في بلد ارتبط اسمه بصناعة أفخم الساعات في العالم، بدت فكرة بيع ساعة مصنوعة من البلاستيك أقرب للمغامرة، فكيف يمكن إقناع المستهلك بشراء ساعة تخلو من المعادن الثمينة والتفاصيل الميكانيكية المعقدة التي صنعت شهرة الساعات السويسرية على مدار قرون؟

لكن المفارقة أن هذه الفكرة، التي بدت بعيدة عن تقاليد الصناعة، تحولت إلى واحدة من أبرز قصص النجاح التجاري، بعدما أصبحت ساعة “سواتش” البلاستيكية أحد العوامل التي ساعدت صناعة الساعات السويسرية على الخروج من أزمة كادت تعصف بمستقبلها.
ولم تكن الأزمة بسيطة، إذ فقد القطاع نحو ثلثي العاملين فيه، وأغلقت مئات الشركات أبوابها تحت وطأة المنافسة الآسيوية، قبل أن يظهر مشروع يقوم على فكرة غير مألوفة، وهي إنتاج ساعة سويسرية منخفضة التكلفة، يشتريها المستهلك باعتبارها جزءاً من مظهره الشخصي.
فكيف تمكنت ساعة بلاستيكية من منافسة الشركات اليابانية التي هددت عرش صناعة الساعات السويسرية؟ وكيف تحولت فكرة تقليل مكونات الساعة وتغيير طريقة تسويقها إلى مشروع حقق مبيعات بمئات الملايين؟
عندما خسرت سويسرا معركة الوقت
بدأت ملامح الأزمة في أواخر الستينيات، عندما طرحت شركة “سيكو” اليابانية في كانون الأول 1969 ساعة “كوارتز أسترون” التي اعتمدت على تقنية إلكترونية توفر دقة تفوق الساعات الميكانيكية التقليدية بنحو 100 مرة.
ولكن عند إطلاقها كانت باهظة الثمن، إذ بلغ سعرها 450 ألف ين ياباني (1250 دولاراً أمريكياً آنذاك)، وهو ما يزيد على خمسة أضعاف سعر بعض ساعات رولكس السويسرية في تلك الفترة.
ومع تطور التكنولوجيا وانخفاض تكاليف الإنتاج، تمكنت الشركات اليابانية من طرح ساعات إلكترونية دقيقة بأسعار تنافسية، بينما ظلت شركات سويسرية كثيرة تعتمد على صناعة الساعات الميكانيكية التي تتطلب مهارات حرفية وتكاليف إنتاج مرتفعة.
وكانت النتائج قاسية، فبحسب اتحاد صناعة الساعات السويسرية، انخفض عدد العاملين في القطاع من نحو 90 ألف شخص عام 1970 إلى ما يزيد قليلاً على 30 ألف شخص بحلول 1984.
كما تراجع عدد الشركات العاملة في الصناعة من أكثر من 1600 شركة في بداية السبعينيات إلى أقل من 650 شركة بحلول منتصف الثمانينيات.
ولم تكن المنافسة التكنولوجية السبب الوحيد، إذ واجه المصنعون السويسريون أيضاً ارتفاعاً في قيمة الفرنك وتكاليف الإنتاج، ما زاد صعوبة المنافسة في الأسواق الخارجية.
وفي عام 1980، تجاوزت اليابان سويسرا في حجم إنتاج الساعات، بينما تراجعت الصادرات السويسرية من حيث عدد الساعات خلال أوائل الثمانينيات إلى نحو نصف ذروتها المسجلة عام 1974، لتصبح الحاجة إلى تغيير قواعد المنافسة أكثر إلحاحاً.
ساعة بلاستيكية لإنقاذ صناعة عريقة
وسط هذه الأزمة، كانت مجموعتا صناعة الساعات السويسريتان “إس إس آي إتش” و”أسواج” تواجهان خطر الإفلاس، قبل الاستعانة بالمستشار ورجل الأعمال اللبناني الأصل “نيكولا حايك”، الذي وضع استراتيجية لإعادة هيكلة أعمالهما ودمجهما.

لكن التحول لم يقتصر على إعادة تنظيم الشركات، فقد شهدت تلك الفترة تطوير ساعة تختلف تماماً عن الصورة التقليدية للساعات السويسرية، بمشاركة المهندس “إلمار موك” وصانع الساعات “جاك مولر”، اللذين ساهما في تصميم سواتش وتطويرها.
واعتمدت الساعة الجديدة على هيكل بلاستيكي خفيف وحركة إلكترونية من نوع كوارتز، مع تقليص عدد مكوناتها إلى 51 قطعة فقط، مقارنة بما يتراوح بين 90 و150 قطعة في ساعات الكوارتز التقليدية آنذاك، واستخدام خطوط إنتاج آلية بدلاً من التجميع اليدوي.
وساعد هذا التبسيط على خفض تكاليف التصنيع وإتاحة إنتاج ساعات سويسرية بكميات كبيرة وأسعار مناسبة لشريحة أوسع من المستهلكين، دون التخلي عن معيار “صنع في سويسرا”.
وفي الأول من آذار 1983، ظهرت أول مجموعة من ساعات “سواتش” في زيورخ، وضمت 12 تصميمًا تراوحت أسعارها بين 39 و50 فرنكاً سويسرياً (19 إلى 24 دولاراً أمريكياً)، وهي مستويات سعرية كانت بعيدة عن الصورة السائدة للساعات السويسرية الفاخرة.
وكان الاسم نفسه جزءاً من الفكرة التجارية، إذ جاءت تسمية “سواتش” من اختصار الكلمتين الأنجليزيتين “سكند واتش” أي ساعة ثانية، بما يعكس الرهان على أن المستهلك يمكنه امتلاك أكثر من ساعة، وتغييرها بحسب مظهره ومناسباته.
من أداة لمعرفة الوقت لموضة عالمية
لم يكن انخفاض السعر وحده كافياً لضمان النجاح، فقد كانت الأسواق مليئة بالساعات الإلكترونية الرخيصة، ولذلك اتجهت “سواتش” إلى تقديم ساعاتها بطريقة مختلفة، من خلال الألوان الزاهية والتصميمات المتجددة والحملات الإعلانية التي ربطتها بالموضة.

وسرعان ما ظهرت النتائج، إذ احتفلت الشركة بإنتاج الساعة رقم مليون في عام 1984، وبلغت مبيعاتها التراكمية نحو 3.5 مليون ساعة بنهاية العام نفسه، ثم وصل الإنتاج التراكمي إلى 10 ملايين ساعة في خريف 1985، قبل أن يبلغ 50 مليوناً عام 1988.
سواتش بالأرقام.. من ساعة بلاستيكية إلى إيرادات بالمليارات
|
العام |
أبرز الأرقام والمحطات |
|
1983 |
إطلاق أول ساعة سواتش المصنوعة من 51 قطعة فقط |
|
1984 |
وصول مبيعات سواتش التراكمية إلى نحو 3.5 مليون ساعة |
|
1988 |
بلوغ الإنتاج التراكمي 50 مليون ساعة |
|
1992 |
إنتاج الساعة رقم 100 مليون |
|
2013 |
إيرادات مجموعة سواتش تصل إلى نحو 9.12 مليار دولار |
|
2022 |
بيع أكثر من مليون ساعة من مجموعة مون سواتش خلال العام |
وبحلول نيسان 1992، خرجت الساعة رقم 100 مليون من خطوط إنتاج “سواتش” لتؤكد أن المستهلكين لم يرفضوا شراء ساعة سويسرية مصنوعة من البلاستيك، بل أقبلوا عليها بالملايين.
ويرى “روني برنهايم”، رئيس شركة موندين السويسرية للساعات، أن سواتش لم تكن وحدها من أنقذ الصناعة، لكنها اتخذت خطوة بالغة الأهمية، إذ أظهرت للمستهلكين بالعالم إمكانية شراء ساعة سويسرية جيدة بسعر منخفض، وامتلاك أكثر من ساعة بدلاً من الاكتفاء بواحدة.
فكرة قديمة تحقق نجاحاً جديداً
ولم تتوقف قدرة “سواتش” على جذب المستهلكين عند نجاحها التاريخي، ففي عام 2022، تعاونت مع علامة أوميغا الفاخرة، التابعة للمجموعة نفسها، لإطلاق ساعات مون سواتش، المستوحاة من ساعة “سبيدماستر مون ووتش” الشهيرة.

وأعاد التعاون الجمع بين اسم سويسري فاخر وساعة أقل تكلفة ذات تصميم غير تقليدي، وحققت المجموعة مبيعات تجاوزت مليون ساعة من المجموعة الجديدة خلال عام 2022 وحده، وفقاً لنتائجها المالية الرسمية.
ولم يتوقف النجاح عند بيع ملايين الساعات البلاستيكية، إذ تحولت مجموعة “سواتش” إلى واحدة من أكبر الشركات العاملة في صناعة الساعات عالمياً، ووصلت في عام 2013 إلى مستويات قياسية، بعدما بلغت إيراداتها 8.46 مليار فرنك سويسري (نحو 9.12 مليار دولار آنذاك).
لكن السنوات الأخيرة حملت تحديات جديدة للمجموعة التي تضم علامات تجارية شهيرة مثل أوميغا ولونجين وتيسو، إذ تراجعت إيراداتها إلى 6.28 مليار فرنك سويسري (7.56 مليار دولار) خلال عام 2025.
كما انخفض صافي أرباحها إلى 25 مليون فرنك (نحو 30 مليون دولار)، مقابل 219 مليون فرنك في العام السابق، في ظل ضغوط على صناعة الساعات وتكاليف الإنتاج.
ومع ذلك، أظهرت أحدث النتائج المالية للمجموعة بوادر تحسن في المبيعات، إذ ارتفعت إيراداتها خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 2% إلى 3.12 مليار فرنك سويسري (نحو 3.95 مليار دولار)، بينما بلغ النمو 8.5% عند استبعاد تأثير تقلبات العملات.
وتواجه “سواتش” اليوم تحدياً مختلفاً عن ذلك الذي دفعها إلى ابتكار ساعتها البلاستيكية قبل أكثر من 4 عقود، بعدما أصبح المستهلك يستطيع معرفة الوقت ومتابعة نشاطه البدني وتلقي الرسائل عبر ساعة ذكية، أو حتى هاتف يحمله في جيبه.
وبينما نجحت الشركة في الماضي في الإجابة عن سؤال ما إذا كان المستهلك سيشتري ساعة سويسرية من البلاستيك أم لا، فإنها تواجه اليوم سؤالاً جديداً، ما الذي سيدفعه إلى شراء ساعة تقليدية أصلاً، في عالم تتزايد فيه البدائل الرقمية؟
المصادر: أرقام- مجموعة سواتش- الاتحاد السويسري لصناعة الساعات- سيكو- متحف سيكو- سويس إنفو- مؤسسة سميثسونيان- وكالة رويترز- الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
