شكّل انهيار نظام الأسد المخلوع تحولاً مهماً في المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط واستراتيجيات الطاقة الإقليمية، بعد أكثر من ثلاثة عقود مثّل خلالها الموقف السوري عائقاً أمام مشاريع خطوط الأنابيب الرابطة بين الخليج والبحر المتوسط أو أوروبا، نتيجة تموضع النظام المخلوع إلى جانب إيران وتوتر علاقاته مع دول الخليج العربية خلال عهدي الأسد الأب والابن.
ووصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس باراك، المرحلة الحالية بأنها “لحظة في الزمن تمتلك فيها سوريا الروح والجغرافيا والقدرة الجيوسياسية لتكون حلاً لمضيق هرمز والبحر الأحمر”، خلال مؤتمر مجلس الأعمال الأميركي-السوري الذي نظمه “المجلس الأطلسي” في واشنطن في آذار الماضي، مؤكداً أهمية سوريا جسراً لعبور النفط العربي.
وتاريخياً، رشّح الموقع الجغرافي سوريا لتكون مركزاً إقليمياً للطاقة، وفق شركة كرم شعار للاستشارات، إذ وضعتها جغرافيتها في قلب عدد من مشاريع خطوط الأنابيب المقترحة، نُفذ بعضها، فيما بقيت مشاريع أخرى في إطار الدراسات والطروحات.
ويفتح هذا الموقع الباب أمام إعادة تقييم الدور الإقليمي المحتمل لسوريا في قطاع الطاقة، إذ يمكنها استقبال الغاز عبر مشاريع طُرحت سابقاً، وفي مقدمتها خط الغاز العربي القائم، بما يعزز فرص تحولها إلى ممر إقليمي مستفيد من البنية التحتية المتوافرة وإمكانات تطويرها.
ويرى المحلل والمستشار المستقل في شؤون الشرق الأوسط، المتخصص في الشأن السوري ومنطقة الخليج العربي والمقيم في واشنطن، عبد الله الحايك، أن سوريا تمتلك رصيداً جيوسياسياً وجيواقتصادياً يؤهلها، نظرياً، للتحول إلى عقدة ربط إقليمية في مجالي الطاقة وسلاسل الإمداد.
ويسهم موقع سوريا وساحلها ومرافئها في تعزيز فرص استخدامها جسراً إقليمياً ومنفذاً لمشاريع نقل الطاقة والبضائع بعيداً عن بعض نقاط الاختناق البحرية، إلى جانب شبكة الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب القائمة، وإمكان إعادة تأهيلها وربطها بممرات جديدة تصل الخليج والعراق والأردن بتركيا وأوروبا.
وفي هذا السياق، أوضح الحايك لـ”الثورة السورية” أن “قيمة سوريا تكمن في قدرتها على أن تصبح أرض عبور تختصر المسافات وتنوع المسارات وتخفض المخاطر اللوجستية”، إلى جانب ما تمتلكه من موارد ذاتية.
ويضاف إلى العامل الجغرافي توجه الحكومة السورية الجديدة نحو تعزيز علاقات حسن الجوار مع دول المنطقة، وهو ما يشكل، وفق خبير الاقتصاد والمتخصص في شؤون الطاقة في شركة كرم شعار للاستشارات محمد أحمد، أساساً جيوسياسياً يمكن البناء عليه لتطوير دور سوريا في مشاريع الطاقة الإقليمية.
خطوات نحو استعادة دور العبور
تقدم الجغرافيا السورية أقصر طريق بري بين حقول العراق والخليج والبحر المتوسط، وتشكل حلقة وصل بين الأردن وتركيا ومنها إلى أوروبا، وفق الباحث المستقل في الاقتصاد السوري ومؤسس ورئيس تحرير “ذا سيريا ديسباتش” بنيامين فيف.
وبدأ هذا الرصيد الجغرافي، وفق فيف، يتحول إلى مشاريع وبنية فعلية، مع تقدم العمل في خط الغاز العربي، وتدفق الغاز الأذربيجاني عبر تركيا منذ آب 2025، وارتفاع كميات الوقود العراقي العابرة لسوريا 33 مرة بين آذار وأيلول، إلى جانب إعادة إحياء مشروع خط كركوك–بانياس بدعم أميركي.
وتلتقي واشنطن وأنقرة والدوحة وبغداد وعمّان، بحسب فيف في حديثه لـ”الثورة السورية”، عند مصلحة مشتركة تتمثل في استقرار هذا الممر، في وقت ما تزال فيه قدرته التشغيلية محدودة، إذ تعمل الموانئ السورية عند نحو خُمس مستوياتها قبل الحرب.
ومؤخراً، بدأت دمشق إنجاز الجزء المتبقي من خط أنابيب الغاز العربي داخل سوريا، عبر بناء وصلة بطول 186 كيلومتراً وقطر 36 بوصة، لاستكمال مسار الخط الواصل بين الأردن وتركيا عبر الأراضي السورية.
وافتُتح الخط عام 2003 لنقل الغاز المصري إلى الأردن وسوريا ولبنان، قبل العمل على تمديده باتجاه تركيا وفق تفاهمات جرت عامي 2006 و2008، ثم أُلغيت عام 2009 نتيجة نزاعات مالية.
وتصل قدرة الخط إلى نحو 10 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، مع إمكانية رفعها إلى 15 مليار متر مكعب عبر تطوير خطوط الأنابيب وإضافة محطات ضغط. ويبلغ طوله حالياً نحو 750 ميلاً، ويتيح نقل الغاز من مصادر مختلفة، كما يمكن أن يوفر مساراً لوصول صادرات الغاز من سوريا أو دول حوض شرق المتوسط إلى تركيا ومنها إلى الدول الأوروبية، وفق معهد بيكر.
وسبق ذلك افتتاح الخط الواصل بين تركيا وسوريا عبر وصلة كيليس–حلب لنقل إمدادات الغاز الأذربيجاني إلى سوريا، بطاقة يومية تصل إلى 6 ملايين متر مكعب.
وفي مسار موازٍ، أعادت دمشق وبغداد إحياء مشروع خط كركوك–بانياس، الذي افتُتح عام 1952 وتوقف مرات عدة لأسباب سياسية وتقنية، كان آخرها عام 2003.
واتفق البلدان مؤخراً على تجديد الخط وتوسيعه بكلفة تصل إلى نحو 4.5 مليارات دولار خلال 36 شهراً، عبر إنشاء خطين بسعة 1.5 مليون برميل يومياً لكل منهما، ما قد يوفر لسوريا نحو 200 مليون دولار سنوياً من رسوم العبور، مع إمكانية تمديده لاحقاً إلى ميناء طرابلس في لبنان.
وفيما يتعلق بخط الغاز العربي، أوضح خبير الطاقة محمد أحمد أن مرحلة استكمال الجزء الواصل بين حمص وحلب أُطلقت، بما يؤدي إلى ربط مسار الخط كاملاً من مصر إلى تركيا.
ومن المحتمل، وفق أحمد، أن يتيح اكتمال المسار ضخ الغاز الأذربيجاني إلى الأردن عبر سوريا، ليعمل الخط في الاتجاهين من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، خاصة بعد توقف الإمدادات المصرية نتيجة زيادة الطلب الداخلي وعوامل أخرى.
تشابك المشاريع والعقبة الإسرائيلية
تعود فكرة مشاريع نقل الغاز الخليجي إلى المشرق وأوروبا إلى تسعينيات القرن الماضي، وفق “الشرق بلومبرغ”، ويقوم أحدها على نقل الغاز القطري من رأس لفان عبر السعودية والأردن وسوريا، وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، بما يتيح تجاوز ثلاث نقاط اختناق رئيسية هي مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.
وفي مسار آخر، استكشفت الكويت إمكانية تصدير نفطها عبر الربط بخط “التابلاين” الذي يعبر السعودية والأردن وسوريا، غير أن رفع حافظ الأسد رسوم العبور عبر الأراضي السورية أضعف الجدوى الاقتصادية للخط وأسهم في توقفه.
وكان من شأن خط الغاز القطري–التركي، الذي قُدرت كلفته بنحو 10 مليارات دولار وطوله بنحو 1500 كيلومتر، أن يسهم في تنويع إمدادات الطاقة إلى أوروبا وتقليل اعتمادها على الغاز الروسي، إلى جانب تعزيز موقع تركيا مركزاً للطاقة، غير أن معارضة النظام المخلوع أوقفت المشروع، وسط تقديرات ربطت موقفه بمصالح موسكو التي رأت في الخط تهديداً لحصتها في سوق الطاقة الأوروبية.
وفي المقابل، دفعت طهران بمشروع آخر يخدم مصالحها الجيوسياسية، ووقعت مع حكومة الأسد عام 2011 مذكرة تفاهم لبناء “خط أنابيب الصداقة” أو “الخط الإسلامي”، الذي كان مخططاً أن يربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان، ضمن مساعيها للوصول إلى سوق الغاز الأوروبية.
وتراقب إسرائيل بدورها مشاريع الربط الإقليمي عبر سوريا من زاوية تأثيرها المحتمل في مسارات الطاقة والتجارة التي تمر عبر أراضيها. ووفق مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية، فإن إنشاء خط للطاقة عبر سوريا قد يدفع إلى تطوير بنية تحتية إضافية تشمل الطرق والسكك الحديدية وكابلات الكهرباء، بما قد يفتح أمام الإمارات ودول خليجية أخرى خيار تصدير الغاز ومنتجات الطاقة عبر هذا المسار إلى أوروبا، متجاوزة ممرات محتملة تمر عبر الأردن وإسرائيل إلى البحر المتوسط.
ويرى المركز أن الإمارات قد تتحفظ على الاعتماد على قطر أو تركيا شريكين للعبور، إلا أن استمرار الحرب في غزة وتراجع صورة إسرائيل كمنطقة مستقرة إقليمياً قد يزيدان جاذبية المسارات البديلة.
وفي ضوء هذه الحسابات، أوصى المركز الإسرائيلي بمتابعة “لعبة خطوط الأنابيب” في سوريا عن كثب، خشية تفويت فرص اقتصادية إقليمية جديدة، معتبراً أن سقوط نظام الأسد أعاد تنشيط خطط أنقرة لتحويل تركيا إلى ممر إقليمي للطاقة. وقد يؤثر اتصال محتمل للطاقة بين تركيا وقطر عبر سوريا في بعض الطموحات الإسرائيلية المرتبطة بالممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي (IMEC).
وتضع هذه المشاريع سوريا، وفق المحلل والمستشار المستقل في شؤون الشرق الأوسط عبد الله الحايك، في مساحة تتقاطع فيها مصالح تركيا والعراق والأردن ودول الخليج وإسرائيل والقوى الأوروبية والولايات المتحدة وروسيا. ويحتاج أي مشروع عابر للحدود إلى توافقات سياسية وتمويل دولي وضمانات أمنية، فضلاً عن معالجة العقوبات المتبقية ومخاطر التوتر الإقليمي والمنافسة مع ممرات بديلة قائمة أو مخطط لها.
وتدخل المصالح الإيرانية في حسابات هذه المشاريع أيضاً، إذ يرى الباحث المستقل في الاقتصاد السوري بنيامين فيف أن لإيران وحلفائها مصلحة في عرقلة أي مسار يوفر بديلاً لمضيق هرمز، فيما يتوزع القرار العراقي بين بغداد وأربيل وقوى قريبة من طهران. ويضاف إلى ذلك تنافس خط كركوك–جيهان التركي، إلى جانب سجل طويل من مشاريع الأنابيب التي لم تكتمل في المنطقة.
ويفرق فيف هنا بين مسارين؛ الأول يتعلق بنقل النفط بالصهاريج، وهو مسار ظرفي قد يتراجع إذا عاد مضيق هرمز إلى العمل بصورة طبيعية، والثاني يرتبط بخطوط أنابيب النفط والغاز التي سبقت الأزمة الحالية، إذ بدأ تدفق الغاز الأذربيجاني قبل إغلاق المضيق.
ولخص فيف لـ”الثورة السورية” أثر الأزمة بقوله: “هرمز لم يخلق الفكرة، لكنه غيّر حسابات المخاطر وسرّع قرارات كانت ستستغرق سنوات”، معتبراً أن الاختبار الفعلي يكمن في انتقال مشروع كركوك–بانياس من مذكرة تفاهم إلى عقود وتمويل قبل انحسار الأزمة. فإذا تحقق ذلك، سيكون المشروع مؤشراً إلى تحول بنيوي، أما تعثره فقد يعيد الملف إلى الأدراج كما حدث مرات عدة منذ عام 2003.
ويتفق خبير الاقتصاد والمتخصص في شؤون الطاقة محمد أحمد مع البعد طويل الأجل لهذه المشاريع، مستبعداً أن يستثمر العراق مليارات الدولارات في خط يتوقف دوره بانتهاء أزمة هرمز. ومن هذا المنطلق، يرى أن المشروع يحمل بعداً استراتيجياً يتجاوز التعامل الآني مع الأزمة.
الموقع والبنية يعززان فرص العبور
تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى احتواء حوض شرق المتوسط، الذي تتقاسمه عدة دول، على قرابة 122 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز ونحو 1.7 مليار برميل من النفط. وتُقدّر حصة سوريا في مياهها الإقليمية بنحو 40 تريليون متر مكعب من الغاز، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى وجود قرابة 20 تريليون متر مكعب في اليابسة.
وتمتلك سوريا شبكة واسعة من خطوط أنابيب الغاز الطبيعي، تضم أكثر من 2500 كيلومتر من خطوط النقل في أنحاء البلاد، إلى جانب أكثر من 2200 كيلومتر من الخطوط التي تربط آبار الإنتاج بشبكة محطات التجميع والضغط، وفق تقرير لشركة كرم شعار للاستشارات.
وتشير الشركة إلى أن سوريا طورت قبل عام 2011 بنية تحتية للنفط والغاز كانت تعمل بمستوى قريب من المتوسط العالمي، وحصلت على تقييم 3.3 من 7 وفق المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى جانب شبكة خطوط أنابيب نفطية يصل طولها إلى نحو 2000 كيلومتر.
وأسهم الموقع الاستراتيجي والإمكانات الطاقوية في تجدد الاهتمام الدولي بسوريا، وفق معهد بيكر، وخاصة مع اهتمام شركات نفط كبرى باستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية في شرق المتوسط. ويشير المعهد إلى امتلاك البلاد احتياطيات نفطية مثبتة تُقدر بنحو 2.5 مليار برميل، فيما توفر حدودها مع تركيا منفذاً أقرب إلى الشبكات التي يمكن استخدامها لنقل النفط والغاز باتجاه أوروبا.
وأعطى إغلاق إيران لمضيق هرمز زخماً إضافياً للنقاش حول توسيع دور سوريا في قطاع الطاقة الإقليمي، مع ارتفاع الحاجة إلى إيجاد مسارات بديلة لنقل الإمدادات.
غير أن أزمة هرمز، وفق الحايك، تزيد حالياً جاذبية البحث عن طرق بديلة من دون أن تكون مصدر الأهمية الجغرافية لسوريا. فتحقيق قدر أكبر من التنوع في خطوط الطاقة والإمداد أصبح توجهاً استراتيجياً طويل الأجل، خاصة بعد الحروب والاضطرابات التي أظهرت مخاطر الاعتماد على ممر واحد أو نقطة اختناق واحدة.
وفي حال استقرار سوريا وإعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية، يمكن أن تصبح جزءاً من منظومة متعددة المسارات تربط دول المنطقة بالأسواق الأوروبية. ومن هذا المنظور، لا يشكل الحديث عن سوريا جسراً للطاقة استجابة مؤقتة لأزمة هرمز، كما أن الموقع الجغرافي وحده لا يضمن تحقق هذا الدور؛ إذ توفر الجغرافيا الفرصة، فيما تحدد السياسة والأمن والاستثمارات قدرة دمشق على تحويل موقع البلاد إلى مركز عبور إقليمي مستدام.
الإصلاح والاستقرار شرطان لتحويل الجغرافيا إلى استثمار
يواجه تحويل الميزة الجغرافية السورية إلى قيمة اقتصادية فعلية عقبات كبيرة، وفق المحلل والمستشار المستقل في شؤون الشرق الأوسط عبد الله الحايك. فعلى المستوى الداخلي، تحتاج سوريا إلى استقرار أمني وسياسي مستدام، وإعادة إعمار واسعة للبنية التحتية، ومؤسسات قادرة على ضمان العقود والاستثمارات، وبيئة قانونية ومالية شفافة، إلى جانب معالجة مشكلات الكهرباء والتمويل والفساد والقدرات الإدارية.
ويتطلب نجاح أي ممر للطاقة أيضاً سيطرة الدولة على كامل مساراته، وتأمين المنشآت والحدود والحد من نشاط الجماعات المسلحة والتهريب. ومن هنا، يرى الحايك أن سرعة الإصلاح المؤسسي واستعادة الثقة وتوفير الضمانات السيادية ستكون عوامل حاسمة في قدرة سوريا على المنافسة لاستقطاب هذه المشاريع الكبرى.
ومن الناحية الاقتصادية، يعتبر خبير الاقتصاد والمتخصص في شؤون الطاقة محمد أحمد أن واحدة من أبرز العقبات، والمتمثلة في العقوبات الغربية، أُزيلت بعد أن كانت عائقاً أساسياً أمام الاستثمار. ومع ذلك، يحذر من المبالغة في تصوير سوريا عقدة طاقة لا يمكن الاستغناء عنها، فرغم أن موقعها يسهل مشاريع الإمداد والربط الطاقوي إقليمياً ودولياً، ما تزال أمامها عقبات داخلية مرتبطة بآثار سنوات القصف والعقوبات.
وتشمل هذه العقبات الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، والصعوبات المرتبطة بالتحويلات المالية، ومخاطر استهداف خطوط الأنابيب، والمشكلات التي قد تواجه مسارات إمدادات الطاقة، إلى جانب الحاجة إلى تطوير البيئة التشريعية الناظمة للاستثمار.
وتشكل طبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمر، وفق أحمد، عاملاً آخر يحتاج إلى المعالجة، إذ ما تزال الدولة تؤدي أدوار المنظم والشريك والمنفذ في الوقت نفسه، وهو ما قد يحد من جاذبية القطاع أمام المستثمرين الذين يفضلون وجود هيئة تنظيمية مستقلة تمتلك صلاحيات واضحة وقادرة على الفصل في النزاعات.
وتظهر عقبة إضافية عند النظر إلى بعض خطوط الأنابيب التاريخية. فبحسب معهد بيكر، أدى الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان إلى قطع الجزء السوري من خط أنابيب “التابلاين” وإغلاقه، ما يجعل إعادة إحياء هذا المسار أكثر تعقيداً مقارنة بمشاريع أخرى، مثل خط كركوك–بانياس.
في المقابل، يلفت معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى عامل تجاري يتعلق باتجاه الطلب العالمي، إذ تتركز الأسواق الأكبر للطاقة الخليجية في آسيا أكثر من أوروبا، وهو ما قد يحد من جاذبية سوريا ممراً رئيسياً لتصدير موارد الطاقة الخليجية إلى الأسواق الأوروبية.
وتكشف تجارب العقود الماضية أن الموقع الجغرافي لا يكفي وحده لجذب الاستثمارات، بعدما تعرضت مشاريع خطوط الأنابيب العابرة لسوريا مراراً لتداعيات الحروب وعدم الاستقرار السياسي والتنافس الإقليمي وأعمال التخريب. ويرى معهد واشنطن أن مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد تتيح فرصة لإعادة طرح هذه المشاريع، إلا أن تحويلها إلى استثمارات فعلية يحتاج إلى مقومات تتجاوز الخرائط والمشاريع المقترحة والتوقعات المرتبطة بالموقع الجغرافي.
وتضع شركة كرم شعار للاستشارات عاملاً آخر في حساب فرص سوريا، يتعلق بقِدم عدد من المشاريع المطروحة، إذ يعود بعضها إلى مرحلة سبقت توسع إنتاج الغاز وتصديره في شرق البحر المتوسط، وما رافقه لاحقاً من تصاعد المنافسة الإقليمية على أسواق الطاقة ومساراتها.
وفي هذا السياق، تميز الشركة بين تحول الدولة إلى “عقدة للطاقة” واقتصار دورها على أن تكون “دولة عبور”. ففي الحالة الأولى، تمتلك الدولة دوراً مؤثراً في تحديد مسارات الطاقة وتسعيرها وتنويع مصادرها، فيما يتركز دورها في الحالة الثانية على استضافة بنية تحتية تحدد أطراف خارجية جانباً كبيراً من مساراتها ووظيفتها.
وبالنسبة إلى سوريا، يعكس الخطاب الرسمي والحكومي تطلعاً إلى النموذج الأول، في حين ترى الشركة أن الواقع الحالي أقرب إلى نموذج دولة العبور. ويتوقف الانتقال من هذا الدور إلى عقدة إقليمية للطاقة على قدرة البلاد على استكمال إصلاح بيئتها الاستثمارية والتشريعية، وتأهيل بنيتها التحتية، وتعزيز الاستقرار والضمانات اللازمة للمشاريع طويلة الأجل.
عمار جلو
المصدر: الثورة السورية
