رحلات أطول وتذاكر أرخص .. لماذا تدفع أقل لتسافر أكثر؟

زمن القراءة: 7 دقائق

على ارتفاع آلاف الأقدام، قد يكون مسافر قد دفع ثمنًا أقل لتذكرته من آخر يجلس بجواره، رغم أن رحلته أطول، وبينما يصل أحدهما إلى وجهته عند الهبوط، ينتظر الآخر طائرة أخرى ليواصل سفره، ما قد يجعل الأمر يبدو غريبًا، فلماذا يدفع من يسافر أكثر مبلغًا أقل؟

للوهلة الأولى قد يبدو الأمر خطأً في الحجز، لكن تكرر حدوثه لدى شركات الطيران يؤكد أن الأمر لا يشكل خطأ بل نهج تتبعه شركات الطيران في تسعير تذاكرها.

فعلى سبيل المثال، وثق باحثون هذا الخيار على رحلات أمريكان إيرلاينز، إذ بلغت تذكرة السفر من شيكاغو إلى واشنطن 387 دولارًا، بينما كانت تذكرة شيكاغو إلى بوسطن، على الرحلة الأولى نفسها مع تبديل الطائرة في واشنطن، بسعر 178 دولارًا.

ويعني هذا أن مواصلة الرحلة كانت تتيح للمسافر دفع مبلغ أقل بمقدار 209 دولارات.

وتجري هذه المفارقة داخل صناعة يتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) أن تبلغ إيرادات شركاتها نحو 1.2 تريليون دولار أمريكي في 2026، منها 839 مليار دولار لإيرادات الركاب.

كما تطرح تساؤلًا عن الأسباب التي تجعل شركات الطيران تتقاضى مبلغًا أقل لنقل المسافر مسافة أطول، مع رحلة إضافية تشغّلها ومطار آخر يمر به.

ثمن الوصول السريع

تظهر الصورة الأكثر شيوعًا لهذه المفارقة عندما يقارن المسافر بين رحلة دون توقف وأخرى تتضمن توقفًا إلى الوجهة نفسها.

فقد وجد تحليل نشرته جوجل في سبتمبر 2025 أن اختيار رحلة تتضمن توقفًا يوفّر نحو 22% في المتوسط، مقارنة بالسفر دون توقف.

وشمل التحليل أسعار تذاكر ذهاب وعودة رُصدت من يناير 2021 حتى أغسطس 2025، لرحلات تتراوح مدة الإقامة فيها بين أربعة وستة عشر يومًا، وتنطلق من أبرز 4000 سوق سفر في الولايات المتحدة.

ويظهر ثمن الوقت بصورة أوضح في مقارنة نشرها موقع فيرفلايت التابع لمجلس شمال غرب أركنساس، قبل نحو عامين.

وعرض الموقع رحلة ذهاب وعودة من شمال غرب أركنساس إلى سان فرانسيسكو على فرونتير بسعر 157 دولارًا، مقابل 657 دولارًا على أمريكان إيرلاينز في تواريخ السفر نفسها.

كان الفارق 500 دولار، لكن الرحلة الأرخص استغرقت 16 ساعة، منها 11 ساعة ونصف الساعة انتظارًا في دنفر؛ بينما بلغ التوقف لدى الناقلة الأخرى نحو ساعة في دالاس–فورت وورث.

وقد شرح محلل قطاع الطيران “بريت سنايدر” أساس هذا التسعير لموقع فوكَس واير، قائلًا: “تحدد معظم شركات الطيران أسعارها وفق نقطة الانطلاق والوجهة، وليس بجمع أسعار مقاطع الرحلة المختلفة”.

فالرحلة الكاملة لها سوقها الخاصة التي يشكلها الطلب والمنافسة، ولذلك فإن جمع المسافات أو أسعار الرحلات المنفردة لا يؤدي بالضرورة إلى السعر الذي تحدده شركة الطيران.

لماذا تقبل شركات الطيران السعر الأقل؟

يرجع “سنايدر” انخفاض أسعار رحلات الربط إلى أن شركة الطيران تسعى إلى جذب المسافرين المستعدين لتبديل الطائرات مقابل التوفير، مع الاحتفاظ بالأسعار الأعلى لمن يقبلون دفع المزيد للسفر دون توقف.

فخفض سعر الرحلة دون توقف للجميع قد يقلّص الإيرادات التي كانت الشركة ستحصل عليها من عملاء مستعدين لدفع مبلغ أكبر، أما تقديم رحلة ربط أرخص، فيمنحها وسيلة أخرى لجذب المسافر الذي يعطي السعر أولوية في اختياره.

وفي العديد من المطارات تشكل حركة الربط جزءًا كبيرًا من نشاطها، إذ توضح بيانات أو إيه جي المعروضة في سبتمبر 2025 أنها مثلت نحو 74% في الحركة في مطار حمد الدولي، ونحو 59% في إسطنبول، و47% في دبي، و51% في أبوظبي.

وتكشف المقارنة الزمنية كيف أن حركة طيران الترانزيت قد نمت في بعض تلك المطارات بشكل ملحوظ على مدار السنين، ففي مطار حمد على سبيل المثال ارتفعت حصة ركاب الربط من 66% عام 2015 إلى 74% عام 2025.

تكاليف لا تظهر على شاشة الحجز

بالطبع هناك تكاليف لرحلات الترانزيت لا تتعلق بالوقت وحده، فمثل هذه النوعية من الرحلات تتطلب نقل الأمتعة بين الطائرات.

ويشير تقرير سيتا لرؤى تكنولوجيا معلومات الأمتعة لعام 2026 إلى أن 24 مليون حقيبة تعرضت لمشكلات في المناولة حول العالم خلال 2025.

وشكّلت عمليات نقل الأمتعة بين الرحلات 39% من حالات الخلل، انخفاضًا من 41% في العام السابق.

ومع ذلك، تتحسن الصورة بشكل عام؛ إذ تقول سيتا إن المعدل الإجمالي لمشكلات مناولة الأمتعة انخفض بنسبة 23% في 2025، لكن يظل من المفيد للمسافر، عند مقارنة الأسعار، أن يعرف ما يتطلبه الانتقال بين الرحلات فعليًا.

وفي هذا الصدد، تنبه جوجل نفسها إلى أن بعض الخيارات في تبويب الأقل سعرًا قد تتطلب استلام الأمتعة ونقلها بين الرحلات، أو استخدام مطارات مختلفة في رحلتي الذهاب والعودة.

ويأخذ ترتيبها المعتاد للنتائج في الحسبان مدة السفر والتوقفات وتغيير المطارات، إلى جانب السعر. ولذلك، قد يكون الخيار الأرخص على الشاشة مختلفًا بدرجة كبيرة من حيث تجربة السفر.

ولهذا ينصح خبير السفر “سكوت كيز” من يحجزون رحلات ربط بالتحقق مسبقًا من الرحلات البديلة، وبخاصة ما إذا كانت الشركة تسيّر رحلات يومية متعددة من مطار التوقف إلى وجهتهم. وتبرز أهمية ذلك عندما يؤدي تأخر الوصول إلى فوات الرحلة التالية.

كيف يصبح الانتظار جزءًا من متعة السفر؟

قد يتحول التوقف أحيانًا إلى جزء من الإجازة نفسها، فمثلًا شركة آيسلندا للطيران تتيح حاليًا التوقف في آيسلندا ضمن رحلاتها عبر الأطلسي دون زيادة في سعر تذكرة الطيران.

وتسمح معظم فئات الأسعار بإقامة تصل إلى سبع ليالٍ، بينما تتيح فئتا إيكونومي فليكس وساجا بريميوم فليكس إقامة تصل إلى 21 ليلة، على أن تُرتّب الإقامات التي تتجاوز سبع ليالٍ عبر مركز خدمة الشركة.

وهنا يستطيع المسافر تقييم ما هو أهم من الخصم وحده: كيف سيقضي الساعات التي يوفّرها أو يضيفها إلى رحلته؟ فقد يعني التوقف انتظارًا لا يرغب فيه، أو زيارة للأهل أصبحت في متناول ميزانيته، أو وقتًا يقضيه في بلد كان سيعبر فوقه دون أن يراه.

ومع توقعات إياتا بارتفاع الطلب العالمي على السفر الجوي بنسبة 2.1% خلال العام الحالي، سيتزايد تنافس مراكز الربط على جذب المسافرين.

نعم، قد تستطيع شاشة الحجز ترتيب الأسعار، لكنها لا تستطيع تحديد قيمة تلك الساعات بالنسبة لصاحبها. وقبل الاحتفاء بالتذكرة الأرخص، يبقى سؤال أخير: هل تمنحك الرحلة الأطول فرصة أكبر للاستمتاع بالسفر الذي أردته أصلًا؟

المصادر: أرقام- منصة جوجل فلايتس- موقع فوكس واير- مدونة كرانكي فلاير- الاتحاد الدولي للنقل الجوي- شركة سيتا لتكنولوجيا النقل الجوي- موقع نيرد وولت- شركة آيسلندا للطيران- شركة أو إيه جي لبيانات الطيران- موقع فيرفلايت

آخر الأخبار