صديق للبيئة بسعر أعلى .. هل يدفع المستهلك مقابل فرق حقيقي؟

زمن القراءة: 7 دقائق

“لإنقاذ الكوكب” عليك دفع فارق السعر… فعلى أرفف المتجر تجد عبوة تحمل ورقة خضراء، تعدك بتلوث أقل، لكنها تحمل سعرًا أعلى، فتمد إليها يدك من أجل شرائها انطلاقًا من شعورك بالمسؤولية الأخلاقية تجاه كوكب الأرض.

غير أن السؤال الذي لا تجيب عنه السلعة دائمًا هو ما الذي تغيّر فعلًا سوى العلامة الخضراء وشكل العبوة والسعر؟

فالفرق قد يكون مادة أُعيد تدويرها، أو كهرباء أقل يستهلكها جهاز طوال عمره، أو مجرد وصف واسع يصعب اختباره.

ومع اتساع التسويق للمنتجات في الأسواق على اعتبار أنها تتمتع بصفات بيئية، تتزايد الشكوك بشأن ما إذا كانت هذه السلع جزءًا من المنافسة على أموال المستهلكين، أم أن هذا الفارق السعري يذهب بالفعل لحماية المناخ.

كم تساوي العبارة الخضراء؟

في استطلاع “بي دبليو سي” لعام 2024، الذي شمل أكثر من 20 ألف مستهلك في 31 دولة وإقليمًا، قال المشاركون إنهم مستعدون لدفع زيادة بمتوسط 9.7% مقابل سلع تُنتج أو تُورَّد بصورة مستدامة.

أما المبيعات الفعلية، فيرصدها مؤشر أعده مركز الأعمال المستدامة بكلية ستيرن في جامعة نيويورك بالتعاون مع سيركانا.

وأظهر تحديثه المنشور في أبريل 2026 أن المنتجات المُسوَّقة بصفات مستدامة استحوذت على 25.4% من قيمة المبيعات في السوق الأمريكية التي يغطيها المؤشر خلال 2025، بزيادة 1.6 نقطة مئوية عن العام السابق.

وفي مقارنة أسعار تخص 2024، بلغ متوسط علاوة سعر هذه المنتجات في الولايات المتحدة 26.6% على نظيراتها التقليدية. بينما كان متوسط العلاوة في كل من السوقين البريطانية والألمانية المشمولتين بالدراسة عند 5% أو أقل.

ويتسع الفارق عند النظر إلى سلع بعينها؛ ففي السوق الأمريكية خلال 2024، بلغ متوسط الزيادة السعرية للمشروبات الغازية المُسوَّقة بصفات مستدامة 167.7% مقارنة بنظيراتها التقليدية.

الغسيل الأخضر

مع تزايد طرح منتجات في الأسواق أكثر استدامة ظهر ما يُعرف بالغسيل الأخضر، وهو تقديم السلعة بصورة توحي بفوائد بيئية لا تسندها الأدلة، أو المبالغة في ميزة محدودة لتبدو أفضل مما هي عليه.

وفي دراسة للمفوضية الأوروبية عام 2020، تبيّن أن 53.3% من الادعاءات البيئية التي خضعت للمراجعة كانت مبهمة أو مضللة أو غير قائمة على أساس، بينما افتقرت 40% إلى أدلة داعمة.

وقد وصلت هذه الممارسات إلى أسماء كبرى في تجارة التجزئة. ففي 2022، وافقت وولمارت وكولز على دفع غرامات مدنية بإجمالي 5.5 مليون دولار لتسوية اتهامات بتسويق منتجات نسيجية مصنوعة من الرايون على أنها من ألياف الخيزران.

وشملت الاتهامات أيضًا تقديم ادعاءات مضللة بشأن مزاياها البيئية، ورغم إمكان استخدام الخيزران مادةً أولية لإنتاج الرايون، فإن تحويله إلى هذه الألياف يتطلب، بحسب لجنة التجارة الاتحادية الأمريكية، مواد كيميائية سامة وينتج عنه إطلاق ملوثات خطرة.

كما تقدم أكياس القمامة “جلاد” مثالًا آخر، ففي أبريل 2025، ألزمت المحكمة الاتحادية الأسترالية الشركة المنتجة للأكياس بدفع غرامة قدرها 8.3 مليون دولار أسترالي (5.2 مليون دولار أمريكي) بسبب ادعاءات مضللة عن استخدام بلاستيك المحيطات المعاد تدويره.

فقد أوحت العبوات بأن الأكياس مصنوعة من مخلفات بلاستيكية جُمعت من البحر أو المحيط بنسبة لا تقل عن 50%، لكن المادة جاءت من مجتمعات إندونيسية تفتقر إلى أنظمة رسمية لإدارة النفايات، وتقع على مسافات تصل إلى 50 كيلومترًا من الساحل.

وبالفعل وردت الشركة أكثر من 2.2 مليون عبوة تحمل هذه الرسائل خلال الفترة محل المخالفة.

وفي هذا الإطار، قالت رئيسة لجنة المنافسة والمستهلك الأسترالية، “جينا كاس جوتليب” إن قدرة المستهلكين على التحقق المستقل من ادعاءات العبوات محدودة أو معدومة. وأضافت أن التضليل يضر أيضًا بالمنافسين الذين يعرضون مزاياهم البيئية بدقة.

فرق يمكن أن يظهر في الفاتورة

في المقابل، توجد فوائد يمكن قياسها دون الاكتفاء باللغة الدعائية. فبحسب وزارة الطاقة الأمريكية، تستهلك مصابيح “إل إي دي” طاقة أقل بنحو 75% من المصابيح المتوهجة.

وفي تلك الحالة يصبح استهلاك الكهرباء معيارًا واضحًا للمقارنة.

والسعر الأعلى ليس دليل جودة بيئية في ذاته، فالمفوضية الأوروبية تشير إلى دراسة لوكالة التحول البيئي الفرنسية “أديم” وجدت أن المنتجات الحاملة للعلامة البيئية الأوروبية كانت، في أغلب الحالات، منافسة سعريًا للبدائل التقليدية، وأحيانًا أرخص مع أداء مماثل.

وتوضح المفوضية أن العلامة تقوم على معايير علمية وتقييم مستقل، مع النظر إلى مراحل الإنتاج والاستخدام والتخلص من المنتج، وهو ما يمنح المستهلك فرصة لفحص الميزة المعلنة.

ماذا يحدث بعد إلقاء العبوة؟

قد تكون عبارة “قابل لإعادة التدوير” صحيحة من الناحية التقنية، لكن فائدتها العملية ترتبط بوجود جهة تجمع المادة وتعالجها حيث يعيش المشتري، ولهذا تربط لجنة التجارة الاتحادية الأمريكية صياغة هذا الادعاء بمدى توافر مرافق التدوير.

وبحسب إرشاداتها، إذا كانت مرافق إعادة التدوير المناسبة متاحة لأقل من 60% من المستهلكين أو المجتمعات التي يُباع فيها المنتج، فعلى الشركة توضيح أن إمكانية تدويره محدودة، بعبارة مثل: “قد لا تتوافر خدمة إعادة تدوير هذا المنتج في منطقتك”.

فوجود رمز التدوير على العبوة لا يضمن وجود جهة محلية تستطيع جمعها ومعالجتها، إذ يتطلب توفير هذه الخدمة استثمارات كبيرة.

وقدّرت وكالة حماية البيئة الأمريكية أن تحديث منظومة جمع المواد القابلة للتدوير ومعالجتها في الولايات المتحدة يتطلب ما بين 36.5 و43.4 مليار دولار بحلول 2030.

ويشمل التقدير مرافق التعامل مع مواد التغليف والمخلفات العضوية، إلى جانب تحسين خدمات الجمع ونقاط التسليم.

من عبارة رنانة إلى مسؤولية يمكن إثباتها

تتجه القواعد الأوروبية إلى تضييق مساحة الوعود الفضفاضة، مع وجود نحو 230 علامة للاستدامة و100 علامة للطاقة الخضراء في الاتحاد الأوروبي.

فابتداءً من 27 سبتمبر 2026، يبدأ تطبيق توجيه تمكين المستهلكين من أجل التحول الأخضر، الذي يعزز الحماية من التضليل البيئي ويحسّن المعلومات المتعلقة بمتانة المنتجات.

وتشمل أحكامه حظر الادعاءات البيئية العامة غير المدعومة بأداء بيئي ممتاز معترف به وذي صلة بالادعاء، وكذلك علامات الاستدامة غير القائمة على نظام اعتماد أو جهة عامة.

كما يحظر الادعاء بحياد المنتج من حيث انبعاثات غازات الدفيئة استنادًا إلى تعويض الانبعاثات خارج المنتج.

وتعكس مثل تلك الخطوات أن الانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة يتطلب، إلى جانب تغيير سلوك المستهلك وحرصه على حماية البيئة، استعادة الثقة بين الناس والأسواق.

فالزيادة التي يدفعها المشتري لا ينبغي أن تكون ضريبة على ضميره الحي، بل استثمارًا واضح الأثر، يُقاس بخفض الانبعاثات الفعلية، وتقليل الهدر، وضمان عدالة سلاسل التوريد.

وحين تدرك الشركات أن انكشاف ادعاءاتها البيئية قد يكلّفها من قيمتها السوقية وسمعتها أكثر مما تكسبه من تلك الوعود، ستصبح الملصقات الخضراء التزامًا تتحمل مسؤوليته، وتثبت أثره بما يبرر كل مبلغ إضافي تطلبه من المستهلك.

المصادر: أرقام- بي دبليو سي- سيركانا وجامعة نيويورك- المفوضية الأوروبية- لجنة المنافسة والمستهلك الأسترالية- وكالة رويترز- وزارة الطاقة الأمريكية- لجنة التجارة الاتحادية الأمريكية- البرلمان الأوروبي

آخر الأخبار