الغذاء تحت ضغط عالمي.. كيف تتأثر السوق السورية؟

زمن القراءة: 10 دقائق

تتصاعد الضغوط على أسواق الغذاء العالمية مع ارتفاع الطلب على المحاصيل المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي، إلى جانب زيادة تكاليف الطاقة والأسمدة واضطرابات سلاسل الإمداد، ما يعيد المخاوف من موجة جديدة لارتفاع الأسعار، وبينما تشير مؤشرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن العالم لا يواجه حالياً أزمة غذاء بحجم أزمة 2022، تبدو سوريا أكثر حساسية لهذه التحولات بفعل اعتمادها المرتفع على الاستيراد وارتفاع تكلفة الغذاء محلياً، ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس هذه الضغوط على السوق السورية والأمن الغذائي.

وارتفع مؤشر “الفاو” لأسعار الغذاء في أيلول الماضي إلى 136.0 نقطة، مقابل نحو 134.0 نقطة في آب، ليسجل أعلى مستوى منذ تشرين الثاني 2022، في ظل ارتفاع أسعار السكر والحبوب والزيوت النباتية واللحوم ومنتجات الألبان، مدفوعاً بالظروف الجوية القاسية واضطراب التجارة والنقل والمخاوف المرتبطة بظاهرة “النينيو”.

وتمثل الحبوب عاملاً أكثر حساسية بالنسبة للأمن الغذائي العالمي، ففي آب ارتفع مؤشر الفاو للحبوب 2.2 بالمئة إلى 116.3 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ أيار 2024.

وخفضت المنظمة توقعاتها لإنتاج الحبوب العالمي لعام 2026 بمقدار 3.4 ملايين طن إلى نحو 2.980 مليار طن، أي أقل بنحو 2 بالمئة من إنتاج 2025، في أكبر انخفاض سنوي منذ 2018.

وأشارت “الفاو” إلى أن المخزونات العالمية القريبة من مستويات قياسية والتقدم التكنولوجي وزيادة صادرات دول، مثل البرازيل وروسيا توفر هوامش أمان للنظام الغذائي العالمي، غير أن الضغوط تتصاعد مع ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، ما يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي، إلى جانب المنافسة المتزايدة بين الغذاء والوقود الحيوي على بعض المحاصيل، فضلاً عن القيود التجارية التي يمكن أن تحد من تدفق الإمدادات بين الدول.

الضغوط تنتقل إلى سوريا

وتنتقل هذه الضغوط إلى السوق السورية بدرجات متفاوتة، بحسب قدرة الاقتصاد المحلي على امتصاص ارتفاع تكلفة الغذاء والاستيراد، ويؤكد الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر لصحيفة “الثورة السورية” أن التأثير سيكون موجوداً بالتأكيد، في ظل الانكشاف الاقتصادي في سوريا واعتمادها على أكثر من 70 بالمئة من المواد الغذائية على الاستيراد، وأن أي ارتفاع في أسعار الغذاء عالمياً سينتقل بسهولة إلى سوريا.

ويضيف اسمندر أن التوسع في سياسات الوقود الحيوي سيؤدي إلى خلق منافسة مباشرة على المحاصيل الأساسية، ما يرفع أسعارها عالمياً وينعكس بشكل مباشر على فاتورة الاستيراد السورية.

ويوضح أن ازدياد الطلب العالمي على الوقود الحيوي سيزيد الطلب على استخدام المنتجات الزراعية المناسبة كوقود حيوي بدلاً من استخدامها كغذاء، أي ستكون هناك منافسة بين الغذاء والوقود، وبالتالي ستقل كمية الغذاء وترتفع أسعاره، فعلى سبيل المثال، أصبح أكثر من 40بالمئة من الذرة في الولايات المتحدة يستخدم لإنتاج الإيثانول.

وفي شهر نيسان الماضي، سجلت أسعار الزيوت النباتية العالمية زيادة بنسبة تقارب 6 بالمئة نتيجة تنامي الطلب المرتبط بسياسات الوقود الحيوي، وهذا الارتفاع ينتقل مباشرة إلى السوق السورية التي تستورد هذه المادة.

ويتوافق مع اسمندر الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي، الذي يرى أن ارتفاع الطلب العالمي على الوقود الحيوي يخلق منافسة مباشرة أو غير مباشرة بين الغذاء والطاقة، خصوصاً في الذرة والزيوت النباتية وفول الصويا.

فعندما تتجه كميات أكبر من هذه المحاصيل إلى إنتاج الإيثانول أو الديزل الحيوي، يمكن أن ترتفع أسعارها العالمية، وهذا ينعكس على الدول المستوردة، مثل سوريا.

لكن التأثير على سوريا لا يقتصر على سعر السلعة نفسها، فارتفاع أسعار الذرة والزيوت والحبوب يرفع فاتورة الاستيراد بالدولار، ثم ينتقل إلى تكلفة الأعلاف والزيوت وبعض الصناعات الغذائية، ومع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة ينتقل جزء من هذه الزيادة إلى المستهلك.

لذلك يرى الحمدي أن الخطر الأكبر على سوريا هو تراكم عدة زيادات صغيرة: سعر الغذاء + الشحن + الوقود + التأمين + سعر الصرف، وليس ارتفاع سعر سلعة واحدة فقط.

ويقول الحمدي لصحيفة “الثورة السورية”: إن الفاو أكدت في أيلول استمرار قوة الطلب على المحاصيل المستخدمة مواد أولية للوقود الحيوي، ولا سيما الذرة وزيوت الصويا.

ويشير إلى أن الوقود الحيوي يزيد مصادر الضغط على الأسعار، لكن حجم انتقاله إلى السوق السورية يتوقف على سعر الصرف وتكاليف النقل وسياسة الاستيراد.

مؤشر أسعار الغذاء

ولا يرى الحمدي أن قراءة مؤشر “الفاو” وحدها تكفي للقول إن العالم يتجه إلى أزمة غذائية بحجم أزمة 2022، موضحاً أن الظروف العالمية مختلفة؛ إذ لا يزال مؤشر أسعار الغذاء عند 136 نقطة بعيداً عن ذروة 2022، فيما يُتوقع أن يبلغ الإنتاج العالمي للحبوب في 2026 نحو 2.979 مليار طن، وهو ثاني أعلى مستوى مسجل، بينما تقترب المخزونات العالمية من 950 مليون طن.

وتزداد حساسية الوضع في سوريا مع ارتباط الأمن الغذائي بقدرة السوق المحلية على تأمين الغذاء وتمويله وتوزيعه، إلى جانب مستويات التوفر العالمي.

ويضيف الحمدي أن “الفاو” توقعت أن يبلغ إنتاج القمح في سوريا خلال 2026 نحو 2.7 مليون طن، بزيادة تتجاوز 50 بالمئة عن متوسط السنوات الخمس، وهو تطور إيجابي، لكنها تتوقع في الوقت نفسه حاجة سوريا إلى استيراد نحو مليوني طن من القمح خلال موسم 2027، مع إجمالي واردات من الحبوب يقارب 2.8 مليون طن.

وبالتالي، يرتبط الخطر بالنسبة إلى سوريا بارتفاع تكلفة وصول القمح إلى السوق المحلية، إلى جانب قدرة المواطنين على تحمّل تكلفة شرائه.

ويشدد الحمدي على أن الأمن الغذائي يرتبط بتوفر الغذاء وإتاحته وقدرة السكان على شرائه. وتكتسب هذه النقطة أهمية مع بيانات “الفاو” التي تشير إلى أن أسعار دقيق القمح والأرز في سوريا خلال حزيران 2026 كانت أعلى على أساس سنوي بنسبة 34 بالمئة و32 بالمئة على التوالي، بينما ارتفعت تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق بأكثر من 30 بالمئة.

ضغوط الطاقة والأسمدة

غير أن الضغوط تتصاعد مع ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، بما يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي، إلى جانب المنافسة المتزايدة بين الغذاء والوقود الحيوي على بعض المحاصيل، فضلاً عن القيود التجارية التي يمكن أن تحد من تدفق الإمدادات بين الدول.

ويوضح اسمندر أن هذه العوامل تفرض ضغطاً مزدوجاً على المزارع السوري، عبر ارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي من جهة، وزيادة تكلفة استيراد البديل من جهة أخرى.

ومن المتوقع أن يرتفع مؤشر أسعار الأسمدة العالمية بأكثر من 30 بالمئة خلال عام 2026، بفعل تداعيات إغلاق مضيق هرمز وما يفرضه من مخاطر على إمدادات الطاقة والأسمدة. ومع ارتفاع أسعار الطاقة، تزداد تكاليف النقل والري والمدخلات الزراعية، فيما ارتفع سعر الغاز الطبيعي، الذي يشكل مادة خام أساسية لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، بنسبة تصل إلى 50 بالمئة.

وبما أن الأسمدة تمثل نحو ثلث تكاليف الإنتاج في الدول المستوردة، فإن ارتفاع أسعارها يزيد أعباء الإنتاج على المزارع السوري ويضغط على ربحية الزراعة المحلية، ما قد يدفع بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة، وينعكس على حجم الإنتاج المحلي وحاجة السوق إلى الاستيراد، مع ضغوط إضافية على أسعار الغذاء والتضخم.

ويؤكد الحمدي أن الزراعة الحديثة ترتبط بسلسلة تكلفة متكاملة تبدأ بالطاقة والأسمدة وتنتهي بسعر الغذاء، موضحاً أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يرفع تكاليف النقل والري والتشغيل، فيما تنعكس زيادة أسعار الغاز على تكلفة إنتاج الأسمدة، ثم تنتقل هذه الزيادة إلى المزارع وتنعكس على سعر المحصول.

ويشير إلى أن سوريا قد تجد نفسها أمام مفارقة تتمثل في توافر المياه والأراضي الزراعية، مقابل ارتفاع تكلفة الإنتاج، وهو ما يستدعي الانتباه إلى أثر أسعار المدخلات الزراعية في القدرة على الحفاظ على مستويات الإنتاج.

ويضيف أن ارتفاع أسعار الأسمدة قد يدفع المزارعين إلى خفض كميات استخدامها، ما ينعكس على الإنتاجية، ويزيد الحاجة إلى تعويض النقص عبر الاستيراد، في وقت تكون فيه أسعار الغذاء العالمية مرتفعة.

ويلفت الحمدي إلى أن هذا ما حذرت منه توقعات شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) بالنسبة إلى سوريا، إذ أشارت إلى استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة فوق متوسطاتها، وما قد يترتب على انخفاض استخدامها من ضغوط على إنتاجية الحبوب في الموسم التالي.

لذلك، يتطلب تعزيز الأمن الغذائي في سوريا خفض تكلفة الإنتاج المحلي بالتوازي مع تأمين قنوات استيراد مرنة، بما يتيح الجمع بين دعم الإنتاج المحلي والحفاظ على قدرة السوق على الاستيراد عند الحاجة.

ولا يرى الحمدي في الأرقام الحالية مؤشرات على أزمة غذاء عالمية بحجم أزمة 2022، لكنه يؤكد أن العالم يدخل مرحلة جديدة من التقلبات في أسواق الغذاء.

وبالنسبة إلى سوريا، يتمثل التحدي الرئيسي في تكلفة وصول الغذاء إلى المواطن، إلى جانب مستويات الأسعار العالمية. وفي ظل التحسن المهم في الإنتاج المحلي هذا العام، واستمرار امتلاك السوق العالمية مخزونات وإمدادات كبيرة، تبرز أهمية الاستفادة من هذه الظروف عبر تنويع مصادر الاستيراد، وتأمين التمويل والنقل، ودعم الإنتاج الزراعي، وخفض تكلفة الطاقة والأسمدة.

ويؤكد الحمدي أن الأمن الغذائي في سوريا يحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مخزون استراتيجي، ودعم إنتاج زراعي مستدام، وتطوير شبكة استيراد متعددة المصادر.

مجد عبيسي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار