تواجه الاقتصادات الساعية إلى التعافي تحديات إضافية مع تباطؤ النمو العالمي وتصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة، في وقت تتغير فيه خريطة التجارة والاستثمار بفعل التحولات التكنولوجية وإعادة تشكيل سلاسل التوريد.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا، التي تعمل على استعادة قدراتها الإنتاجية وتوسيع صادراتها وجذب الاستثمارات، وسط عقبات داخلية تتعلق بالتمويل والبنية التحتية والامتثال المالي. وبين الضغوط الخارجية ومتطلبات التعافي المحلي، يبرز تساؤل حول مدى تأثر فرص النمو في سوريا بتباطؤ الاقتصاد العالمي، وقدرتها على الاستفادة من التحولات التجارية والاستثمارية للحد من تداعيات الصدمات الخارجية.
ورجّح مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، في تقريره لعام 2026، تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي إلى 2.6 بالمئة خلال العام الحالي، مقارنة بـ2.9 بالمئة في العام الماضي. وفي المقابل، يُتوقع أن تنمو التجارة العالمية في السلع والخدمات بنسبة 4 بالمئة بأسعار ثابتة، بعدما بلغت قيمتها مستوى غير مسبوق عند 35 تريليون دولار عام 2025، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة.
ويأتي التقرير في ظل استمرار صدمة الطاقة الناجمة عن تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية، وبعد أن خفّض البنك الدولي، في حزيران الماضي، توقعاته للنمو العالمي إلى 2.5 بالمئة، محذراً من احتمال تراجع النمو إلى 1.3 بالمئة في سيناريو أكثر تشاؤماً إذا تفاقمت النزاعات. كذلك، سجلت التجارة بين الصين والولايات المتحدة انخفاضاً حاداً تجاوز 20 بالمئة منذ عام 2024، في حين وسّعت دول شرق آسيا تجارتها البينية وتبادلاتها مع الطرفين، لتصبح القارة الآسيوية المساهم الأكبر في النمو العالمي المتوقع، بحصة تبلغ 59 بالمئة، بقيادة الهند بنمو متوقع قدره 7.3 بالمئة، والصين بنسبة 4.5 بالمئة، وإندونيسيا بنسبة 5.2 بالمئة.
ويرصد التقرير دور منتجات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات بوصفها محركات رئيسية لتجارة السلع، محذراً في الوقت نفسه من المخاطر التي قد تترتب على تركز الأسواق في عدد محدود من الشركات العملاقة وانعكاساتها على الاستقرار المالي العالمي. كما يشير إلى أن تشديد ضوابط التصدير، وتوسيع إجراءات فحص الاستثمارات، وتعقيد سلاسل التوريد بفعل الاعتبارات الجيوسياسية، عوامل تزيد صعوبة دخول المشاركين الجدد إلى القطاعات الاستراتيجية، وتفرض تحديات إضافية على الاقتصادات التي تسعى إلى جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتعزيز قدرتها التنافسية.
ثلاثة تحولات رئيسية
ورأى الخبير والمحلل الاقتصادي الدكتور عصام شيخ الأرض، أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة تباطؤ حذر، في ظل ثلاثة تحولات رئيسية رصدها تقرير «أونكتاد» لعام 2026، تشمل صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية-الإيرانية، والتفكك التجاري بين بكين وواشنطن، وطفرة الذكاء الاصطناعي وما يصاحبها من تركز للثروة والنمو.
وأوضح شيخ الأرض لصحيفة «الثورة السورية» أن هذه التحولات تشكل إطاراً أساسياً لفهم التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، إذ يزيد اتجاه الاقتصادات الكبرى نحو التكتلات والضوابط الاستراتيجية وتركيز الأسواق من صعوبة دخول المشاركين الجدد إلى التجارة العالمية والقطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة. وأضاف أن سوريا تمتلك إمكانات تصديرية وموقعاً جغرافياً يمكن البناء عليهما، إلا أن الاستفادة منهما تتطلب إحراز تقدم في الإصلاح المصرفي، والخروج من القائمة الرمادية، واستئناف المشاورات الدولية، وهي ملفات لم تُستكمل بعد.
وفي السياق ذاته، أشار الباحث والمستشار الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي، إلى أن غياب البيانات السورية عن عدد من التقارير الدولية، وفي مقدمتها تقرير «أونكتاد»، يعود إلى نقص البيانات المحدثة والموثوقة، وليس إلى خروج الاقتصاد السوري من نطاق القياس، موضحاً أن غياب الإحصاءات المنتظمة والدقيقة يصعّب إدراج سوريا في التصنيفات والمقارنات الاقتصادية العالمية.
من جانبه، أرجع شيخ الأرض هذه المشكلة إلى تعطل نظام الإحصاء الوطني، وانقطاع المشاورات الرسمية مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2009، وتضارب التقديرات المحلية للنمو التي تتراوح بين 5 و35 بالمئة، ما يدفع المؤسسات الدولية إلى استبعاد البيانات التي يتعذر التحقق منها. وأكد أن استعادة حضور سوريا في التقارير الأممية تتطلب إعادة بناء النظام الإحصائي واستئناف مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي.
النمو من قاعدة منخفضة
وحول الموقع المتوقع لسوريا في تصنيفات النمو لعام 2026، توقع شيخ الأرض أنه في حال إدراجها، فقد تقع ضمن فئة الاقتصادات التي يتجاوز نموها 4 بالمئة، مستنداً إلى توقعات البنك الدولي التي تتراوح بين 2 و4 بالمئة، وتوقعات صندوق النقد الدولي التي تتجاوز 10 بالمئة، وتوقعات وزارة المالية السورية البالغة 11.3 بالمئة.
لكنه شدد على ضرورة قراءة هذه التوقعات في ضوء طبيعة التعافي الاقتصادي، إذ إن إعادة تشغيل بعض المصانع المتوقفة واستغلال الأراضي غير المستثمرة قد يرفعان معدلات النمو المسجلة انطلاقاً من قاعدة منخفضة، بما يجعل هذه المعدلات انعكاساً لحجم الدمار السابق بقدر ما تعكس تطور النشاط الاقتصادي الحالي، فيما يبقى تقييم استدامة النمو مرتبطاً بمدى توسع الطاقة الإنتاجية.
وفيما يتعلق بالمؤشرات الأكثر دقة لتقييم الواقع الاقتصادي، عدّ شيخ الأرض معدل التضخم السنوي من أكثر المؤشرات قابلية للقياس في سوريا حالياً، في ظل تعطل نظام الحسابات القومية. وأوضح أن بالإمكان احتسابه شهرياً بالاستناد إلى مصادر بديلة، مثل أسعار السوق التي ترصدها المنظمات الدولية، ومنها أداة رصد الأسعار التابعة لبرنامج الأغذية العالمي، بما يتيح متابعة الضغوط المعيشية على الأسر. وأشار إلى أن هذا المؤشر يبقى جزئياً، لاقتصاره على قياس تغيرات الأسعار من دون أن يعكس حجم الإنتاج والنشاط الاقتصادي.
من جهته، رأى الحمدي أنه لا يمكن تحديد ترتيب موثوق لسوريا في تصنيفات النمو لعام 2026 في ظل الظروف الراهنة، نظراً إلى تفاوت مسارات التعافي الاقتصادي، مشدداً على أن ارتفاع معدلات النمو الإجمالية لا يعني بالضرورة تحسناً في المستوى المعيشي للمواطن السوري.
ولفت إلى أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي للفرد هو المؤشر الأدق لتقييم وضع الاقتصاد السوري، على أن يُقرأ إلى جانب مجموعة من المؤشرات المترابطة، تشمل التضخم وسعر الصرف والقوة الشرائية.
معيار المشارك الجديد
وفي قراءته لتأثير التحولات التجارية التي تناولها تقرير «أونكتاد»، توقف شيخ الأرض عند ما أورده بشأن أثر «ضوابط التصدير وفحص الاستثمارات» على المشاركين الجدد، موضحاً أن دخول القطاعات الاستراتيجية، مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية الرقمية، بات مرتبطاً باعتبارات الأمن القومي والجغرافيا السياسية، في ظل الرقابة الصارمة التي تفرضها الدول الكبرى على هذه القطاعات، لا سيما ما يتعلق بتصدير التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
ورأى أن انطباق معيار «المشارك الجديد» على سوريا يتطلب تهيئة بيئة استثمارية تتجاوز مسألة رفع العقوبات، وتشمل إعادة بناء نظام إحصائي ومالي موثوق، والخروج من القائمة الرمادية، وتقديم ضمانات أمنية وسياسية تتيح للمستثمرين الدوليين النظر في استثمارات طويلة الأجل.
ويتفق الحمدي مع هذا التقييم، معتبراً أن ضوابط التصدير وفحص الاستثمارات وتعقيدات سلاسل التوريد التي يرصدها التقرير تزيد صعوبة وصول التكنولوجيا ورؤوس الأموال إلى سوريا. ويربط تجاوز هذه العقبات بتحقيق الشفافية التشريعية، وتسهيل حركة التجارة، والالتزام بالضوابط الدولية، بما يساعد على تهيئة الظروف اللازمة لاستقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا.
وعلى صعيد الفرص التصديرية المتاحة أمام الاقتصاد السوري، حدد شيخ الأرض ثلاثة قطاعات رئيسية يمكن أن تسهم في توفير العملة الأجنبية خلال المدى القريب، هي الفوسفات، والمنتجات الزراعية والغذائية، مثل زيت الزيتون والحمضيات والفواكه والمكسرات، والمنسوجات. وتوقع بدء التصدير الفعلي خلال عام 2026، موضحاً أن الوصول إلى حجم تصدير كبير ومستدام يتطلب فترة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات، لبناء القدرات اللوجستية واستيفاء معايير الامتثال الدولية.
في المقابل، اعتبر الحمدي أن فرص التصدير تمتد إلى قطاعات أوسع، تشمل الزراعة والصناعات الغذائية والمنسوجات والأدوية والسياحة والخدمات العابرة للحدود، إلى جانب زيادة إنتاج النفط والغاز. وقدّر أن هذه القطاعات قد تحقق نتائج ملموسة خلال فترة تتراوح بين 6 و24 شهراً، إذا توفرت الطاقة والتمويل والأسواق، مع الإشارة إلى أن تقدير الإيرادات بدقة يتطلب بيانات فعلية عن الإنتاج والصادرات والطلب الخارجي.
وتظل قدرة سوريا على استقطاب الاستثمارات مرتبطة بتجاوز العقبات التي تعترض تدفق رؤوس الأموال. وفي هذا السياق، وضع شيخ الأرض النظام المصرفي ومتطلبات الامتثال المالي في مقدمة التحديات، واصفاً إياهما بالعائق الصامت أمام الاستثمار، نظراً إلى تأثيرهما المباشر في قرارات المستثمرين، من دون أن يظهرا في صورة نقص في البنية التحتية المادية. وأوضح أن مشكلات الكهرباء والنقل، رغم ارتفاع تكلفتها، يمكن للمستثمر التعامل معها عبر التمويل الذاتي أو توفير بدائل، مثل إنشاء مصنع يعتمد على الطاقة الشمسية، في حين تظل القدرة على تحويل الأرباح إلى الخارج مرهونة بوجود بنك مراسل يتيح إجراء التحويلات المالية.
أما الحمدي، فوضع الأمن والاستقرار القانوني في مقدمة شروط جذب الاستثمار الأجنبي، يليهما وجود نظام مصرفي قادر على تحويل الأموال وتمويل المشروعات. ويؤكد هذا الترتيب أهمية توفير بيئة مستقرة بضمانات قانونية واضحة، بالتوازي مع تأمين القنوات المالية اللازمة لاستقطاب رؤوس الأموال وتمكين المستثمرين من تحويل أرباحهم إلى الخارج.
آفاق السنوات الخمس المقبلة
وفي ما يتعلق بآفاق الاقتصاد السوري خلال السنوات الخمس المقبلة، وما إذا كان يتجه نحو اقتصاد سوق حقيقي أو نحو تضخم مزمن وتراجع ممتد في قيمة العملة، استبعد شيخ الأرض كلا المسارين بصورتهما الحادة، مرجحاً مساراً ثالثاً يتمثل في تعافٍ اقتصادي حقيقي، لكنه هش، يترافق مع تضخم مزمن منخفض إلى متوسط، واستقرار نسبي في سعر الصرف الرسمي، مع استمرار الفجوة بينه وبين سعر الصرف في السوق الموازية. وربط هذا المسار بالتقدم في الإصلاح المصرفي والخروج من القائمة الرمادية، وهما شرطان لم يتحققا بعد.
في المقابل، رأى الحمدي أن المسار الاقتصادي لم يُحسم بعد، وأن بناء اقتصاد سوق منتج خلال السنوات الخمس المقبلة يظل ممكناً، شريطة تحقيق استقلالية السياسة النقدية، واستقرار التشريعات، وتعزيز تنافسية الأسواق، وتوجيه الدعم نحو الإنتاج، بدلاً من تمويل العجز عبر طباعة النقود.
أما في ما يتعلق بالمخاطر التي قد تواجه الاقتصاد السوري خلال عامي 2026 و2027، فقد حذّر شيخ الأرض من سيناريو يتسم بالانكماش واستمرار الركود، بالتوازي مع تجدد الضغوط التضخمية وتآكل القدرة الشرائية للفئات الاجتماعية. وعزا هذه المخاطر أساساً إلى صدمات خارجية مرتبطة بالاقتصاد العالمي والمنطقة، من بينها اضطرابات أسواق الطاقة بفعل الصراع الإقليمي وتفكك التجارة العالمية، معتبراً أن الضغوط الخارجية تمثل عاملاً رئيسياً في هذا السيناريو. وقدّر احتمالية تحققه بأنها متوسطة إلى مرتفعة، رابطاً تطور المسار خلال العامين المقبلين بمدى تصاعد الصراع الإقليمي وتراجع التمويل الخارجي.
ويتقاطع الحمدي مع هذا التحذير، موضحاً أن اتساع الحرب الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة والنقل وتعطل التجارة والاستثمارات قد تؤدي إلى موجة تضخم جديدة، وتزيد الضغط على الليرة، وتحد من القدرة الشرائية. لكنه شدد على أن هذا السيناريو يظل خطراً محتملاً وليس نتيجة مؤكدة، وأن تقرير «أونكتاد» وحده لا يوفر أساساً كافياً لتحديد احتمال رقمي موثوق لحدوثه.
وشدد الحمدي على أن التحدي أمام سوريا يتجاوز توفير رأس المال إلى بناء بيئة موثوقة تتيح توجيهه نحو الإنتاج وخلق فرص العمل وتوسيع الصادرات. فالتعافي الاقتصادي، وفق هذا المنظور، يُقاس بحجم الإنتاج الفعلي وبما يستطيع المواطن شراءه، إلى جانب المؤشرات الإجمالية للنمو.
مجد عبيسي
المصدر: الثورة السورية
