بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد بريكست.. هل تقترب من “الخطأ الثالث”؟

زمن القراءة: 8 دقائق
تجمع في لندن للمشاركة في مسيرة العودة الوطنية لإحياء ذكرى مرور عشر سنوات على بريكست (رويترز)

لم يكن ما قاله رئيس وزراء بريطانيا أندي بيرنهام، مجرد تعديل في لهجة السياسة البريطانية تجاه أوروبا، فعندما رفض رئيس الوزراء استبعاد العودة إلى الاتحاد الأوروبي، ولو بعد سنوات، أعاد فتح ملف اعتقد كثيرون أنه أُغلق نهائياً مع تنفيذ بريكست، فجأة لم يعد السؤال كيف تدير لندن علاقتها ببروكسل، بل ما إذا كانت القصة كلها تحتاج إلى مراجعة منذ بدايتها.

قبل 50 عاماً تقريباً اتخذت بريطانيا قراراً تاريخياً بالانضمام إلى المشروع الأوروبي. وبعد أكثر من أربعة عقود صوت البريطانيون للخروج منه. واليوم يعود الحديث عن احتمال العودة مرة أخرى، ثلاث محطات كبرى دفعت البلاد في كل مرة إلى اتجاه مغاير، وكأن المملكة المتحدة لا تزال تبحث عن إجابة لسؤال واحد: أين تنتمي بالفعل؟

المدافعون عن العودة ينظرون إلى بريكست باعتباره خطأً اقتصادياً ينبغي تصحيحه. أما المعسكر الآخر فيرى أن الخروج كان تصحيحاً لخطأ أقدم وقع عندما انضمت بريطانيا إلى مشروع لم يكن متوافقاً بالكامل مع طبيعتها السياسية والاقتصادية. وبين الروايتين يبرز احتمال ثالث أكثر تعقيداً، يتمثل في أن تكون العودة نفسها مغامرة جديدة بنتائج غير مضمونة.

هنا تبدأ القصة من لحظة غالباً ما تضيع وسط ضجيج بريكست، وهي أن بريطانيا لم تكن أصلاً من الدول المؤسسة للمشروع الأوروبي، بل ظلت خارجه في سنواته الأولى قبل أن تقرر الالتحاق به لاحقاً.

العضو الذي لم يشعر يوماً بأنه أوروبي بالكامل

منذ دخولها الجماعة الاقتصادية الأوروبية عام 1973 بدت بريطانيا مختلفة عن شركائها، فالدولة التي بنت إمبراطوريتها عبر البحار لم تنظر إلى نفسها بوصفها دولة قارية بالمعنى الفرنسي أو الألماني، وكانت علاقتها بالولايات المتحدة والكومنولث جزءاً من هويتها السياسية والاقتصادية بقدر علاقتها مع أوروبا.

لهذا السبب لم تنخرط لندن بالكامل في مشروع التكامل الأوروبي، احتفظت بالجنيه الإسترليني عندما انتقلت دول أخرى إلى اليورو، وبقيت خارج منطقة شنغن، كما حصلت على حسم مالي شهير في مساهماتها بالميزانية الأوروبية بعد معركة سياسية خاضتها رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر.

ورغم هذه المسافة الدائمة مع المشروع الأوروبي، حققت بريطانيا مكاسب يصعب إنكارها. فقد فتحت عضويتها الباب أمام وصول الشركات البريطانية إلى أكبر سوق موحدة في العالم، ورسخت مكانة لندن باعتبارها العاصمة المالية لأوروبا، وجذبت استثمارات أجنبية ضخمة كانت ترى في بريطانيا منصة مثالية للوصول إلى مئات الملايين من المستهلكين الأوروبيين، لكن النجاح الاقتصادي لم ينه الجدل السياسي. فكل أزمة أوروبية تقريباً كانت تعيد السؤال ذاته إلى الواجهة: هل أصبحت بريطانيا أقل سيادة مقابل هذه المكاسب الاقتصادية؟

عندما بدا الخروج أقل كلفة من البقاء

جاء استفتاء 2016 حاملاً وعداً بسيطاً وفعالاً: استعادة السيطرة، واستطاع هذا الشعار أن يجمع بين مخاوف الهجرة والهوية الوطنية والرغبة في التحرر من التشريعات الأوروبية.

عندما غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي رسمياً، اعتبر مؤيدو بريكست أنهم حققوا هدفاً طال انتظاره، فقد استعاد البرلمان البريطاني سلطته التشريعية الكاملة، وأصبحت لندن صاحبة القرار النهائي في قضايا التجارة والهجرة والعلاقة مع العالم الخارجي.

لكن الاقتصاد بدأ يطرح أسئلة مختلفة. فالشركات التي اعتادت الحركة السلسة داخل السوق الأوروبية وجدت نفسها أمام إجراءات جديدة وحواجز تنظيمية وتكاليف إضافية، وفي الوقت نفسه تراجع أحد أهم عناصر الجاذبية الاستثمارية لبريطانيا، وهو كونها البوابة الطبيعية إلى أوروبا.

ولهذا عاد الجدل ليتحول من سؤال السيادة إلى سؤال الكلفة، فإذا كان بريكست قد أعاد بعض السلطات إلى لندن، فما الثمن الذي دفع مقابل ذلك؟

ميزان الأرباح والخسائر

يصعب العثور على تقييم اقتصادي محايد تماماً لبريكست، لكن معظم التقديرات الاقتصادية الكبرى تتفق على أن الخروج أضاف أعباء تجارية جديدة على الاقتصاد البريطاني وأثر سلباً في النمو والاستثمارات مقارنة بالسيناريو الذي كانت ستبقى فيه بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن الاقتصاد البريطاني أصبح أصغر مما كان يمكن أن يكون عليه لو لم يحدث بريكست، بينما تراجعت التجارة مع أوروبا نتيجة الحواجز الجديدة، وفقاً لما ذكرته “Business standard”، وشبكة “CNBC”.

في المقابل لم يتحقق انهيار اقتصادي كارثي كما توقع بعض معارضي الخروج. بل تمكنت بريطانيا من توقيع اتفاقات تجارية مستقلة وإعادة صياغة أجزاء من منظومتها التنظيمية والقانونية بعيداً عن بروكسل.

وهكذا لم يعد الجدل يدور حول نجاح أو فشل مطلق، بل حول المفاضلة بين نوعين من المكاسب، الأولى اقتصادية مرتبطة بالسوق الأوروبية الموحدة، والثانية سياسية مرتبطة باستعادة القرار الوطني، وكلما تباطأ الاقتصاد زادت جاذبية الفئة الأولى، وكلما تصاعد الجدل حول السيادة والهجرة تعززت أهمية الثانية، لكن ما يجعل نقاش العودة أكثر تعقيداً هو أن أوروبا نفسها لم تعد أوروبا التي غادرتها بريطانيا.

القارة التي تغيرت أثناء الغياب

عندما صوت البريطانيون لمصلحة بريكست قبل عقد من الزمن تقريباً، لم تكن أوروبا تواجه التحديات نفسها التي تواجهها اليوم. فالقارة أصبحت أكثر انشغالاً بتحديات المنافسة مع الولايات المتحدة والصين، وأثقل كاهلاً بأزمات الطاقة والتباطؤ الاقتصادي والتحولات الديموغرافية، كما أن بريطانيا تغيرت بدورها، فالأعمال التجارية تكيفت مع الواقع الجديد، وسلسلة من القوانين والاتفاقيات أُعيدت صياغتها خارج المظلة الأوروبية، وظهرت أجيال سياسية لم تعرف سوى بريطانيا ما بعد بريكست، لهذا السبب لا تبدو العودة المحتملة مجرد ضغطة زر تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. فحتى إذا أرادت لندن العودة، فإن الاتحاد الأوروبي الذي قد تستقبله ليس الاتحاد ذاته الذي غادرته، والأهم أن كثيراً من الامتيازات التي كانت تتمتع بها بريطانيا قد لا تكون معروضة على الطاولة مجدداً.

لماذا قد تكون العودة مختلفة عما يتخيله البريطانيون

إحدى المفارقات الكبرى في النقاش الحالي أن بريطانيا كانت تتمتع داخل الاتحاد الأوروبي بوضع استثنائي يصعب تكراره، فقد احتفظت بعملتها الوطنية، وبقيت خارج شنغن، واستفادت من ترتيبات مالية خاصة وخيارات استثنائية لم تحصل عليها معظم الدول الأعضاء.

أما اليوم فتواجه بروكسل معضلة سياسية واضحة، فإذا سُمح لبريطانيا بالعودة مع الاحتفاظ بكل الامتيازات القديمة، فقد يبعث ذلك برسالة غير مريحة إلى بقية أعضاء الاتحاد مفادها أن الخروج ثم العودة قد يكون مساراً مجزياً.

من هنا يتوقع كثير من المراقبين أن أي نقاش مستقبلي حول العضوية الكاملة سيكون أكثر صرامة من شروط العضوية السابقة، حتى لو لم تتضح بعد التفاصيل الرسمية لأي سيناريو محتمل.

وهكذا لا تبدو القضية مجرد استفتاء جديد أو حكومة أكثر ميلاً لأوروبا، فالسؤال الذي بدأ يطفو على السطح في لندن يتجاوز بريكست نفسه. لقد تحولت القضية إلى مراجعة تاريخية لثلاثة قرارات كبرى: الانضمام عام 1973، والخروج بعد استفتاء 2016، واحتمال العودة في العقد المقبل.

وبين هذه المحطات الثلاث قد يكتشف البريطانيون أن المشكلة لم تكن يوماً في أوروبا وحدها ولا في بريطانيا وحدها، بل في محاولة التوفيق بين اقتصاد يرى مستقبله عبر القناة الإنجليزية، وسياسة لا تزال تنظر إلى ما وراء البحار. وفي تلك المسافة بين الجغرافيتين تكمن المعضلة التي لم تنجح لندن حتى الآن في حسمها.

المصدر: العربية نت

آخر الأخبار