زميلك الجديد .. وكيل ذكاء اصطناعي

زمن القراءة: 8 دقائق

في كثير من المكاتب حول العالم، لم يعد السؤال المطروح هو: «هل سيصل الذكاء الاصطناعي إلى مكان العمل؟» بل أصبح: «كيف سنتعايش معه عندما يجلس إلى جوارنا؟».

بينما اعتاد الموظفون استقبال زملاء جدد من البشر، تستعد الشركات اليوم لاستقبال نوع مختلف تماماً من «الزملاء»؛ أنظمة ذكية قادرة على التخطيط والتنفيذ واتخاذ الإجراءات ومتابعة النتائج بصورة شبه مستقلة.

هذه التحولات لم تعد مجرد توقعات مستقبلية أو تجارب معملية. فشركات كبرى في قطاعات المال والتجزئة والخدمات اللوجستية والتقنية بدأت بالفعل دمج ما يُعرف بـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي» داخل بيئات العمل، في خطوة قد تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا خلال السنوات القليلة المقبلة.

رؤية طموحة

تتبنى مؤسسات عملاقة رؤية طموحة لهذا المستقبل. فبنك جي بي مورغان تشيس يتوقع أن يمتلك كل موظف مساعداً ذكياً شخصياً، وأن تعتمد مختلف العمليات على وكلاء ذكاء اصطناعي، بينما يحصل العملاء على خدمات مخصصة عبر مساعدين رقميين متطورين.

وفي قطاع التجزئة، تعمل وولمارت على تطوير منظومة من الوكلاء الأذكياء لدعم العملاء والموظفين، مع وجود «وكلاء مشرفين» يوزعون المهام على وكلاء فرعيين بطريقة تشبه هيكل الإدارة البشرية التقليدية.

لكن ما يميز هذه الأنظمة عن روبوتات الدردشة أو محركات البحث الذكية هو أنها لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل تستطيع إنجاز أعمال حقيقية من خلال وضع الخطط وتنفيذ الإجراءات والتحقق من النتائج لتحقيق أهداف محددة.

ورغم الحماس المتزايد حول هذه التقنية، فإن الانتقال إلى بيئة عمل يتشارك فيها البشر والآلات الذكية لا يخلو من التحديات. فالكثير من الموظفين يجدون صعوبة في التكيف مع هذا الواقع الجديد، الأمر الذي ينعكس على الروح المعنوية والإنتاجية داخل المؤسسات.

مستقبل الوظائف

وقد أدى ذلك إلى ظهور موجة متزايدة من القلق بشأن مستقبل الوظائف. ويُعرف هذا القلق اليوم بمصطلح «الخوف من أن تصبح غير ذي صلة» أو Fear of Becoming Obsolete (FOBO).

وتشير استطلاعات حديثة إلى أن أكثر من نصف العاملين يخشون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف إلى الاستغناء عن وظائفهم. والأكثر إثارة أن بعض الموظفين لا يكتفون بالقلق، بل يقاومون التغيير بشكل مباشر، حيث أظهرت دراسات أن نسبة ملحوظة منهم تعمد إلى إعاقة أو تقويض استراتيجيات الذكاء الاصطناعي داخل شركاتهم.

ويزداد المشهد تعقيداً مع تسجيل بعض الحالات التي تصرفت فيها الأنظمة الذكية بشكل غير متوقع، مثل حذف بيانات أو تنفيذ إجراءات لم تكن مقصودة من قبل المشغلين.

فهم أعمق

ومع ذلك، يرى خبراء الذكاء الاصطناعي أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب فهماً أعمق لطبيعة هذه الأنظمة بدلاً من الخوف منها.

وتبرز هنا نصيحتان أساسيتان لكل موظف سيعمل إلى جانب وكيل ذكاء اصطناعي: الأولى هي تعلم كيفية عمل هذه الأنظمة وفهم نقاط قوتها وضعفها، والثانية هي التركيز على المهارات الإنسانية التي لا تستطيع الآلات تقليدها.

صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي

بدأ وكلاء الذكاء الاصطناعي بالظهور داخل بيئات العمل خلال عام 2025، خصوصاً في قطاعات التقنية والخدمات المالية وخدمة العملاء.

لكن عام 2026 شهد توسعاً ملحوظاً في استخدامها داخل مجالات جديدة تشمل الشؤون القانونية والامتثال وإدارة سلاسل التوريد والبحث والتطوير والرعاية الصحية والتجزئة.

وتُعد شركة فيديكس من أبرز الأمثلة على هذا التوجه، إذ تخطط لبناء قوة عمل رقمية متكاملة داخل شبكتها اللوجستية.

وتشمل الخطة تطوير وكلاء للإدارة والتدقيق والتنفيذ، بحيث تتوزع المسؤوليات وتُسجل جميع القرارات والإجراءات ضمن منظومة واضحة للمساءلة.

كما تتبنى شركات أخرى نماذج مشابهة تقوم على تعاون عدة وكلاء أذكياء معاً لإنجاز المهام المعقدة، وهو ما يعكس اتجاهاً جديداً نحو بناء فرق عمل هجينة تضم البشر والأنظمة الذكية في آن واحد.

عوائد اقتصادية

يعود هذا التوسع السريع إلى العوائد الاقتصادية الكبيرة التي تحققها هذه التقنيات. فالغالبية العظمى من الشركات التي تبنت وكلاء الذكاء الاصطناعي في مراحل مبكرة تؤكد أنها حققت عائداً ملموساً على الاستثمار من خلال تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتسريع الإنجاز.

وفي قطاع التجارة الإلكترونية، تشير التقديرات إلى أن العملاء الذين يتفاعلون مع المساعدات الذكية أثناء التسوق يصبحون أكثر ميلاً لإتمام عمليات الشراء مقارنة بغيرهم، ما يجعل هذه الأنظمة أداة فعالة لتعزيز المبيعات وتحسين تجربة المستخدم.

كما بدأت شركات استشارية عالمية في توظيف آلاف الوكلاء الرقميين للقيام بمهام متنوعة، مع خطط لزيادة أعدادهم بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.

قدرات كبيرة.. لكنها ليست كاملة

ورغم ما تتمتع به هذه الأنظمة من قدرات متقدمة، فإنها لا تزال بعيدة عن الاستقلال الكامل.

من أبرز نقاط قوتها أنها قادرة على العمل بإصرار متواصل دون الشعور بالإحباط أو فقدان الدافع، كما يمكنها إعادة المحاولة مرات عديدة حتى تصل إلى النتيجة المطلوبة.

بيد أنها في المقابل قد تتصرف بطرق غير متوقعة أو تتخذ قرارات خاطئة نتيجة سوء الفهم أو الانحراف عن الهدف المطلوب.

وتشير الدراسات إلى أن بعض الوكلاء يمكن التأثير عليهم بسهولة نسبية من خلال أوامر مضللة أو تعليمات غير دقيقة، ما قد يدفعهم إلى اتخاذ قرارات غير مناسبة أو تنفيذ إجراءات غير مرغوبة.

كما أن لهذه الأنظمة سلوكيات قد تبدو غريبة أحياناً، مثل استخدام رموز تعبيرية غير ملائمة في مراسلات رسمية أو تقديم ردود تحمل نبرة ساخرة عندما يكون المطلوب مجرد معلومات مباشرة.

والأهم من ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك وعياً ذاتياً أو مشاعر أو نوايا شخصية. وعندما يخطئ، فإنه لا يفعل ذلك بدافع العناد أو سوء النية، بل نتيجة خلل في البيانات أو التعليمات أو آليات اتخاذ القرار.

ولهذا السبب، فإن مراقبة أداء الوكلاء الأذكياء وفهم حدودهم أصبحت جزءاً جديداً من مسؤوليات الموظفين في المؤسسات الحديثة.

كيف تبني علاقة عمل ناجحة مع وكيلك الذكي؟

عندما يُطلب من الموظف العمل إلى جانب وكيل ذكاء اصطناعي، فإن أفضل خطوة هي التعامل معه كما لو كان زميلاً جديداً يحتاج إلى التعرف عليه وفهم طريقة عمله.

وينصح الخبراء ببدء التجربة من خلال تكليف الوكيل بمهام متنوعة ومراقبة أسلوبه في التنفيذ وجودة النتائج التي يقدمها. كما ينبغي اختبار أكثر من طريقة للتواصل معه لفهم نقاط القوة والضعف في أدائه.

وتقوم الإدارة الفعالة لهذه الأنظمة على ثلاثة عناصر أساسية:
 1- تحديد المطلوب بدقة من خلال تعليمات واضحة ومفصلة، مع توضيح الهدف النهائي والمعايير التي تحدد النجاح.

2- تقييم النتائج بصورة مستمرة ومقارنتها بالمعايير المطلوبة بدلاً من افتراض صحة المخرجات تلقائياً.
 3- توجيه الوكيل أثناء العمل والإجابة عن استفساراته أو تعديل مساره عند الحاجة.

هذا النهج يساعد الموظفين على تحقيق أقصى استفادة من التكنولوجيا مع تقليل المخاطر المرتبطة باستخدامها.

الرهان الحقيقي على المهارات الإنسانية

ورغم التقدم السريع للذكاء الاصطناعي، فإن العنصر البشري لا يزال يمثل الحلقة الأكثر أهمية في بيئة العمل.

مع انتشار الوكلاء الأذكياء، تتراجع أهمية بعض المهارات التقليدية المرتبطة بمعالجة المعلومات، بينما تزداد قيمة المهارات الإنسانية مثل التواصل وبناء العلاقات وفهم المشاعر وإدارة النزاعات.

قد تستطيع الآلة تحليل البيانات بسرعة هائلة، لكنها لا تستطيع قراءة لغة الجسد أو التقاط الإشارات غير اللفظية داخل الاجتماعات أو استيعاب تعقيدات العلاقات الإنسانية بنفس الطريقة التي يفعلها البشر.

ولهذا يدعو الخبراء الموظفين إلى استثمار وقتهم في تنمية الفضول والإبداع والتواصل الإنساني، وترك المهام الروتينية والمتكررة للوكلاء الأذكياء.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يتجهون ليصبحوا جزءاً أساسياً من الحياة المهنية خلال السنوات المقبلة. لكن نجاح هذه الشراكة لن يعتمد فقط على قدرات التكنولوجيا، بل على قدرة البشر على فهمها وإدارتها واستثمار نقاط قوتهم الإنسانية التي لا يمكن للآلات استنساخها. فالمستقبل لا يبدو صراعاً بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل شراكة جديدة ستحدد ملامح سوق العمل المقبل.

المصدر: “ذا كونفرزيشن”

آخر الأخبار