العالم الاقتصادي ـ وليد أبو السل:
دعا الخبير الاقتصادي الدولي الدكتور كرم شعار المعنيين وصناع القرار في سوريا إلى الاستفادة من الظروف السياسية الحالية لسوريا لإبرام اتفاقيات تجارية مع العديد من الدول أو التكتلات الاقتصادية الكبرى، واصفاً ما توصلت إليه سوريا من حالة انفتاح في سياستها الدولية بـ “مذهل”، ورأى أنه ليس بالضرورة أن تحمل الاتفاقيات التجارية في معظم جوانبها طابعاً اقتصادياً بحتاً، وقال: إن الكثير منها قد يحمل طوابع سياسية وأخرى أمنية بين الدول، واستشهد الشعار بمستقبل الاتفاقيات ما بين سوريا والاتحاد الأوروبي وأضاف: “إن الاتحاد الأوروبي لا يرى مانعا في تعافي الاقتصاد السوري على حساب اقتصاده، لأن ذلك يساعد في عودة اللاجئين السوريين”.
الدكتور الشعار الذي تحدث في ندوة حوارية نظمتها غرفة تجارة مدينة دمشق تحت عنوان: “التجارة السورية والانفتاح الدولي”، استعرض التحولات التي مرت بها الاقتصاد السوري منذ عام ٢٠١٠ ولغاية الآن، وقال: “لا يمكن فصل السياسة عن الواقع الاقتصادي لأي بلد كان، ففي عام ٢٠١١ تسبب الاتحاد الأوروبي بضرر كبير للاقتصاد السوري بناء الظروف السياسية الحاصلة آنذاك بسبب اندلاع الثورة السورية وموقف الاتحاد منها، عندما امتنع عن استيراد النفط السوري، والمرحلة السابقة قد شهدت انخفاضاً كبيراً في عدد الشركاء التجاريين الدوليين لسوريا من 100 شريك إلى 50 شريكاً فقط”.
مستقبل سوريا التجاري
وأكد الدكتور الشعار أن مستقبل التجارة السورية سوف يتحسن خلال الفترة القادمة إذا ما واكب ذلك بعدة إجراءات ضرورية واستراتيجية، وقال: “إن الصادرات السورية لا تشكل تهديداً للدول الأخرى وخصوصاً في الوقت الحالي”، ورأى أن “هذا الوقت هو الأفضل لعقد المزيد من الاتفاقيات التجارية المفيدة والمثمرة “، وأكد أن “أمام سوريا فرصة لاتخاذ قرارات استراتيجية اقتصادية هامة”.
وتحدث الشعار عن رفع العقوبات على سوريا، وقال: “إن ذلك لا يكفي” فعلى القطاع التجاري والمصرفية الامتثال لهذا التغيير الجديد ومواكبته، ورأى أن سياسة القطاع المصرفي في سوريا ما زالت غير واضحة وغير مفهومة ” على حد قوله”، وأضاف: هناك تصور خاطئ لمفهوم الربط البنكي بنظام (سويفت) وهذا النظام لم يتوقف في سوريا، وإنما ماتوقف هو قيام عدد من البنوك العالمية بوقف عملياتها المصرفية مع البنوك السورية، وإن عملية الربط بحاجة إلى المزيد من الوقت حتى إعادة بناء الثقة.
الإغراق غير قانوني دولياً
وتحدث الدكتور شعار عن الحالة التي تعيشها الأسواق السورية حالياً، من حيث عمليات الإغراق بالمنتجات الوافدة إلى الأسواق السورية، وخاصة من تركيا ودول الجوار وقال: “أرى أن هنالك حالة من التشويش فيما يتعلق بذلك وأنا لست مع هذا الطرح، لكن السؤال الأهم والواجب طرحه حالياً؛ إلى أي حد لدينا استعداد لدعم المنتج السوري وإطلاق نظام تعرفة جمركية تحميه بالاعتماد على البيانات التجارية، المبنية على فهمنا لهيكلية هذه المنتجات؟”.
ودعا الدكتور الشعار إلى الإسراع باعتماد نظام الحوكمة، والشروع بتعديل التشريعات القانونية التجارية المعمول بها حالياً، وبناء منظومة رقمية تسهل على المنتج السوري عملية الربط والتشابك مع الأسواق الخارجية وخاصة الأوروبية منها، ورأى ان بات من الضروري إجراء مراجعة لمنظومة الشحن التي باتت تشكل عبء في وجه وصول المنتج السوري إلى وجهته بسبب ارتفاع تكاليفها، وقال: “إن رسوم الشحن ماتزال مرتفعة مقارنة بغيرها، وان هذا الأمر يبدأ بالتحسن عند تزداد حركة السفن فتنخفض التكلفة، إلا أن ذلك يحتاج إلى المزيد من الوقت”.
وانتقد الدكتور الشعار حملة التشويش التي مازالت تتعرض لها سوريا على أنها بلد “غير مستقر” و”بلد عالي المخاطر”، وقال: “من الطبيعي أن ترث سوريا ذلك، وهي البلد الذي عاش أكثر من عقد ونصف في حالة حرب ودمار شامل أتى على كل شيء فيها، وإن عامين غير كافيين لإعادة رسم الهوية الاقتصادية الجديدة”.
البيانات وأهميتها
وشدد الباحث على أهمية الاعتماد على البيانات التجارية في صياغة السياسات الاقتصادية في البلاد، ( وليس الابتعاد عنها)، وقال: “لا يمكن صنع سياسة تجارية بدون بيانات، ولولا البيانات لا يمكن رسم سياسة تجارية لأي بلد كان” ، ورأى أنه ليس بالضرورة أن تكون كل البيانات مثالية بالمطلق، لكن غيابها يفتح المجال لإطلاق الكثير من التكهنات والتخمينات، وأنه رغم قصورها إلا أنها ضرورة.
الميزان التجاري السوري
واستعرض الباحث الدكتور كرم الشعار الخط البياني لميزان التجارة السورية منذ عام ٢٠١١ ولغاية عام ٢٠٢٦ ، وقال: ” مازال الميزان التجاري السوري يسجل حالة عجز، بسبب الظروف التي شهدتها البلاد على مدى الفترة الماضية، لكن مؤشراً إيجابياً بات يسجله الخط البياني بعد الارتفاع الذي باتت تشهده الصادرات السورية خلال العامين الماضيين محققة ما قيمته من ٤,٥ إلى ٧ مليار دولار، وهذا بحد ذاته قفزة نوعية، فيما لا زالت تركيا تحتل نصف وارداتنا”.
وأشار إلى أنه “من الممكن ان تقوم سوريا بعمليات إقراض لسد العجز في ميزاتها التجاري، ولكن وفق شروط محددة ومدروسة”، مشدداً على ضرورة “الاستمرار في تعزيز العلاقات التجارية مع دول الجوار وخاصة العراق الذي باتت تشهده العلاقة معه تعافياً ملحوظاً خلال العامين الماضيين، مما انعكس إيجاباً على ردم هوة العجز الحاصلة في الموازنة العامة ، مع ضرورة ربط ذلك بحزمة من الإجراءات والقرارات المدروسة”.

