مليار دولار للنفقات الإدارية خلال 6 أشهر.. هل ينجح ترشيد الإنفاق في خفضها؟

زمن القراءة: 14 دقائق

تكشف بيانات الموازنة العامة خلال النصف الأول من عام 2026 عن تفاوت في وتيرة تنفيذ بنود الإنفاق، مع وصول النفقات الإدارية إلى نحو مليار دولار، لتقترب قيمتها من الإنفاق الاستثماري البالغ نحو 1.021 مليار دولار، رغم الفارق بين مخصصاتهما السنوية ونسب التنفيذ.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية مع بدء الحكومة إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تستهدف خفض المصروفات القابلة للترشيد ومراجعة أولويات المشاريع الاستثمارية وتوجيه الموارد نحو الاحتياجات والخدمات الأساسية، ما يضع ارتفاع وتيرة الإنفاق الإداري أمام اختبار قدرة هذه الإجراءات على خفض النفقات القابلة للترشيد والحفاظ في الوقت نفسه على الإنفاق الضروري.

وتشير النفقات الإدارية، وفق المفهوم المتداول في أدبيات المالية العامة، إلى الإنفاق المرتبط بتسيير وإدارة عمل المؤسسات الحكومية وتوفير مستلزمات تشغيلها، مثل إدارة شؤون الموظفين والتوريد والمشتريات والمحاسبة والتدقيق والحوسبة ومعالجة البيانات. ويصنف صندوق النقد الدولي هذه النفقات ضمن الخدمات العامة، مع التأكيد على إسنادها إلى الوظيفة الحكومية التي تخدمها كلما أمكن ذلك.

وفي المقابل، بلغ الإنفاق الاستثماري نحو 1.021 مليار دولار خلال النصف الأول، بما يعادل 35 بالمئة من مخصصاته السنوية البالغة نحو 2.888 مليار دولار، في حين بلغ الإنفاق على الدعم والضمان الاجتماعي نحو 315 مليون دولار، أي 13 بالمئة من مخصصاته السنوية البالغة نحو 2.468 مليار دولار.

وجاءت الرواتب والأجور والتعويضات والمكافآت والمزايا في مقدمة بنود الإنفاق خلال النصف الأول، بواقع نحو 1.339 مليار دولار، بما يمثل 37 بالمئة من مخصصاتها السنوية البالغة نحو 3.578 مليارات دولار.

وتتقارب بذلك قيمة الإنفاق الإداري والاستثماري خلال النصف الأول، مع اختلاف واضح في وتيرة التنفيذ، إذ بلغ تنفيذ مخصصات النفقات الإدارية 65 بالمئة خلال ستة أشهر، مقابل 35 بالمئة للإنفاق الاستثماري. ويطرح هذا التباين تساؤلات حول طبيعة النفقات الإدارية وأسباب ارتفاع وتيرة تنفيذها، وانعكاس ذلك على الإنفاق الاستثماري وأولويات الموازنة.

وطرحت «الثورة السورية» هذه التساؤلات على وزارة المالية منذ أكثر من أسبوع، من دون أن تتلقى إجابة حتى إعداد هذه المادة.

وأظهر تقرير الأداء المالي للموازنة العامة أن الإيرادات العامة بلغت خلال النصف الأول نحو 2.7 مليار دولار، بما يمثل 31 بالمئة من إجمالي الإيرادات المقدرة للعام، البالغة 8.716 مليارات دولار، مقابل إنفاق عام بلغ 3.7 مليارات دولار، ما يعادل 35 بالمئة من النفقات المعتمدة البالغة 10.516 مليارات دولار، وأسفر ذلك عن عجز بنحو مليار دولار.

وبالمقارنة مع الفترة نفسها من 2025، ارتفعت الإيرادات العامة بنحو 111 بالمئة، في حين زاد الإنفاق العام بنسبة 331 بالمئة. وتعزو وزارة المالية ارتفاع الإنفاق بصورة رئيسية إلى زيادة الرواتب المطبقة اعتباراً من أيار، إلى جانب التوسع في الإنفاق على الأولويات الحكومية وارتفاع تكاليف بعض السلع والخدمات والمدخلات نتيجة التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار الواردات، فيما بدأ توريد إيرادات النفط والغاز إلى وزارة المالية منذ أيار، وسط توقعات بتحسن موارد الخزينة خلال النصف الثاني من العام.

وبلغ متوسط الإنفاق الشهري خلال النصف الأول نحو 617 مليون دولار، مقابل 449 مليون دولار متوسط الإيرادات الشهرية، فيما أشارت الوزارة إلى تمويل العجز المسجل من خلال تمويل استثماري قصير الأجل. وتتوقع الوزارة ارتفاع الإيرادات والإنفاق خلال النصف الثاني من العام، بما يتوافق مع النمط التاريخي للإيرادات في السنوات الماضية، ومع توقعاتها للسنة الكاملة.

لماذا تقاربت النفقات الإدارية والاستثمارية؟

وتتزامن هذه الأرقام مع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، من خلال ضبط النفقات الإدارية والاستهلاكية القابلة للخفض أو التأجيل، ومراجعة المشاريع الاستثمارية وفق ضرورتها ونسبة إنجازها وأثرها المالي والاقتصادي والخدمي.

وتستهدف إجراءات ترشيد الإنفاق الحكومية المصروفات التي يمكن خفضها أو تأجيلها، مع الحفاظ على الرواتب والخدمات الأساسية، في وقت تشمل فيه مراجعة المشاريع الاستثمارية تصنيفها وفق الأولوية والضرورة والالتزامات القائمة والعائد الاقتصادي والخدمي. وتتيح الوفورات الناتجة عن هذه الإجراءات إعادة توجيه الموارد نحو الأولويات، وفق الأطر المعتمدة.

وتركز الإنفاق خلال النصف الأول على تشغيل المؤسسات العامة واستمرار تقديم الخدمات، وتمويل زيادة الرواتب المطبقة اعتباراً من شهر أيار، إلى جانب تلبية الالتزامات الأمنية والدفاعية الأساسية.

وتأثرت النفقات بالتوترات الجيوسياسية والإقليمية، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الواردات، ما أدى إلى زيادة تكلفة السلع والخدمات والمدخلات المستخدمة من الجهات الحكومية.

وتتوقع وزارة المالية ارتفاع وتيرة الإنفاق خلال النصف الثاني من العام، مع ظهور الأثر الكامل لزيادة الرواتب والأجور، وتقدم تنفيذ المشاريع الاستثمارية، إلى جانب زيادة الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والحماية الاجتماعية.

وتؤكد الوزارة استمرارها في ترتيب أولويات الإنفاق ضمن الموارد والتمويل المتاحين، بما يحافظ على الانضباط المالي والالتزام بالمخصصات المعتمدة.

ويرى أستاذ التمويل والمصارف الدكتور عبد الرحمن محمد، أن هيكل النفقات العامة خلال النصف الأول من 2026 يعكس جانباً مهماً من طبيعة المرحلة الاقتصادية الانتقالية في سوريا، إذ تظهر بيانات وزارة المالية تقارباً واضحاً بين الإنفاق الإداري والاستثماري، بعدما بلغ الأول نحو 1.03 مليار دولار، مقابل 1.02 مليار دولار للثاني.

ويوضح محمد في حديثه لـ«الثورة السورية» أن تقارب حجم الإنفاق بين البندين لا يعني تشابهاً في طبيعتهما؛ فالإنفاق الإداري يُصنف ضمن الإنفاق الجاري والتشغيلي، ويوجه إلى تسيير عمل المؤسسات الحكومية، بما يشمل السلع والخدمات والصيانة والقرطاسية والنقل والتعاقدات التشغيلية، بينما يمثل الإنفاق الاستثماري إنفاقاً رأسمالياً يُفترض أن يترجم إلى أصول ثابتة وقدرات إنتاجية مستقبلية.

ويرجع محمد تقارب الإنفاق الإداري والاستثماري إلى عاملين رئيسيين؛ أولهما انخفاض وتيرة تنفيذ الإنفاق الاستثماري، الذي بلغ خلال النصف الأول 35 بالمئة من مخصصاته السنوية البالغة 2.888 مليار دولار، ما يعني أن التنفيذ الفعلي جاء دون المستوى المخطط، في ظل عوامل تشمل تعقيد الإجراءات وبطء تنفيذ المشروعات وضعف القدرة التنفيذية.

أما العامل الثاني، فيتمثل في ارتفاع وتيرة الإنفاق الإداري، الذي استهلك 65 بالمئة من مخصصاته السنوية خلال نصف عام، وهو معدل تنفيذ مرتفع قد يؤدي إلى استنفاد المخصصات قبل نهاية العام، وفق محمد.

ويضيف محمد أن ارتفاع النفقات الإدارية يستدعي الانتباه لثلاثة أسباب رئيسية؛ أولها تأثيره في الوظيفة التنموية للموازنة، إذ إن اقتراب الإنفاق الجاري من الإنفاق الرأسمالي يعني توجيه جزء كبير من الموارد نحو تشغيل الجهاز الحكومي وإدامة خدماته، على حساب الإنفاق الموجه إلى بناء الأصول والقدرات الإنتاجية المستقبلية.

ويتمثل السبب الثاني في أثره على العجز المالي، إذ بلغ العجز المسجل خلال النصف الأول نحو مليار دولار، بما يعادل 56 بالمئة من العجز السنوي المستهدف. ومن شأن استمرار النفقات الإدارية عند هذه الوتيرة زيادة الضغوط على المالية العامة، سواء عبر اتساع الفجوة التمويلية أو الحاجة إلى مصادر تمويل إضافية.

أما السبب الثالث، فيرتبط ببنية الاقتصاد، إذ يرى محمد أن ارتفاع التكاليف التشغيلية وتضخم النفقات البيروقراطية، في اقتصاد لا يزال يواجه تحديات في توليد القيمة المضافة، يحد من قدرة الإيرادات المحلية على تغطية هذه النفقات، ويزيد الاعتماد على التحويلات الخارجية أو التمويل التضخمي.

وتضع هذه المؤشرات المالية النفقات الإدارية أمام اختبار خلال النصف الثاني من العام، بالتزامن مع توقعات ارتفاع الإيرادات والإنفاق معاً، وتقدم تنفيذ المشروعات الاستثمارية، وظهور الأثر الكامل لزيادة الرواتب. ويظل مدى قدرة الموازنة على تحقيق توازن أفضل بين الإنفاق الجاري والاستثماري مرتبطاً بوتيرة تحصيل الإيرادات وتنفيذ المخصصات المقررة لكل بند.

ويؤكد محمد أن تقارب النفقات الإدارية والاستثمارية خلال النصف الأول يعكس تحدياً أمام المالية العامة في الانتقال من تغطية الاحتياجات التشغيلية إلى توجيه موارد أكبر نحو التنمية. ويوضح أن الرواتب والأجور استحوذت على نحو 36 بالمئة من إجمالي الإنفاق، في سياق إصلاح الأجور وإعادة هيكلة القطاع العام، فيما يثير استمرار ارتفاع النفقات الإدارية تساؤلات حول كفاءة استخدام الموارد وقدرة الجهاز الحكومي على تحويلها إلى قيمة اقتصادية ملموسة.

ويعتقد أن جوهر الإشكالية يرتبط بكفاءة الإنفاق وشفافيته واستدامته، مشيراً إلى أن ارتفاع النفقات الإدارية يندرج ضمن تحديات المرحلة الانتقالية. ويحذر من استمرارها عند وتيرة التنفيذ الحالية، إذ استُهلك 65 بالمئة من مخصصاتها السنوية خلال ستة أشهر، ما قد يفرض ضغوطاً إضافية على الموازنة خلال النصف الثاني، ويؤثر في قدرة الحكومة على الحفاظ على مستويات الإنفاق الاستثماري والحد من اتساع العجز.

إدارة الإنفاق

وتكتسب هذه المقارنة دلالة أوسع عند النظر إلى بنية الإنفاق في الموازنة ككل، وفق المحلل الاقتصادي شادي سليمان، الذي يرى أن أهمية الإنفاق ترتبط بطبيعته وتوزيعه، إلى جانب حجمه. فقد قدرت موازنة عام 2026 إجمالي النفقات بنحو 10.516 مليارات دولار، موزعة وفق التصنيف الرسمي إلى 60 بالمئة للنفقات الجارية، و27 بالمئة للنفقات الاستثمارية، و13 بالمئة للدعم والضمان الاجتماعي، ما يعني أن النفقات الجارية تستحوذ على أكثر من ضعف الحصة المخصصة للإنفاق الاستثماري، ما يطرح تساؤلاً حول قدرة الدولة على ضبط الإنفاق الجاري والحفاظ على مساحة كافية للإنفاق الذي يعزز الطاقة الإنتاجية للاقتصاد.

ويقول سليمان لصحيفة «الثورة السورية»، إن الرواتب والتعليم والصحة والخدمات العامة وتشغيل مؤسسات الدولة تمثل احتياجات أساسية للمالية العامة، فيما تكمن أهمية إدارة الإنفاق في الحفاظ على توازن بين تغطية هذه الاحتياجات وتوجيه الموارد نحو القطاعات والمشروعات التي تضيف إلى القدرة الإنتاجية وتدعم النمو الاقتصادي. ويشير إلى أن ارتفاع النفقات ذات الطابع التشغيلي بوتيرة أسرع من الإنفاق الاستثماري قد يحد تدريجياً من قدرة الموازنة على تمويل الأصول والمشروعات التي ترفع الإنتاجية وتوسع قاعدة النشاط الاقتصادي.

ويضيف أن ارتفاع النفقات الإدارية يحتاج إلى قراءة ضمن طبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة، إذ تحتاج سوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والدمار إلى جهاز إداري قادر على تقديم الخدمات، كما يمكن أن يمثل رفع الأجور جزءاً من معالجة تراجع القوة الشرائية للعاملين في القطاع العام. ويندرج ذلك ضمن العوامل التي تفسر ارتفاع الإنفاق خلال النصف الأول من عام 2026، إذ عزت وزارة المالية الزيادة بصورة رئيسية إلى ارتفاع الرواتب والأجور، والتوسع في الإنفاق على الأولويات الحكومية، إلى جانب ارتفاع تكاليف بعض السلع والخدمات والمدخلات نتيجة التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار الواردات.

ويربط سليمان التحدي الأساسي باستدامة هذا المسار، إذ تفرض الزيادة المستمرة في النفقات الجارية التزامات متكررة على الموازنة تحتاج إلى موارد مقابلة من الإيرادات والنشاط الاقتصادي. وفي المقابل، يمكن للإنفاق الاستثماري الموجه إلى مشروعات منتجة أن يرفع الطاقة الإنتاجية، ويوسع القاعدة الضريبية، ويخلق فرص عمل، ويدعم نمو الإيرادات مستقبلاً، ما يجعل التوازن بين الإنفاق التشغيلي والاستثماري عاملاً أساسياً في قدرة المالية العامة على تمويل التعافي الاقتصادي.

عوامل انتقالية

ويؤكد سليمان أن الأهم هو اتجاه الإنفاق إلى جانب حجمه، إذ تكشف أرقام النصف الأول عن فارق لافت بين نمو الإيرادات والإنفاق؛ فقد ارتفعت الإيرادات العامة بنحو 111 بالمئة مقارنة بالنصف الأول من 2025، مقابل زيادة الإنفاق العام بنحو 331 بالمئة. ويعكس هذا الفارق نمواً في الإنفاق يفوق بكثير نمو الموارد المتاحة لتمويله، ما يفرض ضغوطاً أكبر على المالية العامة.

وفي المقابل، يشير سليمان إلى أن جزءاً من الصورة يرتبط بعوامل انتقالية، إذ بدأت إيرادات النفط والغاز بالتوريد إلى وزارة المالية اعتباراً من أيار، ما يعني أن أثرها لم يظهر بكامل قوته خلال النصف الأول. وتتوقع وزارة المالية تحسناً في الإيرادات خلال النصف الثاني، مدفوعاً بزيادة الإيرادات النفطية وتحسن التحصيل الضريبي والجمركي وبعض الإيرادات الاستثنائية.

ويرى سليمان أن التحدي يرتبط بإعادة هيكلة الإنفاق العام بما يتيح للدولة الحفاظ على الخدمات والأجور الضرورية، مع حماية الإنفاق الاستثماري في الوقت نفسه. ويحتاج اقتصاد يخضع لعملية إعادة بناء واسعة إلى توجيه جزء من موارده نحو الاستثمار في الكهرباء والمياه والطرق والصحة والتعليم والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية، بما يعزز قدرة الاقتصاد على توليد الدخل ويوسع الإيرادات العامة مستقبلاً.

ويقول المحلل الاقتصادي إن بلوغ حصة الاستثمار 27 بالمئة من إجمالي الإنفاق المخطط يستدعي التركيز على كفاءة اختيار المشروعات وتنفيذها، إذ ترتبط فاعلية الإنفاق الاستثماري بطبيعة المشروعات التي تمولها الموازنة والعائد الاقتصادي المتوقع منها. وقد يحقق إنفاق استثماري أقل حجماً أثراً اقتصادياً أكبر عندما يوجه إلى قطاعات إنتاجية ذات قدرة واسعة على رفع الإنتاجية وتوليد النشاط الاقتصادي.

ومع بدء إجراءات ترشيد الإنفاق ومراجعة المشاريع الاستثمارية، تصبح وتيرة تنفيذ النفقات الإدارية خلال النصف الأول مؤشراً مهماً لقياس مدى قدرة المالية العامة على ضبط الإنفاق الجاري وإفساح مساحة أكبر للإنفاق الاستثماري. وسيكون التحدي خلال النصف الثاني مرتبطاً بقدرة الحكومة على خفض النفقات القابلة للترشيد، مع الحفاظ على الرواتب والخدمات الأساسية، وتوجيه الوفورات نحو الأولويات، بالتوازي مع تحسين تحصيل الإيرادات وتنفيذ المشاريع ذات الأثر الاقتصادي.

ميساء العلي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار