العالم الاقتصادي – روعة غنم :
من بوابة قلعة حلب، اختارت سوريا يوم السياحة العالمي لتطلق مشروعاً يجمع بين التراث والتكنولوجيا، واضعةً تجربة الزائر في قلب نموذج جديد يمكن أن يتحول إلى فرصة اقتصادية تمتد من المواقع الأثرية إلى الفنادق والمطاعم والأسواق والحرف والخدمات السياحية.
في خطوة تعكس توجهاً نحو إعادة تقديم المقومات السياحية السورية بأدوات أكثر ابتكاراً، أطلقت سوريا مشروع “Touristech” من قلعة حلب، بالتزامن مع الاحتفال بيوم السياحة العالمي، لتبدأ من أحد أبرز معالم التراث السوري تجربة توظف التكنولوجيا والرقمنة في تعريف الزائر بتاريخ المكان وتعزيز تفاعله معه، وصولاً إلى بناء نموذج قابل للتوسع في المواقع السياحية والتراثية بمختلف المحافظات.
واحتضنت قلعة حلب مساء أمس الأحد الاحتفال السوري بيوم السياحة العالمي وإطلاق المشروع، بحضور أكثر من 1500 ضيف، تقدمهم وزير السياحة مازن الصالحاني، إلى جانب حضور حكومي ودبلوماسي رفيع المستوى، للاطلاع على التجربة الجديدة في موقعها الأول.
وأقيمت الفعالية برعاية وزارة السياحة ومحافظة حلب، وتنظيم الغرفة الفتية الدولية “بيرويا” وغرفة سياحة المنطقة الشمالية، وتضمنت جولة على المحطات التفاعلية داخل القلعة، وعرضاً بصرياً لتاريخ حلب، وفيلماً تعريفياً بالمشروع، إلى جانب إطلاق “موسم سياحة حلب” وبرنامج ثقافي وفني استحضر جانباً من هوية المدينة وتراثها.
ولا يتوقف المشروع عند تطوير طريقة عرض التاريخ، بل يضع التكنولوجيا في خدمة رؤية أوسع تقوم على: صون الإرث السوري، وإعادة تقديمه بأسلوب يتفاعل معه جيل جديد من الزوار، مع الحفاظ على أصالة المواقع وهويتها.

وقال وزير السياحة مازن الصالحاني: إن الوزارة أرادت أن تكون استجابة سوريا لمستقبل السياحة في يوم السياحة العالمي مشروعاً «يُرى ويُجرّب على الأرض»، موضحاً أن Touristech يبدأ من قلعة حلب بفكرة تقوم على الحفاظ على الإرث والهوية، بالتوازي مع: استخدام التكنولوجيا لرواية هذا الإرث بطريقة جديدة، تطوير تجربة الزائر، وفتح أدوات جديدة للتعليم والتفاعل والاستدامة.
وأضاف أن قلعة حلب تمثل نقطة البداية، بينما يتمثل الطموح في تحويل التجربة إلى نموذج يمكن البناء عليه في مختلف المواقع السياحية والتراثية السورية.
تجربة رقمية تعيد رواية خمسة آلاف عام
يحوّل مشروع Touristech زيارة قلعة حلب من جولة تقليدية بين معالمها إلى مسار تفاعلي يروي نحو خمسة آلاف عام من تاريخها، من خلال ست وحدات رقمية موزعة على محطات رئيسة؛ تشمل: المدخل، قاعة العرش، الجامع، الأبراج، الصهاريج، والتلة.
وتقدم كل محطة قصة الموقع وسياقه التاريخي ضمن رحلة متكاملة، فيما تتيح منظومة QR Code للزائر الوصول إلى الصور النادرة والخرائط الأثرية والمحتوى التاريخي المرتبط بالقلعة.
وفي الجانب الرقمي، تطور Raizer منصة إلكترونية وأرشيفاً رقمياً مفتوحاً، بما يتيح محتوى القلعة للزوار والباحثين والمدارس، ويوسع الاستفادة من المادة التاريخية لتتجاوز حدود الزيارة الميدانية.
وصُممت الوحدات الرقمية للعمل بصورة مستقلة، من دون الحاجة إلى تمديدات كهربائية داخل النسيج الأثري، بما يتيح إدخال التكنولوجيا إلى الموقع مع الحفاظ على طبيعته وعدم المساس بمكوناته.
ولا تقتصر المبادرة على الجانب التقني، إذ يتضمن المشروع تأهيل 20 مرشداً شاباً من أبناء حلب، وفق دليل موحد أُعد بالتعاون مع مؤرخين، بما يربط الأدوات الرقمية بالعنصر البشري القادر على تقديم التجربة للزائر.
كما تشمل المبادرة برنامج “حلب تروي” الذي يستضيف بصورة دورية مؤرخين وأكاديميين داخل القلعة، مع توثيق الجلسات وإتاحتها رقمياً، لتتحول القلعة إلى مساحة حية للمعرفة والحوار إلى جانب كونها موقعاً أثرياً وسياحياً.
من قلعة حلب إلى اقتصاد المدينة
لم يكن اختيار قلعة حلب نقطة انطلاق للمشروع خياراً رمزياً فقط، فالقلعة بما تمتلكه من تاريخ يمتد لآلاف السنين وموقعها في قلب مدينة حلب القديمة، تمثل إحدى أبرز بوابات اكتشاف المدينة، كما تجسد جوهر النموذج الذي يقوم عليه Touristech: حماية الإرث، وتطوير تجربة الزائر، والاستفادة من التكنولوجيا من دون المساس بالنسيج الأثري.
ومن هنا تتوسع التجربة من القلعة إلى حلب كوجهة سياحية متكاملة، تشمل المدينة القديمة وأسواقها وحرفها ومطبخها وموسيقاها الحلبية والمواقع التاريخية المحيطة بها.
ويحمل هذا التحول بعداً اقتصادياً مباشراً، إذ إن تطوير تجربة الموقع التاريخي يمكن أن يجعل الزيارة نقطة انطلاق لاكتشاف المدينة والإقامة فيها والإنفاق ضمن اقتصادها المحلي، بما يوسّع دائرة المستفيدين من النشاط السياحي لتشمل الفنادق والمطاعم والأسواق والحرفيين والمرشدين ومقدمي الخدمات.
وبذلك لا تعود التكنولوجيا مجرد أداة لعرض المعلومات التاريخية، وإنما تتحول إلى وسيلة لزيادة جاذبية الوجهة وربط المعلم السياحي بمكونات الاقتصاد المحلي المحيط به.
نموذج قابل للتوسع أمام شركات التكنولوجيا
وفي خطوة تمهد للانتقال من التجربة الأولى إلى نموذج يمكن تطبيقه في مواقع أخرى، شهدت الفعالية توقيع دليل الإجراءات التشغيلية (SOPs) الخاص بالمشروع، والذي يوثق آليات تشغيل التجربة الرقمية ويضع إطاراً يمكن تطويره وتطبيقه في مواقع سياحية وتراثية أخرى.
ومع انتقال Touristech من مرحلة التجربة إلى مرحلة بناء نموذج قابل للتوسع، فتح وزير السياحة الباب أمام شركات التكنولوجيا والرقمنة وصناعة المحتوى للمشاركة في تطوير المراحل المقبلة.
وقال الصالحاني: إن وجود نموذج أول ودليل تشغيلي يتيح البناء عليه، داعياً الشركات السورية والإقليمية والدولية المتخصصة في التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى إلى المشاركة في تطوير «الجيل القادم من التجارب السياحية السورية».
وأوضح أن سوريا تمتلك إرثاً استثنائياً ومواقع وقصصاً في مختلف المحافظات، وأن الوزارة تسعى إلى توفير مساحة حقيقية أمام القطاع الخاص والمبتكرين لتطوير حلول تحمي هذا الإرث، وتجعله أكثر وصولاً وتفاعلاً، وترتقي بتجربة الزائر.
وتفتح هذه الرؤية المجال أمام قطاع التكنولوجيا وصناعة المحتوى للانخراط بصورة أكبر في الاقتصاد السياحي، سواء عبر الحلول الرقمية أو الذكاء الاصطناعي أو الأرشفة أو إنتاج المحتوى أو تطوير أدوات التفاعل داخل المواقع السياحية والتراثية.
“موسم سياحة حلب”.. تحويل الاهتمام إلى منتجات سياحية

وبالتوازي مع إطلاق Touristech، شهدت الاحتفالية إطلاق “موسم سياحة حلب”، الذي تقوده غرفة سياحة المنطقة الشمالية بالتعاون مع شركات ومكاتب السياحة، بهدف تحويل الزخم الذي أحدثه الاحتفال بيوم السياحة العالمي إلى حركة سياحية فعلية ومنتجات قابلة للحجز.
ويربط الموسم بين قلعة حلب والمدينة القديمة والأسواق والمواقع التراثية والمطبخ الحلبي ومار سمعان، ضمن رحلات وباقات تتولى شركات السياحة تنظيمها وتسويقها وبيعها، بما يقدّم حلب للزائر كوجهة متكاملة وليس كموقع منفرد.
وتحمل هذه الخطوة أهمية اقتصادية لكونها تنقل السياحة من مستوى الاهتمام بالمعالم والمناسبات إلى مستوى المنتج السياحي القابل للتسويق والحجز، وتوسع في الوقت نفسه أثر الإنفاق السياحي ليصل إلى الفنادق والمطاعم والأسواق والحرفيين والمرشدين ومقدمي الخدمات.
حلب بوابة لنموذج سياحي سوري جديد
ومن قلعة حلب، يرسم Touristech ملامح تحول أوسع في طريقة تقديم السياحة السورية، عبر الجمع بين إرث غني وأدوات رقمية حديثة، وتحويل المواقع التاريخية من أماكن للزيارة فقط إلى تجارب تفاعلية يمكن أن تمتد آثارها إلى المجتمع والاقتصاد المحلي.
فالمعادلة التي يطرحها المشروع تقوم على إرث تتم حمايته، تكنولوجيا تمنحه حضوراً جديداً، وتجربة تجعل الموقع أكثر جذباً للزائر، وقطاع خاص يحول الاهتمام إلى منتجات سياحية، ومجتمع محلي يستفيد من القيمة الاقتصادية التي يصنعها الزائر.
وبدء التجربة من قلعة حلب يضع أمام هذا النموذج فرصة للانتقال لاحقاً إلى مواقع سياحية وتراثية أخرى في مختلف المحافظات، بما يفتح الباب أمام منظومة سياحية أكثر تنوعاً، ويمنح التكنولوجيا دوراً متزايداً في: إعادة اكتشاف المقومات السياحية السورية، تسويقها، وتطوير أثرها الاقتصادي.
