء القدرات العسكرية والأمنية، بالاعتماد على الإمكانيات المحلية، إلى جانب توسيع الشراكات الدفاعية مع دول حليفة، وذلك لتأهيل المؤسسة العسكرية وتعزيز قدراتها على حماية الحدود والمنشآت الحيوية، ناهيك عن أهمية ذلك بالنظر إلى التغيرات المتسارعة في الشرق الأوسط.
ولا تنحصر هذه الجهود في تأهيل القوات البرية والجوية، بل تمتد إلى القوات البحرية السورية لاستعادة جاهزيتها ورفع إمكانياتها الدفاعية، بما يعزز قدرتها على حماية الساحل والمياه الإقليمية والمرافئ الحيوية، في ظل تنافس دولي وتحديات أمنية متزايدة يشهدها شرق المتوسط.
وضمن هذا المسار، أعلنت وزارة الدفاع التركية، يوم الجمعة الماضي، التوصل إلى اتفاق مع الجانب السوري على خارطة طريق مشتركة لتعزيز قدرات القوات البحرية السورية وتطوير إمكانياتها، تشمل صيانة السفن وإصلاحها وتحديثها، وبناء سفن جديدة، وتطوير البنية التحتية للموانئ، إلى جانب التدريب البحري.
ويحمل التعاون مع تركيا أهمية استراتيجية بالنظر إلى خبراتها البحرية والصناعية وإمكانياتها في مجالات التدريب والصيانة وبناء السفن، ويمكن لهذا التعاون أن يشكل مدخلاً لتسريع إعادة بناء القدرات البحرية السورية ضمن رؤية وطنية تحدد الأولويات والاحتياجات وفقاً لمصالح سوريا وإمكانياتها، بحسب الباحث في قضايا الدولة والأمن الاستراتيجي العميد الركن مصطفى الفرحات.
إذ تكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة في وقت يعيش فيه شرق المتوسط على وقع توترات متصاعدة وتنافس جيوسياسي على النفوذ ومصادر الطاقة وطرق الملاحة، الأمر الذي يجعل حماية المياه الإقليمية والمنشآت جزءاً ذا أولوية من متطلبات الأمن الوطني.
أهمية خارطة الطريق المشتركة
جاء الاتفاق السوري – التركي خلال زيارة أجراها وفد عسكري تركي إلى مدينة اللاذقية، ضم مسؤولين من قيادة القوات البحرية التركية وممثلين عن شركة “أسفات” التابعة لوزارة الدفاع، وفق ما قالت وزارة الدفاع التركية في منشور عبر حسابها في منصة “إكس”.
وأشارت إلى أن الزيارة جاءت في إطار التعاون العسكري الثنائي مع قيادة القوات البحرية السورية، بهدف تعزيز قدراتها وتطوير إمكانياتها.
وأوضحت الوزارة أن الوفد أجرى معاينات ميدانية في اللاذقية للاطلاع على الاحتياجات المتعلقة بصيانة السفن وتحديثها وبناء سفن جديدة، فضلاً عن تطوير البنية التحتية للموانئ وبرامج التدريب الفردي والجماعي.
وضم الوفد قائد ترسانة إسطنبول البحرية “حوض بناء السفن”، اللواء بحري أردينتش يتكين، ورئيس قسم الإمداد بالقوات البحرية، اللواء بحري تيمور يلماز، وقائد التدريب والتعليم البحري، اللواء بحري يوجيل دارجان.
وتتجاوز أهمية خارطة الطريق مسألة صيانة السفن وتحديثها، فهي تفتح الباب أمام إعادة بناء إحدى القدرات السيادية للدولة السورية في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى إعادة تنظيم مؤسساتها العسكرية على أسس مهنية ومستدامة، وفق حديث العميد الركن مصطفى الفرحات لـ”الثورة السورية”.
ومن الناحية العسكرية، بحسب الفرحات، ينبغي التمييز بين إعادة تأهيل القدرات القائمة وإعادة بناء قوة بحرية متكاملة، فالمرحلة الأولى تعني استعادة الجاهزية الفنية للسفن والمنشآت وتأهيل الكوادر، أما الثانية فتتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل القيادة والسيطرة والاستطلاع البحري والاتصالات والتدريب والصيانة والتسليح.
الأولويات الأساسية
يبدأ المسار المنطقي، وفق الفرحات، بإعادة التأهيل، لكنه يجب أن يتطور تدريجياً نحو بناء قوة بحرية قادرة على أداء مهامها بصورة مستدامة، فامتلاك عدد من السفن لا يعني بالضرورة امتلاك قوة بحرية فاعلة، إذ تتحدد قيمة هذه القوة بقدرتها على العمل المستمر وتبادل المعلومات وحماية المرافق والاستجابة للتهديدات.
فالأولوية ليست الدخول في سباق تسلح بحري، بل بناء قدرة دفاعية متدرجة تتناسب مع التهديدات الفعلية والإمكانيات الاقتصادية للدولة.
ويبدأ ذلك بتطوير المراقبة البحرية والوعي بالمجال البحري، بما يتيح متابعة حركة السفن واكتشاف المخاطر والأنشطة غير المشروعة في وقت مبكر، فامتلاك صورة واضحة لما يجري في المياه الإقليمية هو الأساس الذي تبنى عليه القرارات الصحيحة، بحسب الفرحات.
ويلي ذلك تأهيل سفن الدوريات والاعتراض والإنقاذ، وتطوير منظومات الاتصال والقيادة، ورفع كفاءة الأطقم في الملاحة والصيانة والاستجابة للطوارئ.
كما يشمل ذلك حماية المرافق والمنشآت الساحلية والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة والتجارة، وهي مهمة تتطلب التنسيق بين القوات البحرية وحرس الحدود والأجهزة الأمنية والجهات المدنية المختصة.
ويشير الفرحات إلى أن المخاطر التي تأتي عبر البحر تتعدد، بينما تعد الواجهة البحرية خاصرة رخوة في هذا الجانب، فهي قد تستخدم في تهريب المخدرات والاتجار بالسلاح، وفي أعمال التخريب، وقد تكون مصدراً لأعمال عدائية تستهدف البلاد، ما يتطلب بناء قدرات قتالية واستطلاعية متكاملة من مختلف الاختصاصات، تعمل بتنسيق واحد لضمان ملاحة آمنة وشاطئ آمن.
ومن هنا، يمثل الاستثمار في الاستطلاع والمراقبة والاتصالات والصيانة والتدريب أولوية أساسية، بالتوازي مع تطوير القدرات البحرية القتالية وفق متطلبات الدفاع الوطني، بحسب الفرحات.
خبرات وطنية مستدامة
تعد إعادة تأهيل البحرية السورية خطوة نحو بناء منظومة دفاعية وطنية تقوم على الشراكة والتدريب ونقل الخبرة، ويتوقف نجاحها على قدرتها على بناء كفاءات سورية دائمة، بما يضمن ديمومة هذه القدرات وعدم اعتمادها الكلي على الدعم الخارجي المؤقت، وعلى احترام القرار الوطني السوري.
إذ يرى العميد الركن مصطفى الفرحات أن المعيار الحقيقي لنجاح التعاون ليس عدد السفن التي تصلح أو تبنى، بل مقدار التطور الذي تحققه الكوادر والمؤسسات السورية في إدارة المنظومة البحرية وتشغيلها وصيانتها.
ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تتضمن الاتفاقيات برامج تدريب عملية طويلة الأمد، تجمع بين التأهيل النظري والتدريب داخل المنشآت البحرية، وتشمل المهندسين والفنيين وأطقم السفن وضباط القيادة والإمداد.
ومن الضروري كذلك إشراك الكوادر السورية في مراحل الفحص والصيانة والإصلاح والتحديث، بما يتيح لها اكتساب الخبرة العملية وتطوير قدراتها تدريجياً.
ويقتضي ذلك الاستثمار في الورش الفنية ومراكز التدريب والتعليم المتخصصة، وربط كل مشروع بمؤشرات واضحة لقياس تطور الكفاءة المحلية، وفق حديث الفرحات لـ”الثورة السورية”. إذ تمتلك تركيا خبرات يمكن لسوريا الاستفادة منها في تسريع بناء قدراتها البحرية. وفي المقابل، تستطيع سوريا، عبر تخطيط طويل الأمد، تحويل هذه الخبرات إلى قاعدة وطنية مستدامة.
ويعتبر الفرحات أن الاعتماد الدائم على الخارج غير مقبول حتى لو كان الشريك صديقاً أو حليفاً، ولذلك يجب توطين هذه الخبرات داخل سوريا من خلال كوادر وطنية.
ويضيف أن القيادة السورية تعمل في هذا الاتجاه، من خلال تعدد الشراكات والعلاقات السياسية وغيرها، حتى لا تتموضع في محور واحد.
وقد فضلت سوريا عدم الانخراط في أي محور، ولا سيما في هذه المرحلة التي تحتاج فيها إلى بناء قدراتها الدفاعية وإعادة البناء في الداخل، مع ما تواجهه من تحديات كبيرة على أكثر من صعيد.
وفي هذا السياق، يشكل تعدد الشراكات وتوسيع مجالات التعاون مع الدول ذات الخبرات البحرية والصناعية رافعة إضافية لتطوير القدرات السورية، ويمنح الدولة خيارات أوسع في التدريب والتكنولوجيا والصيانة.
وتنويع الشراكات لا يتعارض مع تعميق التعاون السوري – التركي، بل يعزز قدرة سوريا على إدارة علاقاتها وفق أولوياتها الوطنية، وفق الفرحات.
تكامل أمني اقتصادي
في ظل إدراج تطوير البنية التحتية للموانئ ضمن خارطة الطريق السورية – التركية، تبرز أهمية توظيف هذه المنشآت بما يلبي الاحتياجات الدفاعية للقوات البحرية، ويدعم في الوقت نفسه النشاط التجاري والاقتصادي، ويحقق التكامل بين المتطلبات الأمنية والمصالح الوطنية.
فالموانئ ليست مجرد مرافق تجارية، وفق الفرحات، بل أصول اقتصادية وسيادية وأمنية في آن واحد، وتطويرها ينعكس على حركة التجارة والاستثمار، وعلى قدرة الدولة على استقبال السفن وصيانتها، وعلى كفاءة القوات البحرية في تنفيذ مهامها.
ويضيف أن إنشاء مرافق للصيانة والإصلاح، وتطوير الأرصفة وأحواض السفن والخدمات الفنية وشبكات الإمداد، يمكن أن يفتح المجال أمام صناعة بحرية سورية توفر فرص عمل، وتدعم نقل التكنولوجيا، وتخفض التكاليف على صعيدي الصيانة والاستثمار.
وعليه، تبرز أهمية التكامل بين تطوير القدرات البحرية وتطوير الصناعات المدنية، فالاستثمار في الموانئ والأحواض البحرية يخدم الاقتصاد الوطني، ويوفر في الوقت نفسه بنية تحتية تدعم احتياجات الدولة الدفاعية.
غير أن نجاح هذه العملية يتطلب رؤية وطنية متكاملة تربط تطوير الموانئ بخطط النقل والتجارة والطاقة والصناعة، مع الالتزام بمعايير الأمن والسلامة وحماية البيئة، وضمان توجيه الاستثمارات نحو مشروعات تحقق عوائد اقتصادية واستراتيجية مستدامة، بحسب الفرحات.
موقع سوريا الاستراتيجي
تعد واجهة سوريا الساحلية على البحر المتوسط من أبرز عناصر موقعها الجغرافي، حيث تتجاوز قيمتها حماية الساحل، لكونها تقع في بيئة بحرية تتقاطع فيها المصالح الأمنية والطاقة وطرق الملاحة.
وفي هذا السياق، يرى الفرحات أنه ينبغي لسوريا أن تنظر إلى موقعها على البحر المتوسط بوصفه رصيداً استراتيجياً يتجاوز حماية الساحل، ليشمل التجارة والطاقة والاستثمار والعلاقات الإقليمية والدولية.
ويشير إلى أن الأحداث الجارية اليوم تُظهر أهمية المعابر البحرية والممرات المائية، وهو ما يجعل استثمار هذا الموقع وتأمين الملاحة فيه أولوية، بينما أجرت سوريا بالفعل تعاوناً مع عدة دول في مجال الملاحة البحرية وأمن البحار.
ويشهد شرق المتوسط تداخلاً بين المصالح الأمنية والاقتصادية، وتتنافس فيه الدول على النفوذ وموارد الطاقة وترتيبات التعاون البحري.
وفي هذا السياق، يعزز بناء قدرة بحرية سورية فاعلة قدرة الدولة على حماية مصالحها، ويدعم حضورها في أي ترتيبات إقليمية تتعلق بالأمن البحري والطاقة والملاحة، بحسب الفرحات، ويضاف إلى ذلك العوائد الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها سوريا من تأمين شواطئها ومياهها الإقليمية.
والمطلوب هنا ليس الدخول في سباق تسلح، ولا مواجهة مفتوحة مع القوى المحيطة، بل بناء قوة دفاعية متوازنة تحمي المياه الإقليمية والمرافق والمنشآت الحيوية، وتدعم تطبيق القانون، وتصون حرية الملاحة المشروعة.
ويمكن للقوات السورية أن تؤدي دوراً مهماً في مكافحة التهريب والأنشطة غير المشروعة، والاستجابة للحوادث البحرية، وعمليات البحث والإنقاذ، وتطوير التعاون مع الدول المطلة على المتوسط، وهي خطوة تعمل عليها سوريا فعلاً.
ويشير الفرحات إلى أن سوريا تحتاج في الوقت نفسه إلى سياسة بحرية تجمع بين تعميق التعاون مع تركيا وتوسيع العلاقات مع بقية الشركاء الإقليميين والدوليين، فذلك يتيح لها الاستفادة من خبرات وتكنولوجيا واستثمارات متنوعة، ويعزز استقلالية القرار الوطني ومرونة الحركة السياسية والاستراتيجية.
وبذلك، لا تقتصر إعادة بناء القوة البحرية السورية على امتلاك السفن، بل هي مشروع لبناء قدرة سيادية متكاملة تجمع بين العنصر البشري والتكنولوجيا والصناعة والعقيدة الدفاعية، بينما لا يقاس نجاحها بحجم الأسطول وحده، بل بقدرة سوريا على حماية مصالحها البحرية، وتطوير اقتصادها، وإدارة مواردها بكفاءة، وتوظيف موقعها الجغرافي لتعزيز مكانتها الإقليمية، وفق الفرحات.
ويتابع: “ومن هنا يمثل التعاون السوري التركي فرصة مهمة في مسار إعادة البناء، وتزداد نتائجه قوة كلما ارتبط برؤية وطنية واضحة وشراكات متنوعة تخدم المصالح السورية على المدى البعيد”.
إذاً، تكتسب خارطة الطريق السورية – التركية أهمية بالغة، نظراً إلى توقيتها ومضمونها، فهي تضم حزمة متكاملة من المشروعات الحيوية الضرورية لسوريا، وهو ما يعطي هذا التعاون أهمية في هذا التوقيت، الذي تحتاج فيه دمشق إلى تأهيل كوادرها وبناء قدراتها الدفاعية لتكون قادرة على مواجهة تهديدات مستقبلية وحماية مصالحها الاقتصادية والحفاظ على السيادة، إضافة إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي من خلال منع أي فراغ يمكن استغلاله.
أغيد أبو زايد
المصدر: الثورة السورية
