استضاف مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية، جوناثان بيرك، في مطلع أكتوبر الحالي جلسة مباحثات موسعة في نيويورك، ضمّت وزير المالية السوري محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان، وبمشاركة المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا السفير توم براك عبر الاتصال المرئي.
واستعرضت الاجتماعات واقع منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا، إلى جانب إيجاز قدمه طرف ثالث مستقل حول الفجوات الرقابية والتنظيمية الرئيسية وخطط الحكومة السورية لمعالجتها.
وأكد بيرك أن تحقيق الترابط المالي يُعدّ ركيزة أساسية لمواجهة التمويل غير المشروع وإعادة إدماج سوريا في النظام المالي الدولي، معلناً استمرار الخزانة الأميركية في العمل المباشر مع سوريا لإنجاز الإصلاحات الهيكلية المطلوبة.
إذ شكلت قرارات رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، تحوّلاً مهمّاً فتح أبواب التعافي الاقتصادي، وإمكانات الإدماج المالي عالمياً، إلا أن القرارات لا تقتصر على حدود السياسة، إنما تتزامن مع خطوات عملية تؤسّس عمليات ربط وفق معايير شفافة، تتضمن مكافحة التمويل غير المشروع وغسل الأموال.
وقد لخّص براك وفق ما أوضح الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم لـ”العربي الجديد” المسار حين قال: إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح الباب أمام تعافي سوريا، وإن استعادة الاتصال المالي هي ما يحول الفرصة إلى ازدهار دائم. وقال عبد الكريم: “أقرأ في هذه العبارة اعترافاً ضمنياً بأن رفع العقوبات لم يكن كافياً وحده، فالباب المفتوح لا يعني أن أحداً دخل منه”، وأضاف: “حين يحدد محاور النقاش بثلاثة، مكافحة التمويل غير المشروع، وإصلاحات مالية ذات مصداقية، وإعادة بناء الثقة، فهو يضع الكرة في ملعب دمشق: واشنطن أزالت القيد القانوني، والباقي يتوقف على ما تثبته المصارف السورية”.
وشُطبت جميع المؤسسات المالية السورية، ومنها المصرف المركزي والمصرف التجاري السوري، من قائمة العقوبات الأميركية. وقال عبد الكريم: “في تقديري، سوريا اليوم بين المرحلتين الأولى والثانية”. اجتماع الخزانة الأميركية في 1 تشرين الأول نقل الملف من سؤال: هل يسمح القانون بالتعامل مع سوريا؟ إلى سؤال: هل أصبح البنك السوري جاهزاً ليقبل البنك الدولي التعامل معه؟ لكنه كان مناقشة لا اتفاقاً، فالبيان الرسمي لم يعلن حساباً مراسلاً واحداً ولا اسم بنك بدأ التعامل.
وما تحقق مؤسسياً حتى الآن كما بين عبد الكريم ثلاث خطوات: رسالة سويفت الأولى إلى الاحتياطي الفيدرالي في تشرين الثاني 2025، وإعادة فتح حساب المصرف المركزي هناك في شباط 2026 للمرة الأولى منذ 2011، وبدء قبول البطاقات الدولية عبر بنك واحد في أيار 2026. ونبه إلى أن SWIFT هو لغة الرسالة، أما البنك المراسل، أي البنك الأجنبي الذي يسوّي المدفوعات نيابة عن البنك السوري، فهو الطريق الذي تمر عبره الأموال فعلياً.
وأضاف: “أرى أن البداية الواقعية ستكون مع بنوك تركية وخليجية وأردنية قبل البنوك الأميركية والأوروبية الكبرى”. وفي ما يخص مرحلة العقوبات وإنهائها قال الباحث الاقتصادي خالد تركاوي لـ”العربي الجديد”: “قبل فترة كنا نتحدث عن العقوبات وكيف أنها يمكن أن تزول أو لا، وبعد أن زالت العقوبات في الحقيقة كان لدينا تطلع إلى تطبيق آثارها، أي هل سنرى خطوات عملية في هذا الجانب. الحديث عن شراكات مع فيزا كارد وماستر كارد، والجلوس مع البنوك المركزية الدولية كلها خطوات تأتي كخطوة متقدمة من مرحلة انتهاء العقوبات الاقتصادية على سوريا”.
أما التحدي الثاني فهو تنظيمي وفق عبد الكريم، فسوريا مدرجة منذ 2010 على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF، وهي الجهة التي تضع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي واحدة من 22 دولة على القائمة حتى حزيران 2026. وقال: إن العقوبات لم تنتهِ كلياً، فقد أعادت واشنطن إدراج 139 شخصاً وكياناً تحت صلاحيات أخرى يوم أنهت البرنامج الشامل، والمصرف التجاري السوري ما زال خاضعاً لقاعدة أميركية تعود إلى 2006 تصنفه مصدر قلق في غسل الأموال، مع استثناء صدر في أيار 2025 يسمح بالتعامل معه بشرط تدقيق مشدد.
أما التحدي الثالث فداخلي، الذي يراه عبد الكريم الأصعب ، أن القطاع يتألف من 21 مصرفاً، ستة حكومية وخمسة عشر خاصاً، بأصول تقارب 12 مليار دولار وفق تقديرات 2024، وهو حجم بنك متوسط واحد في المنطقة. أما المصارف الحكومية فتملك نحو 69% من هذه الأصول. والقروض تعادل نحو 4% فقط من الناتج المحلي مقابل نحو 23% قبل 2011، أي إن وظيفة الإقراض شبه متوقفة.
والتحدي الرابع هو الثقة، وقال عبد الكريم: “هي الكلمة التي ختم بها براك محاوره الثلاثة”، فالودائع بالعملات الأجنبية ارتفعت من 15.8% من إجمالي الودائع في 2011 إلى 69.4% في 2023، وتابع “وهذا مؤشر على هروب الناس من الليرة. والاحتياطي الأجنبي الذي كان 19.5 مليار دولار في 2010 استُنزف شبه كليّ بحسب البنك الدولي. والحوالات، المقدرة رسمياً بنحو 2.2 مليار دولار في آخر رقم منشور عام 2020، يمر جزء كبير منها خارج المصارف”.
والمطلوب أن يثبت البنك السوري لنظيره الأجنبي وفق ما أكد عبد الكريم، أنه قادر على كشف العملية المشبوهة قبل أن تصل إليه. وهذا يتوزع على أربعة مستويات. قانونياً: تشريع محدث وسجل يكشف المستفيد الحقيقي، أي من يملك الشركة أو يسيطر عليها فعلياً.
ورقابياً: مصرف مركزي يفتش ويعاقب باستقلالية. وتقنياً: أنظمة تراقب المعاملات آلياً وتطابق الأسماء مع قوائم العقوبات. ومحاسبياً وبشرياً: بيانات مدققة وفق المعايير الدولية وكوادر امتثال مدربة. وتابع عبد الكريم أن عبارة “ذات مصداقية” في منشور براك ليست تفصيلاً لغوياً، فالبنوك الدولية لا تكتفي بصدور القانون، بل تنتظر دليلاً على تطبيقه: مخالفات تُكشف، وعقوبات تُفرض، وبيانات تُنشر.
وفي ما يخص مرحلة العقوبات وإنهائها قال الباحث الاقتصادي خالد تركاوي لـ”العربي الجديد”: “قبل فترة كنا نتحدث عن العقوبات وكيف أنها يمكن أن تزول أو لا، وبعد أن زالت العقوبات في الحقيقة كان لدينا تطلع إلى تطبيق آثارها، أي هل سنرى خطوات عملية في هذا الجانب، الحقيقة اليوم موضوع الحديث عن شراكات مع فيزا كارد وماستر كارد، والجلوس مع البنوك المركزية الدولية كلها خطوات تأتي كمرحلة متقدمة من مرحلة انتهاء العقوبات الاقتصادية على سوريا”.
وتعد سوريا سوقاً صغيراً وفق تركاوي، ولكنه يتموضع في منطقة جغرافية مهمة، واليوم العالم يتجه إلى اقتصادات إقليمية يتعاون بعضها مع بعض، خاصة في ظل الأزمات العالمية الكبرى التي تؤثر على الإمداد وحركة النقل والأسعار، لذا يحتاج إقليم الشرق الأوسط الاقتصاد السوري كونه جزءاً لا يصلح الاستقرار بدونه، أو على الأقل يصعب الاستقرار الاقتصادي والتعاون الاقتصادي بدونه، لذا يأتي الانفتاح على سوريا تطبيقاً لهذا المبدأ، ولا يكون الانفتاح الاقتصادي بدون تعاملات مالية.
وفي الشأن الدولي، قال تركاوي؛ “لا أعتقد أن سوريا سيكون لديها حركة تجارية كبيرة مع العالم خلال السنتين المقبلتين على أقل تقدير، ولكننا بتنا أمام أسواق مفتوحة، وتعاملات مالية نحتاج إليها، لذا فإن هذه التعاملات تقتضي الانفتاح الاقتصادي والمالي”، أما الفوائد الرئيسية التي يمكن أن تأتي من الانفتاح بهذه الحالة، فهي وفق ما قال إننا: “تجاوزنا العقوبات بمرحلة أو عدة مراحل، وبدأنا نتحدث عن مرحلة الانفتاح وليس العزلة، وكيف نقوم بتطبيقها، والنقطة الثانية أننا بتنا جزءاً من اقتصادات المنطقة، والثالثة أن سوريا أمام تعاملات تجارية دولية وإن كانت بمبالغ صغيرة ولكنها مندمجة في منظومة الاقتصاد الدولي وليست بعيدة عنه”.
عبد الله البشير
المصدر: العربي الجديد
