مخاطر المناخ واضطرابات الشحن تهدد بتسارع تضخم أسعار الغذاء العالمية حتى 2027

زمن القراءة: 9 دقائق
عمال يفرزون القمح قبل تعبئته في أكياس داخل ساحة سوق لجنة تسويق المنتجات الزراعية في ضواحي أحمد آباد بالهند (رويترز)

تتجه أسعار الغذاء العالمية إلى تسارع جديد خلال الأشهر المقبلة، مع توقعات باستمرار الضغوط التضخمية حتى عام 2027، في ظل اضطرابات الشحن المرتبطة بالحروب، وارتفاع تكاليف الأسمدة، ومخاطر الجفاف الناجمة عن ظاهرة «النينيو»، وهي عوامل تضغط على إمدادات الحبوب وتزيد الأعباء على المستهلكين، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة.

في وسط العاصمة الإندونيسية جاكرتا، يقول محمد ياسين، البالغ من العمر 63 عاماً ويعمل مراقباً لمواقف السيارات، إنه اضطر إلى تقليص وجباته مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى مستويات تفوق قدرته الشرائية، وفق «رويترز».

وقال ياسين، الذي يتراوح دخله الأسبوعي بين 200 ألف و300 ألف روبية إندونيسية: إن تكلفة شراء الأرز و«التمبيه» والتوفو، التي كانت تتراوح سابقاً بين 7 آلاف و8 آلاف روبية (ما يعادل 0.39 إلى 0.44 دولار)، ارتفعت الآن إلى 15 ألف روبية.

وتأتي معاناة ياسين، وهو أب لأربعة أطفال، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسواق الغذاء العالمية، ففي إندونيسيا، سجلت أسعار الأرز مستويات قياسية وسط توقعات بتأخر هطول الأمطار، بينما ارتفعت أسعار الخبز في مصر بنحو الربع، وسجل السكر في الهند أعلى أسعاره على الإطلاق، بعدما أدى ضعف موسم الأمطار، وهو الأشد منذ أكثر من عقد، إلى تراجع الإنتاج.

وقال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو): إن هذه التطورات وضعت منظومة الغذاء تحت ضغوط كبيرة، متوقعاً أن تتفاقم آثارها مع نهاية العام الحالي، وفي مطلع العام المقبل، وربما على امتداد عام 2027.

وتتحمل الفئات الأقل دخلاً العبء الأكبر من هذه الزيادة، مع ارتفاع أسعار الغذاء في عدد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا، حيث تستحوذ المواد الغذائية على حصة أكبر من إنفاق الأسر.

ووفقاً للبنك الدولي، تجاوز ارتفاع أسعار الغذاء معدل التضخم العام خلال الربع الثالث في 22 في المائة من أصل 150 دولة شملها التحليل، مقارنة بـ14 في المائة خلال الربع السابق.

كما بلغ متوسط مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء، الذي يتتبع التغيرات الشهرية في أسعار سلة من السلع الغذائية المتداولة دولياً، 136 نقطة في أيلول، وهو أعلى مستوى له منذ تشرين الثاني 2022.

ولا تقتصر تداعيات ارتفاع الأسعار على تراجع القدرة الشرائية، بل تمتد إلى زيادة مخاطر الاضطرابات الاجتماعية، فضلاً عن احتمال لجوء الدول الرئيسية المصدّرة للغذاء إلى فرض قيود على الصادرات، مما قد يؤدي إلى تفاقم نقص الإمدادات في الأسواق العالمية.

صدمات متعددة تضغط على الإمدادات

تسببت الهجمات على البنية التحتية للحبوب في منطقة البحر الأسود في تعطيل شحنات القمح، مما دفع مستوردين رئيسيين، من بينهم مصر وإندونيسيا، إلى البحث عن مصادر بديلة، وفي الوقت نفسه، أدت المخاطر الأمنية في البحر الأحمر إلى تحويل مسارات السفن نحو طرق أطول وأكثر تكلفة حول أفريقيا.

وزادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من الضغوط على أسواق الغذاء، عبر رفع أسعار الوقود وتعطيل صادرات الأسمدة التي تمر عبر مضيق هرمز، مما رفع تكاليف الإنتاج الزراعي، بالتزامن مع تأثيرات الطقس الجاف المرتبط بظاهرة «النينيو» على المحاصيل في الهند وجنوب شرق آسيا.

وفي هذا السياق، ارتفعت أسعار القمح بأكثر من 30 في المائة منذ بداية عام 2026، بينما صعدت أسعار الأرز في دول آسيوية رئيسية مصدّرة له بنسب تراوحت بين 10 و13 في المائة، رغم وفرة المخزونات، وعلى الرغم من تراجع أسعار الأسمدة عن ذروتها المسجلة في وقت سابق من الحرب على إيران، فإنها لا تزال عند مستويات مرتفعة.

وقال مانيش تيواري، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة «نستله الهند»: إن ارتفاع التضخم، ولا سيما تضخم أسعار الغذاء، أصبح واقعاً ملموساً، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف السلع الأولية يفاقم التحديات التي تواجه القطاع.

وفي مصر، ارتفع سعر رغيف الخبز غير المدعوم إلى نحو خمسة جنيهات، مقارنة بأربعة جنيهات في تموز الماضي، وفي الإمارات العربية المتحدة، زادت أسعار زيت الطهي بنحو 40 في المائة، بينما ارتفعت أسعار الزيوت النباتية في إندونيسيا بنسبة 7 في المائة منذ بداية العام، رغم كونها أكبر منتج لزيت النخيل في العالم.

أما في الهند، فقد قفزت أسعار السكر والبصل والبقوليات بأكثر من 10 في المائة خلال أيلول مقارنة بالشهر السابق، نتيجة نقص الإنتاج.

ولا تقتصر الضغوط على أسعار المواد الخام، بل تشمل تكاليف التشغيل أيضاً، وقال سيد عبد الحميد محمد، وهو خباز في وسط القاهرة: إن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بالدقيق وحده، موضحاً أن أجور العمال المهرة وتكاليف الكهرباء والمياه والخميرة وسائر مستلزمات إنتاج الخبز ارتفعت بدورها.

من جهته، قال طارق عذاب، أحد زبائن المخبز: إن الأسعار تواصل الارتفاع منذ سنوات، وليس لمرة أو مرتين أو ثلاث.

وزادت تكاليف الشحن بنحو 50 في المائة على بعض المسارات التجارية الرئيسية، ومنها المسار الذي يربط البحر الأسود بجنوب شرق آسيا، بفعل ارتفاع أسعار النفط وتزايد علاوات المخاطر المرتبطة بالحروب.

تراجع المخزونات وعودة المستوردين ينذران بموجة جديدة من ارتفاع الأسعار

ورغم أن أسعار الغذاء تشهد ارتفاعاً منذ أواخر عام 2025، فإن تقلص الإمدادات المحلية وانتقال الزيادة في تكاليف السلع الأولية إلى المستهلكين يهددان بتسريع وتيرة التضخم خلال الفترة المقبلة.

ومن المتوقع أن تعود دول رئيسية مستوردة للغذاء في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى الأسواق العالمية لتلبية احتياجاتها، بعدما أحجمت عن الشراء في أعقاب مواسم حصاد محلية جيدة. وقد يؤدي تزامن عودة هذه الدول إلى الاستيراد إلى زيادة حادة في الطلب العالمي.

وقال ألكسندر كارافايتسيف، كبير الاقتصاديين في المجلس الدولي للحبوب ومقره لندن: إن الأسواق قد تشهد موجة جديدة وكبيرة من الطلب خلال الأشهر القليلة المقبلة مع عودة المستوردين إلى الشراء.

من جانبه، حذّر توريرو من أن الهوامش الوقائية التي وفرتها المخزونات العالمية القياسية من الحبوب بدأت تتقلص، وأوضح أن المخزونات الوفيرة ومحاصيل المواسم السابقة ساعدت في امتصاص الصدمات، لكن هذه الهوامش تتعرض لضغوط متزايدة، مما قد يجعل ارتفاع أسعار السلع الأولية أكثر حدة.

وتواجه شركات تصنيع الأغذية بدورها تكاليف أعلى، إذ تضطر الشركات التي تعتمد عادة على عقود توريد للمواد الخام تمتد من ثلاثة إلى ستة أشهر إلى تجديدها بأسعار مرتفعة، كما يؤدي ضعف العملات المحلية إلى زيادة تكلفة الواردات.

وقال فرانسيسكوس ويليرانغ، أحد مديري شركة «بي تي إندوفود»، أكبر شركة للأغذية في إندونيسيا: إن ارتفاع تكاليف الشحن يفاقم الأعباء، خصوصاً عند تحويلها إلى الروبية الإندونيسية في ظل تراجع العملة المحلية.

ولا تقتصر التحديات على ارتفاع الأسعار، إذ يواجه منتجو الأغذية صعوبات في تأمين الكميات اللازمة من المواد الخام، وفقاً لمتداولين في الأسواق.

وفي إندونيسيا، تعمل عدة مطاحن للقمح بأقل من طاقتها الإنتاجية، بعدما أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى تراجع وصول الشحنات، وقال مسؤول تنفيذي في إحدى شركات طحن الدقيق في جاكرتا، طلب عدم الكشف عن هويته: إن نقص الإمدادات يؤثر على نشاط المطاحن.

وأظهرت بيانات شركة «كلِبر» للتحليلات البحرية أن واردات إندونيسيا من القمح تراجعت بنسبة 41 في المائة على أساس سنوي في أيلول إلى 491 ألف طن متري.

في المقابل، لا تزال مخزونات فول الصويا والذرة وفيرة، لكن آفاق الإمدادات المستقبلية ستعتمد على حجم الإنتاج في الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية. وقد أسهم ارتفاع أسعار النفط في دعم أسعار المحصولين، نظراً إلى تنامي استخدامهما في إنتاج الوقود الحيوي.

ومن المتوقع أن تكون محاصيل القمح في نصف الكرة الجنوبي مواتية، غير أن أي تراجع محتمل في الإنتاج لدى دول مصدّرة، مثل أستراليا والأرجنتين، قد يشكل عاملاً إضافياً يدفع الأسعار إلى الارتفاع.

وحذّر كارافايتسيف من وجود مخاطر كبيرة لمزيد من الصعود في الأسعار، في ظل استمرار الضغوط على الإمدادات واحتمال عودة المستوردين بقوة إلى الأسواق العالمية.

المصدر: الشرق الأوسط

آخر الأخبار