عندما تختنق الموانئ، لا يقتصر ذلك على اصطفاف عشرات السفن قبالة الأرصفة في انتظار دورها؛ فقد يبدأ الاختناق بعيدًا عن الميناء، عندما تؤدي مشاكل الإمداد إلى عرقلة تدفق وصول السلع للأسواق ورفع تكلفة نقلها، لتتسلل هذه الزيادة إلى جيوب المستهلكين.

وظهر الوجه التقليدي للاختناق بوضوح خلال ذروة اضطرابات سلاسل الإمداد، عندما وصل عدد السفن المنتظرة للحصول على رصيف في ميناءي لوس أنجلوس ولونغ بيتش إلى 109 سفن في يناير 2022.
لكن أزمات البحر الأحمر وقناة بنما كشفت وجهًا آخر للاختناق؛ إذ لم يعد الانتظار أمام الرصيف هو المشكلة الرئيسية، بل أصبح تغيير الطريق نفسه هو الحل المفروض لتجنب مناطق الاضطراب أو نقص المياه.
ومع اعتماد أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية على النقل البحري، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن أثر أي اضطراب في شبكة الموانئ والممرات البحرية لا يقتصر على شركات الشحن، بل يمتد عبر سلاسل الإمداد إلى الشركات والموردين.
ومع تراكم هذه التكاليف عبر سلسلة الإمداد، لا تبقى الفاتورة حبيسة شركات الملاحة؛ بل تنتقل تلقائيًا إلى بطاقة المستهلك الائتمانية من خلال أسعار السلع.
عندما لا يكون الانتظار هو المشكلة
يؤدي الميناء في الأساس دور المنفذ الذي تصل عبره السلع إلى الأسواق، وأي اضطراب يعطل الطرق المؤدية إليه أو الخارجة منه يمكن أن ينعكس على تدفق البضائع وتكلفة وصولها إلى المستهلك.
وتكشف بيانات البنك الدولي أن نحو 44 يومًا تمر في المتوسط على الحاوية بين دخولها ميناء التصدير وخروجها من ميناء الوصول، أي ما يقارب 60% من إجمالي زمن رحلتها التجارية، بينما تتركز أبرز التأخيرات في الموانئ ونقاط الانتقال بين وسائل النقل.

ففي سنغافورة، أحد أكبر مراكز إعادة الشحن عالميًا، تضاعف تقريبًا متوسط انتظار السفن بين مارس ومايو 2024 من 24 ساعة إلى 40 ساعة بسبب اضطرابات البحر الأحمر، بينما ارتفع في ميناء كلانج الماليزي من 20 إلى 26 ساعة.
ولم يكن ذلك نتيجة زيادة مفاجئة في استهلاك سنغافورة، وإنما انعكاسًا لتحول مسارات السفن وارتفاع الطلب على خدمات إعادة الشحن، وهو ما يعكس كيف أن مشكلة جيوسياسية في مكان ما قادرة على التأثير حتى في موانئ بعيدة جغرافيًا.
وفي 2024، تعامل ميناء سنغافورة مع 41.12 مليون حاوية مكافئة، بزيادة 5.4% عن 2023، فيما يرتبط نحو 90% من مناولاته بعمليات إعادة الشحن نحو وجهات أخرى.
الطريق البديل جزء من الفاتورة
عندما تتجنب السفن المسارات المعتادة، لا تختفي البضاعة من السوق، لكنها تسلك طريقًا أطول وأكثر تكلفة.
وقد قدرت الأونكتاد أن إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح بدلًا من قناة السويس قد أضاف نحو 12 يومًا إلى الرحلة بين آسيا وأوروبا، وخفضت الطاقة الفعلية المتاحة عالميًا لنقل الحاويات بنحو 9%.
وبحلول منتصف 2024، أدت إعادة توجيه السفن بعيدًا عن البحر الأحمر وقناة بنما إلى زيادة الطلب العالمي على السفن بنحو 3%، بينما ارتفع الطلب على سفن الحاويات بنحو 12% مقارنة بما كان سيحتاجه النظام الملاحي في غياب تلك الاضطرابات.
وفقًا لبيانات مؤشر صندوق النقد الدولي لمتابعة حركة الموانئ، أدى تغيير مسار السفن بعيدًا عن قناة السويس والالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح خلال عامي 2024 و2025 إلى زيادة مسافة الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا بنسبة تراوحت بين 30% و40%.
هذه الأيام الإضافية لم تكتفِ باستنزاف الوقود، بل زادت أيضًا الضغط على موانئ غرب أوروبا وموانئ المتوسط، مع وصول السفن إليها في أوقات متقاربة، مما رفع فترات انتظار السفن قبل التفريغ إلى مستويات قياسية.
وتظهر الفاتورة سريعًا في أسعار الشحن، فبحسب الأونكتاد، ارتفع مؤشر شنغهاي لأسعار شحن الحاويات بأكثر من الضعف خلال النصف الأول من 2024 مقارنة بأواخر 2023.
كما ارتفع متوسط سعر الشحن على خط شنغهاي-أمريكا الجنوبية إلى 9.026 دولارًا للحاوية المكافئة لعشرين قدمًا في الفترة من يناير إلى يوليو 2024، بعدما زاد بأكثر من الضعف خلال تلك الفترة.
ولم يكن البحر الأحمر وحده مصدر الضغط؛ فالجفاف الذي خفض القدرة التشغيلية لقناة بنما أجبر جزءًا من التجارة على سلوك مسارات أطول، بينما أدى تغير مسارات السفن إلى تحميل موانئ أخرى فوق طاقتها المعتادة.
وهكذا يمكن أن يبدأ الاختناق في قناة أو منطقة بحرية، ثم يظهر أثره بعد آلاف الكيلومترات في ميناء لم يكن جزءًا من الأزمة الأصلية.
الخسارة الخفية للموردين
لا تقف تكلفة التكدس عند حد استهلاك وقود السفن، بل تكمن التكلفة الأكبر في الرسوم الإضافية اللوجستية، وعلى رأسها رسوم الأرضيات والغرامات.

وتفرض هذه الرسوم عندما تتأخر الحاويات داخل المرفأ عن الفترة المسموح بها، أو عندما تتأخر الشركات في إعادة الحاويات الفارغة إلى الخط الملاحي.
وخلال فترات الاختناق الحاد، بلغ متوسط رسوم الاحتجاز التي فرضتها كبرى الخطوط الملاحية العالمية مثل ميرسك وإم إس سي ما بين 150 و350 دولارًا عن الحاوية الواحدة يوميًا بعد انتهاء الأيام المجانية.
وفي دراسة مسحية صادرة عن منصة “كونتينر إكس تشينج” الرائدة في لوجستيات الحاويات، دفع التجار في الموانئ المزدحمة مئات الملايين من الدولارات سنويًا كغرامات تأخير فقط.
وبالتالي، لا يتحمل الموردون كامل هذه المبالغ من أرباحهم الخاصة، بل يتم تحميلها على تكلفة السلعة المنقولة.
من فاتورة الشحن إلى سعر السلعة
لا تنتقل زيادة تكلفة النقل إلى المستهلك آليًا وبالنسبة نفسها؛ فالشركات قد تتحمل جزءًا منها، أو تعوضها من هوامش الربح، أو تنقلها إلى أسعار المنتجات بحسب طبيعة السوق والمنافسة وحجم تكلفة النقل داخل السعر النهائي.
ويشير بحث لصندوق النقد الدولي شمل 46 اقتصادًا إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن ينتقل تدريجيًا إلى الأسعار؛ فزيادة كبيرة في تكاليف النقل، تعادل 21.8 نقطة مئوية وفق مقياس الدراسة، رفعت التضخم المحلي بنحو 0.15 نقطة مئوية بعد عام.

وتوصلت دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي نُشرت في أغسطس 2025، إلى أن ارتفاع تضخم تكاليف الشحن بالحاويات 10 نقاط مئوية يرفع تضخم أسعار السلع المصنعة المستوردة بنحو 0.2 نقطة مئوية في اقتصاد مجموعة العشرين في الربع نفسه.
وهنا تظهر أهمية الميناء بالنسبة للمستهلك، فالتأخير لا يضيف فقط تكلفة تخزين أو رسومًا إضافية، وإنما قد يرفع تكلفة الحصول على السلعة نفسها في الوقت المطلوب.
الاقتصاد يدفع ثمن اختناق الموانئ
الاختناق لا يتوقف عند رفوف المتاجر، فالمصنع الذي ينتظر مكونات مستوردة قد يضطر إلى إبطاء الإنتاج، والمستورد الذي لا يعرف موعد وصول شحنته قد يزيد مخزونه الاحتياطي، والشركة التي تواجه شحنًا أغلى قد تعيد ترتيب شبكة مورديها أو تغير مساراتها اللوجستية.
ويقدم البحر الأسود مثالًا واضحًا على ذلك؛ فالهجمات التي طالت الموانئ والسفن في 2026 عطلت جزءًا من حركة صادرات الحبوب الروسية والأوكرانية، وأجبرت كميات من الشحنات على البحث عن مسارات بديلة أقل قدرة وأكثر تكلفة.
ونتيجة لذلك، خفض البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية توقعاته لنمو الاقتصاد الأوكراني في 2026 إلى 1.5% من 2.2% في توقعاته السابقة، في ظل تصاعد الهجمات على البنية التحتية والموانئ المطلة على البحر الأسود وتجدد الضغط على مسار التصدير الرئيسي للبلاد.
في النهاية، قد لا يرى المستهلك السفينة التي تحمل هاتفه، أو قطع غيار سيارته، أو ملابسه، أو مكونات الغذاء الذي يشتريه، لكنه يرى في النهاية الرقم الموجود على بطاقة السعر، والذي تأثر بتكاليف الرحلة الأطول، واستهلاك الوقود، ورسوم التأخير والتخزين.
المصادر: أرقام- مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية- البنك الدولي- صندوق النقد الدولي- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- هيئة الموانئ البحرية في سنغافورة- البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية
