ورشة لشركة «التزام للاستشارات» تبحث تعزيز المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

زمن القراءة: 11 دقائق

مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب..

مسؤولية مشتركة لتعزيز الثقة المالية بسوريا

العالم الاقتصادي- وليد أبو السل

في ظل المساعي الرامية إلى تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي السوري وتوسيع انفتاحه على المؤسسات المالية الخارجية، تبرز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بوصفها أحد الملفات الأساسية لتحسين بيئة العمل المالي وتعزيز الالتزام بالمعايير الدولية.

وفي هذا السياق، نظمت شركة «التزام للاستشارات»، مساء اليوم في فندق فورسيزن بدمشق، ورشة عمل تخصصية بعنوان «تعزيز فاعلية المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب – أدوار القطاعات والرقابة والتعاون»، بمشاركة فعاليات اقتصادية وأكاديمية ومصرفية، إلى جانب رجال أعمال وخبراء وإعلاميين وممثلين عن الجهات المعنية.

وخلال الورشة ناقش الدكتور علي إبراهيم عورتاني الخبير والمتخصص في مجالات الامتثال وإدارة المخاطر ومكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال (رئيس دائرة الامتثال وإدارة المخاطر لدى شركة “مدفوعاتكم” في الأردن) متطلبات تعزيز التنسيق بين المؤسسات المالية والجهات الرقابية والقطاعات الاقتصادية المعنية، وسبل تطوير إجراءات الرقابة وتبادل المعلومات، بما يسهم في الحد من الجرائم المالية وتهيئة الظروف اللازمة لتعزيز علاقات المصارف السورية مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، ودعم الجهود الرامية إلى خروج سوريا من القائمة الرمادية.

الخروج من القائمة الرمادية.. تحدٍّ أمام المنظومة المالية السورية

وأكد المدير التنفيذي لشركة التزام للاستشارات عبود مقسي يوسف في تصريح خاص لـ”العالم الاقتصادي” أن الورشة تمثل فرصة هامة تثير موضوعاً حساساً وهو غسل الأموال وتمويل الإرهاب الأمر يتطلب منا أن نكون على قدر كبير من الوعي والالتزام والتطور والنجاح”.

وأشار يوسف إلى أن “الورشة تدور حول فكرة اساسية مفادها أن سوريا اليوم تنتقل إلى مرحلة التقييم، وهو ما يتطلب أداء فاعلاً واهتماماً وتركيز كبيراً على موضوع غسل الأموال وتمويل الإرهاب، من قبل الشرائح المستهدفة وهي المصارف الخاصة وشركات الصرافة وقطاع الصاغة وإدارة المعادن الثمينة والعقارات والمحامين والمحاسبين القانونيين”.

عبود مقسي يوسف – المدير التنفيذي لشركة التزام للاستشارات

وقال: “يجب أن نكون على درجة عالية من الوعي الكبير لهذه المسألة، ويجب أن نثقف هذه القطاعات حولها من أجل بناء بيئة مناسبة تسمح بخروج سوريا من القائمة الرمادية وتشجيع القطاع المصرفي والمالي لاستقطاب المراسلين الخارجيين الذين بدورهم سيشجعون العمل في سوريا، وتهيئة الفرص لتوقيع عقود عمل بين المصارف والقطاع المالي السوري والقطاعات المحلية والعربية والدولية”.

الوعي هو حلقة الأساس في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

وفي هذا السياق أوضح المحاضر في الورشة الدكتور علي عورتاني في تصريح مماثل لـ”العالم الاقتصادي” أن الورشة تهدف إلى الحديث عن أدوار مكافحة غسل الأموال والتكامل داخل سوريا بين القطاعات المختلفة ابتداء من المصرف المركزي والمؤسسات والدوائر الحكومية الأخرى وقطاعات المصارف والبنوك وشركات التمويل والتأمين والدفع والقطاعات غير المهنية مثل تجار الذهب والعقارات والمحامين والمحاسبين القانونيين.

وأضاف عورتاني: “الهدف الرئيسي من الورشة أن نتحدث إلى كلا جهة من هذه الجهات عن مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب وأيضاً معرفة الضوابط التي يجب تطبيقها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ونعتبر الدور التكاملي أمر مهم جداً، فيما تمثل والتوعية والوعي على مستوى الدولة بشكل كامل حلقة الأساس قي مكافحة هذه الجرائم والحد منها داخل الدولة”.

الدكتور علي إبراهيم عورتاني – رئيس دائرة الامتثال وإدارة المخاطر لدى شركة “مدفوعاتكم” في الأردن

وأوضح عورتاني أن مكافحة غسل الأموال تعتمد على جمع البيانات بصورة مستمرة، وتحليلها وتحديد أولويات التفتيش والمتابعة، وهي عملية تتطلب كوادر بشرية متخصصة وإمكانات إدارية كبيرة، وضرب مثالاً على ذلك بوجود نحو 600 موظف في إحدى المؤسسات المالية العربية يتولون مهام الرقابة والمتابعة، موزعين على أعمال تشمل التدقيق المستقل والتحقق من مدى الالتزام بالإجراءات المعتمدة.

وبيّن عورتاني أن الرقابة تتخذ شكلين أساسيين؛ الأول توجيهي وإرشادي يهدف إلى مساعدة المؤسسات على الالتزام بالمتطلبات، والثاني جزائي يتمثل في اتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفين، وأكد أهمية تبادل المعلومات بين المؤسسات المالية الكبرى حول العمليات المشبوهة، ولا سيما تلك التي قد ترتبط بتمويل الإرهاب أو شراء الأسلحة لصالح جماعات إرهابية، مشيراً إلى أن هذا التعاون يسهم في تتبع حركة الأموال المشبوهة وتعزيز التنسيق بين الدول لمكافحة هذه الجرائم.

تعزيز الوعي وتطوير القطاع المصرفي لمكافحة غسل الأموال

وركّز عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق الدكتور علي كنعان في مداخلته له خلال الورشة على حجم الأموال المستخدمة في عمليات غسل الأموال، مشيراً إلى أن الدول العربية عرفت منذ وقت مبكر ضوابط للحد من هذه الظاهرة، استندت إلى مبادئ التشريعات الدينية.

وأوضح كنعان أن ضعف الجهود المبذولة لمكافحة غسل الأموال يعود إلى عدة عوامل، أبرزها تدني مستويات الرواتب والأجور في العالم العربي، وضعف الوعي العام بمخاطر هذه الظاهرة، إلى جانب عدم كفاية الإجراءات والتشريعات الرادعة للحد منها، ودعا إلى توسيع انتشار المراكز المصرفية لتشمل المناطق والأحياء والتجمعات السكنية التي تشهد نشاطاً تجارياً ملحوظاً، بما يسهل الوصول إلى الخدمات المالية ويعزز التعاملات المصرفية المنظمة، كما شدد على أهمية تطوير سوق السندات والأوراق المالية وتنويع مجالات الاستثمار، بما يسهم في توفير بيئة اقتصادية أكثر جاذبية للاستثمارات الخارجية.

وفي تصريح خاص لمجلة “العالم الاقتصادي” أوضح الدكتور كنعان أن الورشة عالجت خلال حوارات ونقاشات موضوع غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وتضمنت عدداً من المحاور شملت المصارف وشركات التأمين والقضايا التجارية والإجرائية والأنظمة والقوانين التي تضعها البنوك المركزية بهدف الحد من عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

الدكتور علي كنعان- عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق

وأضاف: “هناك العديد من الدول وضعت أنظمة وطبقتها ووصلت إلى مستويات متقدمة في حين أن البلدان العربية والبلدان النامية لا تزال في خطواتها الأولى في هذا المجال إلا أن هناك دول عربية مثل الأردن ومصر قطعت شوطاً كبيراً في مجال تطبيق أنظمة حديثة بهدف مكافحة غسل الأموال والحد من تمويل الإرهاب وخاصة في السنوات الأخيرة”.

وأشار د. كنعان إلى أن “سوريا تعد من الدول التي فيها هيئة لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب ولديها العديد من القرارات والأنظمة ضمن المصرف المركزي فرضتها على البنوك التي بدورها تعمل اليوم في سوريا ضمن هذه الأطر والأنظمة بهدف أن تخطو متقدمة للحد من عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب”.

التشريعات والقوانين والإجراءات

في تفاصيل الورشة ومحاورها أشار المحاضر الدكتور علي إبراهيم عورتاني إلى أن غسل الأموال يعتبر نشاطاً غير شرعي وأن نقطة البداية في عملية مكافحة هذا النشاط يجب أن تبدأ من الالتزام الفني والفعالية وبإصدار التشريعات والقوانين والإجراءات وأن للتوعية دور مهم في عملية مكافحة غسيل الأموال مشيراً إلى أن مفهوم غسل الأموال تعني الأموال التي تجمع من مصادر غير شرعي وأن أخطر قطاع لغسل الأموال هو قطاع البنوك لأنه يمكن استغلاله في التمويل والإبداع والسحب.

وقال: “غالباً ما تنشط عمليات غسيل الأموال في الأسواق المالية والعقارية وأسواق الذهب والمعادن الثمينة، لكن هذا النشاط يجب أن يقابله عمليات متابعة وتدقيق وفحص وتجميد وإبلاغ، للحد من انتشاره، مصحوباً بعمليات مسح دائمة لقوائم العملاء، وحركة نشاطهم المالي، لكن ما يقلق الجهات القائمة على عمليات كشف غسيل الأموال هي النتائج الإيجابية الخاطئة لعمليات المسح والمتابعة، فغالباً ما تظهر تلك العمليات بيانات غير حقيقية تعيق عمليات الكشف عن الحركة النشطة لعمليات غسيل الأموال التي غالباً ما تقوم بها شركات وهمية”.

أدوار القطاعات ومخاطرها

واستعرض عورتاني أبرز محاور مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، موضحاً أدوار المؤسسات المالية والقطاعات الاقتصادية والجهات الرقابية ووحدة المعلومات المالية وأجهزة إنفاذ القانون والقضاء، وأهمية تكاملها في تحديد المخاطر والتعامل معها وفق طبيعة كل قطاع.

وأشار إلى أن المؤشرات التي تستدعي التدقيق تختلف باختلاف النشاط؛ ففي المصارف تشمل حركة الأموال السريعة وغير المعتادة، وتقسيم الإيداعات إلى مبالغ صغيرة، وسداد القروض من مصادر مجهولة، أما في الصرافة والحوالات، فتشمل تكرار التحويلات بصورة تثير الشكوك، أو ورود حوالات من أشخاص متعددين إلى مستفيد واحد، ولا سيما عندما لا تتناسب العمليات مع طبيعة النشاط أو مستوى الدخل.

وأضاف عورتاني أن شراء الذهب والمعادن الثمينة بمبالغ نقدية مرتفعة، أو تكرار البيع والشراء دون غرض تجاري واضح، فضلاً عن شراء العقارات عبر شركات أو وكلاء مع تسديد الثمن من أطراف أخرى، أو إجراء صفقات بأسعار غير متوافقة مع السوق وإعادة البيع السريع، كلها مؤشرات قد تستدعي التحقق، دون أن تعني بالضرورة وقوع مخالفة.

المستفيد الحقيقي والرقابة القائمة على المخاطر

وأكد عورتاني أهمية تحديد «المستفيد الحقيقي»، أي الشخص الذي يملك الشركة أو يسيطر عليها فعلياً أو تعود إليه المنفعة النهائية من الأموال والمعاملات، إلى جانب تطبيق إجراءات التجميد والإبلاغ عن حالات التطابق مع الأسماء أو الجهات المشمولة بالعقوبات، وفق القوانين النافذة.

وأوضح أن الرقابة القائمة على المخاطر تعتمد على تقييم مستوى المخاطر لدى كل مؤسسة وقطاع، وتحديد أولويات التفتيش بناءً على ذلك. ولا تقتصر على وجود تعليمات مكتوبة، بل تشمل التحقق من تطبيقها، وتدريب العاملين، والاحتفاظ بالسجلات، وتوثيق تقييم المخاطر، مع تقديم الإرشادات اللازمة وتصحيح أوجه القصور وفرض جزاءات تتناسب مع طبيعة المخالفة وخطورتها.

التعاون وتبادل المعلومات

وشدد عورتاني على أهمية تبادل المعلومات بين المؤسسات والجهات المختصة، موضحاً أن بلاغ الاشتباه الفعّال ينبغي أن يستند إلى وقائع واضحة، وتسلسل زمني للعمليات، وتحديد الأطراف المعنية، وبيان أسباب الاشتباه، مع الحفاظ على السرية وعدم تنبيه العميل.

ولفت إلى دور وحدة المعلومات المالية في تحليل البلاغات وإحالة الحالات التي تستدعي المتابعة إلى الجهات المختصة، وتقديم التغذية الراجعة للجهات المبلغة، مؤكداً أن التنسيق بين المؤسسات المالية والجهات الرقابية والحكومية، وتعزيز التعاون المحلي والدولي، يمثلان عنصرين أساسيين في الحد من غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

آخر الأخبار