من المهجر إلى الجامعات السورية.. جسور أكاديمية تُبنى مع ألمانيا

زمن القراءة: 7 دقائق

كان خالد يخطط لإكمال دراساته العليا في هندسة الميكانيك بألمانيا بعد تخرجه في جامعة دمشق، إلا أن اعتقاله في فرع فلسطين، المحاذي لكلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية، غيّر مسار حياته. وبعد أشهر من التعذيب والإذلال ودفع الرشى، غادر دمشق فور إطلاق سراحه متوجهاً إلى إدلب.

قبل أكثر من عشر سنوات، بدأ خالد تعلم اللغة الألمانية استعداداً لمتابعة دراسته هناك، لكن خططه توقفت بعد اعتقاله على يد الأمن العسكري إثر تقرير من زملاء له في اتحاد الطلبة، وفق روايته لـ«الثورة السورية». وفي عام 2016، اضطر إلى مغادرة العاصمة نحو إدلب، تاركاً جامعته وخططه الدراسية التي عمل عليها لسنوات.

ولم تُنهِ سنوات النزوح حلمه بالدراسة في ألمانيا، إذ حافظ على ما تعلمه من اللغة وواصل مراجعتها. ويشرح لـ«الثورة السورية»: «لم أنسَ اللغة الألمانية، وكنت أراجع باستمرار ما تعلمته، وما زلت أطمح إلى السفر والتعلم، لأن العلم بالنسبة لي لم يكن شهادة فقط، كان طريقاً لبناء المستقبل».

وتتقاطع تجربة خالد مع تجارب طلاب سوريين دفعتهم سنوات القصف إلى النزوح أو الهجرة أو الانقطاع عن التعليم، فيما تعرض قطاع التعليم لخسائر طالت المدارس والجامعات والكوادر والبنية التحتية.

وتشير أحدث تقديرات المنظمات الإنسانية إلى حرمان 37 بالمئة من الأطفال في سن الدراسة داخل سوريا كلياً أو جزئياً من التعليم الأساسي، مع وجود نحو 2.7 مليون طفل خارج العملية التعليمية، فيما يحتاج 6.5 ملايين شخص إلى دعم في قطاع التعليم. كما أن قرابة ثمانية آلاف مدرسة، أي نحو 30 بالمئة من إجمالي المدارس، ما تزال غير صالحة للعمل أو متوقفة، بينما تواجه المدارس العاملة نقصاً في الكهرباء والمياه والتدفئة والكوادر التعليمية، إلى جانب الاكتظاظ.

وطالت تداعيات السنوات الماضية الجامعات أيضاً، مع تضرر بنيتها التحتية وهجرة أعداد من أعضاء الهيئات التدريسية والباحثين وتراجع التعاون الأكاديمي الدولي، إضافة إلى صعوبات اقتصادية أثرت في قدرة الجامعات على تحديث مختبراتها ومناهجها العلمية.

تعاون يبدأ من الجيوماتكس

وسط هذا الواقع، أُطلق مشروع تعاون أكاديمي يجمع جامعة دارمشتات التقنية الألمانية وست جامعات سورية، في خطوة تستهدف إعادة بناء قنوات التعاون العلمي التي انقطعت خلال السنوات الماضية.

وترعى الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي (DAAD) المشروع بدعم من وزارة الخارجية الألمانية، فيما تركز مرحلته الأولى على تأسيس شراكة أكاديمية طويلة الأمد، من دون تقديم منح دراسية أو برامج لتبادل الطلاب في الوقت الحالي.

ويضع الدكتور سامر كرم، مدير المشروع من الجانب الألماني، حدوداً واضحة للتوقعات المرتبطة بالمشروع، موضحاً لـ«الثورة السورية»: «هذا مشروع تمهيدي، وهو الخطوة الأولى التي نبني عليها تعاوناً أوسع لاحقاً. هدفنا أن نجلس مع الجامعات السورية، ونفهم احتياجاتها الفعلية في مجال هندسة الجيوماتكس، ونضع خارطة طريق لتعاون طويل الأمد، ونعد تصوراً لمشروع أكبر في المستقبل».

وفي المرحلة الحالية، لا يتضمن المشروع بناء مختبرات أو تقديم منح، وفق كرم، الذي يوضح: «نحن لا نَعِد في هذه المرحلة ببناء مخابر أو تقديم منح، وإنما نضع الأساس الذي يجعل هذه الأمور ممكنة لاحقاً».

ويأتي اختيار هندسة الجيوماتكس والاستشعار عن بُعد لارتباطهما بملفات التعافي وإعادة الإعمار، ولا سيما التخطيط العمراني وإدارة الأراضي وتحديد الملكيات وتوثيق الأضرار والاستجابة للكوارث.

ويصف كرم هذه العلوم بأنها «لغة إعادة الإعمار»، موضحاً: «قبل أن تبني مدينة أو طريقاً أو شبكة بنية تحتية، تحتاج إلى معرفة دقيقة بالأرض وحدود الملكيات وحجم الدمار وكيفية التخطيط العمراني. الاستشعار عن بُعد يوفر صور الأقمار الصناعية، ونظم المعلومات الجغرافية تحولها إلى خرائط رقمية تساعد في اتخاذ القرار».

وتكتسب هذه الاختصاصات، وفق مدير المشروع، أهمية عملية في مرحلة التعافي، لما توفره من أدوات للتخطيط العمراني وإدارة الأراضي وتوثيق الأضرار والاستجابة للكوارث.

من التخطيط إلى شراكة أوسع

وتركزت أسئلة طلاب سوريين بعد الإعلان عن المشروع على المنح الدراسية وفرص السفر إلى ألمانيا، إلا أن أثر المشروع على الطلاب سيكون غير مباشر في مرحلته الحالية. ويوضح الدكتور سامر كرم لـ«الثورة السورية»: «المشروع لا يقدم منحاً أو دورات تدريبية في ألمانيا حالياً، لكنه يعمل على تطوير المناهج الجامعية وتعزيز الجانب العملي في التعليم، بحيث يتخرج الطالب بمهارات تتوافق مع المستوى الدولي ومتطلبات سوق العمل».

وتمتلك الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي برامج منح مستقلة عن المشروع، فيما يأمل كرم أن تؤسس المرحلة الحالية لتعاون أوسع مستقبلاً، يمكن أن يشمل برامج للتبادل الأكاديمي ومنحاً دراسية.

ويقتصر التعاون في الوقت الراهن على اللقاءات الأكاديمية والتخطيط المشترك، من دون برامج مشتركة للماجستير أو الدكتوراه. وعن إمكانية الانتقال إلى هذه المرحلة، يوضح كرم: «الإشراف المشترك على الأبحاث أو برامج الماجستير والدكتوراه المشتركة أهداف ممكنة، لكنها تنتمي إلى المرحلة التالية. لا أريد أن أعد بشيء قبل أن نبنيه بصورة صحيحة».

وقد يتيح نجاح المرحلة الحالية توسيع المشروع مستقبلاً ليشمل اختصاصات علمية أخرى، شريطة توافر الموارد والدعم المؤسسي اللازمين.

وتواجه عملية التنفيذ في الوقت نفسه تحديات تتعلق بترتيب زيارات الوفود الأكاديمية الألمانية إلى سوريا، إلى جانب الحاجة إلى تمويل إضافي للانتقال من التخطيط إلى مشاريع أوسع وشراكات مستدامة.

ويضع كرم استمرارية التعاون في مقدمة معايير نجاح المشروع: «النجاح الحقيقي ليس في عقد اللقاءات، لكن في تحولها إلى تعاون دائم، وهذا هو الهدف الأساسي الذي نعمل من أجله».

وفي رسالة إلى الطلاب والباحثين السوريين، يدعوهم كرم إلى تطوير مهاراتهم وإتقان اللغات والأدوات الحديثة وبناء العلاقات الأكاديمية، مضيفاً: «العلم لا يعرف حدوداً، والعالم اليوم منفتح على الكفاءات السورية أكثر مما يعتقد كثيرون. لا تنتظروا أن تأتيكم الفرصة كاملة، وطوروا أنفسكم، وأتقنوا اللغات والأدوات الحديثة، وابنوا علاقات أكاديمية. هذا المشروع رسالة بأن التعاون الأكاديمي بين سوريا والعالم عاد ممكناً، ونحن نعمل لتوسيع هذا الباب».

ولا يغير المشروع واقع الجامعات السورية سريعاً، كما لا يمنح خالد فرصة السفر إلى ألمانيا في مرحلته الحالية، إلا أنه يعيد فتح قناة للتعاون الأكاديمي الدولي بعد سنوات تضرر خلالها قطاع التعليم وخسر جزءاً من كوادره وعلاقاته العلمية الخارجية.

وتتوقف أهمية الخطوة على ما ستقود إليه خلال المراحل المقبلة، سواء في تطوير المناهج والجانب العملي أو توسيع التعاون البحثي والأكاديمي. وبالنسبة إلى طلاب مثل خالد، فإن عودة التواصل بين الجامعات السورية ونظيراتها في الخارج تفتح احتمالاً لاستعادة فرص دراسية وعلمية تعطلت خلال السنوات الماضية.

مختار الإبراهيم

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار