ما الذي خسرته المصارف السورية بسبب الأزمة المالية اللبنانية؟

زمن القراءة: 9 دقائق

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت، اليوم الاثنين، تقييم حالة بعنوان “العلاقة المالية بين لبنان وسورية: من التعاون السياسي والاقتصادي إلى حلّ أزمة المصارف والودائع”، يتناول مسار العلاقات المالية بين البلدين، من سنوات الترابط الاقتصادي إلى تداعيات الأزمة المصرفية اللبنانية على الاقتصاد السوري، لا سيما في ما يتعلق بالودائع السورية العالقة في المصارف اللبنانية، وانكشاف المصارف السورية على القطاع المصرفي اللبناني.

يوضح تقييم الحالة أن اعتماد الاقتصاد السوري، طوال عقود، على القطاع المصرفي اللبناني جعل تداعيات الأزمة المالية اللبنانية، التي بدأت في عام 2019، تمتد إلى سورية، من خلال تجميد ودائع وانكشاف عدد من المصارف السورية على المصارف اللبنانية، ويستعرض حجم الودائع السورية العالقة في لبنان والتقديرات المتباينة بشأنها، إضافة إلى التحديات التي تواجه إعادة بناء العلاقات المالية والمصرفية بين البلدين في ظلّ الإصلاحات التي تشهدها سورية ومساعيها إلى الانفتاح الاقتصادي.

ويشير التقييم إلى أن نجاح التعاون المالي والمصرفي في المرحلة المقبلة يتطلب معالجة الملفات التي خلّفتها أزمة 2019 المصرفية، وتعزيز الحوكمة واستعادة الثقة بالقطاعين الماليين. ويؤكد في هذا السياق أن التقارب السياسي بين البلدين، على الرغم من أهميته، لا يكفي وحده لإرساء علاقة مالية ومصرفية جديدة، ما لم تُعالَج الملفات العالقة التي خلّفتها الأزمة المصرفية اللبنانية.

ويرصد التقييم التطورات الأخيرة في العلاقات الثنائية، بدءاً من اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام والرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق في 9 أيار 2026، وما أسفر عنه من إطلاق مجلس أعمال مشترك وتشكيل لجان فنية. وفي 23 أيلول 2026، أعلن وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط بدء مراجعة أكثر من أربعين اتفاقاً وبروتوكولاً مشتركاً، بعد إنشاء اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة.

وفي اليوم نفسه، أكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار أن تطوير التعاون يحتاج إلى مصارف تموّل التجارة ومؤسسات موثوقة، فيما شدّد سلام، عقب لقائه الشرع في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، على تعزيز مشاريع الربط الإقليمي في مجالات الكهرباء والطاقة والسكك الحديد.

ويلفت التقييم إلى أن لبنان أدّى تاريخياً دور الوسيط المالي للاقتصاد السوري، منذ افتراق المسارين الاقتصاديين للبلدين بعد حلّ الاتحاد الجمركي بينهما في عام 1950، إذ اتجهت سورية نحو اقتصاد موجّه، فيما تحوّلت بيروت إلى مركز مالي إقليمي. وتعزّز هذا الدور بعد عام 2011 مع فرض العقوبات الدولية على سورية، ليتحوّل إلى مصدر انكشاف مع اندلاع الأزمة اللبنانية، وقد لفت البنك الدولي إلى أن تعاملات سورية مع الخارج باتت منذ عام 2020 مقيّدة بشدة بفعل أزمتَي لبنان وتركيا وعقوبات قانون قيصر.

غير أن المعادلة بدأت تتبدّل منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024. فقد رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية عن سورية في أيار 2025، وأنهت الولايات المتحدة الأميركية برنامج العقوبات الشامل في 30 حزيران 2025، وشارك وزير المالية السوري يسر برنية في اجتماعات وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة السبع في باريس في أيار 2026. ويرى التقييم أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تراجع اعتماد دمشق على مرفأ بيروت والمصارف اللبنانية.

 المصارف اللبنانية داخل القطاع المالي السوري

ويستشهد التقييم في هذا الإطار باتفاق سورية مع شركة “CMA CGM” لتشغيل مرفأين جافّين في عدرا وحلب، وإطلاق رحلة تجريبية لقطار شحن بين مرفأي اللاذقية وعدرا بعد توقف دام 14 عاماً، في مقابل إعلان لبنان، في 16 أيار 2026، إطلاق مناقصة لتحديث خط السكك الحديد بين طرابلس والعبّودية عند الحدود السورية، سعياً لترسيخ موقع مرفأ طرابلس مركزاً لوجستياً إقليمياً.

وبحسب التقييم، كانت ستة مصارف تابعة لمصارف لبنانية أو مرتبطة بها، من أصل 20 مصرفاً عاملاً في سورية، تمتلك بحلول أيلول 2012 نحو 114 فرعاً من أصل 536، أي أكثر من خُمس شبكة الفروع المصرفية، فيما شكّلت رساميلها نحو 16.2% من إجمالي رساميل القطاع. وبلغت أصولها المجمّعة ذروتها في عام 2010 عند 376.1 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 8 مليارات دولار، قبل أن تتراجع إلى 286.6 مليار ليرة في نهاية عام 2012، بانخفاض يقارب 24%.

ومع اندلاع الأزمة المالية في لبنان في خريف 2019، وفرض المصارف قيوداً مشددة على السحوبات والتحويلات بالدولار، تحوّل هذا الترابط المصرفي إلى مصدر للخسائر. وفي أيلول 2025، ألزم مصرف سورية المركزي المصارف التجارية بالاعتراف الكامل بانكشافاتها على النظام المالي اللبناني، وتكوين مؤونات كاملة لتغطيتها، وتقديم خطط لإعادة الهيكلة أو الرسملة خلال ستة أشهر.

وبحسب تصريحات أدلى بها حاكم مصرف سورية المركزي آنذاك في تشرين الأول 2025، تجاوزت انكشافات المصارف التجارية السورية على لبنان 1.6 مليار دولار، أي نحو ثلث إجمالي ودائع هذه المصارف، التي قدّرتها وكالة “رويترز” بنحو 4.9 مليارات دولار استناداً إلى التقارير المالية لعام 2024 للمصارف التجارية الأربعة عشر. ويوضح التقييم أن هذه النسبة لا تعني أن ثلث الودائع موجود في لبنان، بل تبيّن حجم العبء على ميزانيات المصارف المتأثرة، ومن أبرزها:

  • بنك الشرق
  • فرنسبنك سورية
  • بنك سورية والمهجر
  • بنك بيمو السعودي الفرنسي
  • شهبا بنك
  • أهلي ترست بنك

وفي ما يتعلق بحجم الودائع السورية العالقة في لبنان، يشير التقييم إلى غياب بيانات رسمية منشورة تفصل الودائع بحسب جنسيات أصحابها. ويذكر أن ودائع القطاع الخاص غير المقيم لدى المصارف اللبنانية ارتفعت من 18.3 مليار دولار إلى 21.3 مليار دولار بين آذار وكانون الأول 2011، بالتزامن مع خروج الرساميل من سورية، من دون أن يعني ذلك أن الزيادة كلها سورية، ولا أن الأموال التي دخلت لبنان خلال سنوات الحرب بقيت كلها مودعة فيه حتى عام 2019.

وقد أدّى ذلك إلى تفاوت كبير في التقديرات، فبينما يقدّرها الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود بنحو 3 مليارات دولار حداً أقصى، وتضعها مصادر مصرفية لبنانية بين 8 و10 مليارات دولار، قدّرتها مصادر في النظام السوري السابق بين 20 و42 مليار دولار في تشرين الثاني 2020، ثم رفعتها إلى ما بين 40 و60 ملياراً في تموز 2021، من دون أن تستند إلى بيانات مصرفية منشورة يمكن التحقق منها. ويعزو التقييم هذا التباين إلى اختلاف تعريف “الأموال السورية”، بين ودائع أفراد، وأموال شركات ورجال أعمال، وحسابات مرتبطة بهياكل قانونية مختلفة.

ويحدد التقييم ثلاثة تحديات أساسية أمام إعادة بناء العلاقة المالية بين البلدين:

  • الأول في متطلبات إعادة رسملة المصارف السورية المرتبطة بلبنان، وما تفرضه على المصارف والمساهمين اللبنانيين من خيار صعب بين دعم استثماراتهم في سورية ومعالجة أوضاعهم المالية في لبنان.
  • الثاني بالسياسات التي ستعتمدها السلطات السورية في تنظيم درجة انفتاح القطاع وشروط الترخيص والملكية والامتثال، في ظل منافسة متوقعة من مصارف خليجية أكثر رسملة.
  • الثالث، يرتبط بقدرة الاقتصاد السوري على استعادة الطلب على الخدمات المصرفية، من خلال تحسّن مستويات الدخل والادخار وعودة الطلب على الائتمان.

في المقابل، يرى التقييم أن مساعي سورية إلى إعادة بناء قطاعها المالي والانفتاح مجدداً على النظام المصرفي العالمي تتيح للبنان أداء دور مهم، من خلال نقل خبراته المهنية والتقنية في مجالات الامتثال وإدارة المخاطر وأنظمة الدفع والتمويل التجاري، والمساعدة في بناء علاقات مع المصارف المراسلة.

وقد برزت مؤشرات على هذا الدور في 26 آب 2026، مع اختبار أول عملية دفع دولية عبر شبكة “فيزا” في سورية، بالتعاون مع فرنسبنك لبنان بصفته المصرف المسؤول عن تسوية المدفوعات للتجار، وشركة “بايميرا”. غير أن توسيع هذا الدور يبقى مشروطاً باستيفاء المتطلبات الرقابية ومتطلبات الامتثال، وبأن تستفيد سورية من دروس الأزمة المصرفية اللبنانية.

ويشدد التقييم على أن معالجة ملف الودائع السورية لا يمكن فصلها عن المعالجة الشاملة لأزمة الودائع في لبنان، لأن المودعين السوريين يندرجون قانونيًاً ضمن قاعدة أوسع من المودعين اللبنانيين وغير اللبنانيين، فيما يتعيّن على المصارف السورية الإفصاح عن خسائرها المرتبطة بلبنان في ميزانياتها. ويخلص إلى أن التقارب السياسي بين البلدين يشكّل عاملاً مهماً في تطوير العلاقات الثنائية، لكنه يحتاج إلى أطر مؤسسية فاعلة تعالج الملفات العالقة، وتحدد مجالات التعاون، وتتابع تنفيذ ما يُتفق عليه، بما يتيح بناء علاقة مالية ومصرفية أكثر استقراراً وتوازناً بين لبنان وسورية.

المصدر: العربي الجديد
آخر الأخبار