عاد النفط إلى التدفق عبر مضيق هرمز بمستويات تقترب من تلك المسجلة قبل الحرب، لكن الأسعار لم تستجب لزيادة الإمدادات. فمع وصول تدفقات الخام عبر المضيق إلى نحو 80 في المائة من مستويات ما قبل الحرب، لا يزال «برنت» فوق 100 دولار للبرميل، في سوق أصبحت فيها تكلفة نقل الخام وتأمينه، إلى جانب استنزاف المخزونات واختناقات التكرير، عوامل لا تقل أهمية عن حجم الإمدادات نفسها.

«هرمز» يعمل… لكن بتكلفة ومخاطر أعلى
منذ اندلاع الحرب في 28 شباط، تغيرت طريقة تحرك النفط عبر المنطقة. فقد دفعت المخاطر الأمنية المنتجين والمشترين إلى إعادة ترتيب مسارات الشحن واستخدام طرق بديلة، فيما أصبحت الناقلات تعمل في رحلات أطول وأكثر تعقيداً.
ولا تزال السفن تعمل في بيئة أمنية غير مستقرة، مع بقاء مضيق هرمز محوراً للتوتر بين إيران والولايات المتحدة. لذلك، لم يؤدِّ تعافي التدفقات إلى اختفاء علاوة المخاطر، بل أبقى كلفة نقل الخام وتأمينه أعلى من مستويات ما قبل الحرب.
فاتورة الشحن تعيد تسعير النفط
وتقدم تكاليف الشحن أوضح دليل على التحول الذي طرأ على سوق النفط. فبحسب «رويترز»، تجاوزت أجور ناقلات النفط العملاقة 1.2 مليون دولار يومياً، مقارنة بنحو 30 ألف دولار فقط في كانون الثاني، لترتفع حصة الشحن من تكلفة البرميل المسلم إلى آسيا إلى نحو 27 في المائة، مقابل نحو 3 في المائة قبل الحرب.
كما ارتفعت تكلفة نقل النفط بحراً من الخليج إلى شرق آسيا إلى نحو 34 دولاراً للبرميل، وهو مستوى قياسي، مقارنة بمتوسط يقارب 3 دولارات في يناير، وفق «أرغوس».
ولا تقتصر الزيادة على أجور الناقلات، إذ أدت إعادة ترتيب مسارات التجارة إلى زيادة الوقت الذي تستغرقه الشحنات ووصول آثار ارتفاع تكاليف نقل النفط من الشرق الأوسط إلى أسواق الشحن الأخرى.
وتعني هذه الزيادة أن توفر الخام لدى المنتج لا يضمن وصوله إلى المصفاة بالسعر نفسه الذي كان سائداً قبل الحرب. فالرسوم التي يدفعها المستوردون للنقل تضاف إلى سعر الخام، مما يرفع التكلفة النهائية للبرميل.

المخزونات… الوسادة التي استُنزفت
لكن ارتفاع الأسعار لا يفسره الشحن وحده. فقد استنزفت الحرب جزءاً كبيراً من المخزونات التي كانت تمثل خط الدفاع الأول أمام اضطرابات الإمدادات.
ومنذ آذار انخفضت مخزونات النفط العالمية بأكثر من 400 مليون برميل، لتصل إلى نحو 4.3 مليار برميل، وهو أدنى مستوى في نحو خمس سنوات، وفق تحليل «بلومبرغ».
وسحبت الولايات المتحدة وحدها أكثر من 130 مليون برميل من احتياطيها الاستراتيجي منذ اندلاع الحرب، لتصل مخزونات الحكومة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1982، وفق ما أوردته «نيويورك تايمز». وقد ساعدت هذه السحوبات في سد جزء من الفجوة بين العرض والطلب، لكنها قلّصت في الوقت نفسه قدرة الحكومات على الاستجابة لصدمة جديدة.
وفي محاولة لتخفيف الضغوط على سوق الوقود، أعلنت دول «مجموعة السبع» إطلاق ما يصل إلى 100 مليون برميل من النفط والوقود من المخزونات الطارئة، مع التركيز في البداية على الديزل. لكن هذا النوع من التدخل يظل مؤقتاً؛ فهو يضيف براميل إلى السوق، لكنه لا يعيد فتح ممرات الشحن القديمة، ولا يخفض أقساط التأمين، ولا يصلح خطوط الأنابيب المتضررة، ولا يعيد المصافي التي خرجت من الخدمة.
ومع استمرار السحب من الاحتياطيات، يتقلص أيضاً هامش الأمان المتاح أمام أزمة جديدة. فإذا تعرضت منشآت الطاقة لمزيد من الهجمات أو أصبحت الملاحة أكثر خطورة، فلن تكون الكميات المتاحة من المخزونات بالقدر نفسه الذي كانت عليه في بداية الحرب.
ولهذا لا تنظر السوق إلى ارتفاع التدفقات الحالية باعتباره عودة كاملة إلى الوضع السابق، إذ يسعّر المتعاملون أيضاً قدرة السوق على الحفاظ على الإمدادات إذا تجددت الاضطرابات.

السعر الفوري يكشف ضيق السوق
وتظهر حساسية السوق بصورة أوضح عند مقارنة أسعار العقود الآجلة بسعر النفط المتاح للتسليم الفوري. ففي الأول من أكتوبر، كان خام برنت يُتداوَل عند نحو 98 دولاراً للبرميل، بينما بلغ سعر الخام المتاح للتسليم الفوري قرابة 121 دولاراً، وفق ما نقلته «نيويورك تايمز» عن «أرغوس».
ويعكس هذا الفارق قيمة إضافية يدفعها المشترون للحصول على البرميل في أقرب وقت، في سوق أصبحت فيها المخزونات أقل قدرة على تلبية الطلب الفوري. ولا يشمل السعر الفوري تكلفة نقل الخام إلى وجهته، وهي تكلفة ارتفعت بدورها بصورة حادة خلال الحرب.
الصين تعود إلى السوق
وفي الوقت نفسه، بدأ الطلب العالمي على النفط في التعافي. وارتفع الطلب إلى نحو 104.8 مليون برميل يومياً، بزيادة تقارب 6.5 مليون برميل يومياً عن قاع أيار.
وتلعب الصين دوراً مهماً في هذا التحول. فبعد أن خفّضت مشترياتها في بداية الحرب، بدأت بكين في العودة تدريجياً إلى السوق، إذ كانت كميات النفط المحملة إلى الصين في سبتمبر أعلى بنحو 30 في المائة من مستويات مايو، وفق «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي».
وفي الوقت نفسه، تراجعت مشتريات الصين من روسيا وإيران، اللتين يباع نفطهما عادة بخصومات بسبب العقوبات الأميركية، وفق «غولدمان ساكس». وأدى ذلك إلى زيادة المنافسة على البراميل القادمة من مصادر أخرى، ما حدّ من أثر تعافي الإمدادات في خفض الأسعار.
التكرير… الحلقة الأضعف
لكن أزمة النفط لا تنتهي عند وصول الخام إلى الموانئ. فالأسواق تواجه أيضاً نقصاً في طاقة التكرير، ولا سيما في روسيا وأجزاء من الشرق الأوسط، مما أدى إلى زيادة الضغوط على سوق المنتجات النفطية، وفي مقدمتها الديزل.
وقد تعرضت عشرات المصافي الروسية لأضرار نتيجة هجمات الطائرات المسيَّرة الأوكرانية، بينما تراجعت طاقة التكرير في أجزاء من الشرق الأوسط بسبب الحرب والهجمات على منشآت الطاقة. وفي ظل هذه الاضطرابات، لا تكفي زيادة إمدادات الخام وحدها لتعويض النقص في الوقود الجاهز.
وتزداد الضغوط في سوق الديزل لأن المصافي لا تحتاج إلى أي خام فحسب، بل تبحث عن درجات محددة، خصوصاً الخامات المتوسطة والكبريتية، التي تحقق عائداً أعلى من الديزل. وتتركز نسبة كبيرة من هذه الخامات في الشرق الأوسط وروسيا، مما أدى إلى زيادة المنافسة عليها ورفع قيمتها.
وينشأ بذلك ضغط متبادل في السوق: نقص طاقة التكرير يحد من إنتاج الديزل ويرفع أسعاره، فيما تزيد قيمة الخامات القادرة على إنتاجه، فتشتد المنافسة عليها، بما يدعم أسعار الخام نفسه.
وتبرز حدة الأزمة في سوق الديزل، الذي يدخل في تشغيل النقل والشاحنات والزراعة والصناعة، مما يجعل ارتفاع أسعاره سريع الانتقال إلى تكاليف السلع والخدمات. وقد بلغ سعر الديزل في الولايات المتحدة 6.41 دولار للغالون، بزيادة تجاوزت 70 في المائة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، مقابل ارتفاع أسعار النفط بنحو 35 في المائة خلال الفترة نفسها، وفق «نيويورك تايمز».
ولهذا، فإن زيادة صادرات الخام وحدها لا تكفي لإعادة سوق المنتجات النفطية إلى مستويات ما قبل الحرب؛ فالمشكلة باتت تتعلق أيضاً بقدرة المصافي على تحويل البراميل المتاحة إلى الوقود الذي يحتاجه الاقتصاد.

السوق تسعّر استمرارية الإمدادات لا حجمها فقط
لكن بقاء الأسعار مرتفعة لا يرتبط بالتكرير وحده، فالسوق لا تسعّر حجم الإمدادات المتاحة في الوقت الراهن فقط، بل تسعّر أيضاً مدى قدرتها على الاستمرار إذا تجددت الاضطرابات.
وقال ديفيد فايف، كبير الاقتصاديين في «أرغوس»، لـ«نيويورك تايمز»، إن تدفقات النفط تعافت لأن الصناعة واصلت العمل رغم المخاطر، في وقت لم يتمكن فيه السياسيون من التوصل إلى اتفاق ينهي حالة عدم اليقين. ومع تراجع التفاؤل بإرساء هدنة دائمة، عادت المخاوف من احتمال استئناف القتال، مما أبقى علاوة المخاطر مدمجة في الأسعار.
ويرى جيسون غابلمن من «تي دي كاون» أن السوق أصبحت أكثر عرضة للاضطرابات مما كانت عليه قبل الحرب. فحتى مع عودة الإمدادات، استنزفت الحرب جزءاً كبيراً من المخزونات العالمية، وارتفعت تكاليف الشحن، وتراجعت طاقة التكرير في عدد من المناطق، مما جعل أي توقف جديد في الإنتاج أو الملاحة أكثر تأثيراً في الأسعار.
وبذلك، أصبحت السوق تتعامل مع البرميل المتاح اليوم والبرميل الذي يمكن ضمان وصوله غداً كقيمتين مختلفتين. وكلما ارتفعت الشكوك بشأن استمرارية التدفقات، ارتفعت العلاوة التي يدفعها المشترون لتأمين الإمدادات.
أزمة غير تقليدية
لهذا تبدو السوق الحالية مختلفة عن أزمات الإمدادات التقليدية. ففي السابق، كان ارتفاع السعر يعني عادة أن الإنتاج انخفض أكثر من اللازم، وأن زيادة الضخ أو الإفراج عن المخزونات يمكن أن يساعدا في إعادة التوازن.
أما اليوم، فقد يكون البرميل موجوداً بالفعل، لكنه يمر عبر شبكة أكثر تكلفة وتعقيداً: ناقلات تعمل في مسارات أطول، وتأمين أعلى، ومخزونات أقل، وممرات بحرية أكثر خطورة، ومصافي أقل قدرة على تحويل الخام إلى الديزل والوقود.
وهذا ما يجعل عودة صادرات الشرق الأوسط إلى مستويات قريبة مما قبل الحرب غير كافية وحدها لإعادة الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة. فالسعر بات يعكس تكلفة وصول البرميل إلى المستهلك، وليس حجم الخام المتاح فقط، بينما تظل قدرة السوق على الاستجابة لأي اضطراب جديد محدودة.
وفي المحصلة، لم يعد السؤال الذي يواجه سوق النفط ببساطة: كم برميلاً تستطيع الدول إنتاجه؟ بل أصبح: كم برميلاً يمكن نقله بأمان، وبأي تكلفة، وكم منه يمكن تحويله إلى المنتجات التي يحتاجها الاقتصاد العالمي؟
المصدر: الشرق الأوسط
