قد لا يكون أول ما يخطر في ذهن الشركات والحكومات عند الحديث عن إطالة سن العمل هو النظر، لكن الواقع الاقتصادي يفرض إعادة ترتيب الأولويات.
فالموظف الذي يمتلك خبرة تمتد لعقود قد يكون قادراً على مواصلة العمل والعطاء لسنوات إضافية، إلا أن تراجع قدرته على القراءة، أو التعامل مع الشاشات، أو رؤية التفاصيل الدقيقة قد يحوّل مشكلة بصرية تبدو بسيطة إلى عائق حقيقي أمام الإنتاجية والاستمرار في سوق العمل.

الاقتصاد الفضي
ومع انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط العمر المتوقع في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، يتغير شكل سوق العمل العالمي بسرعة.
وتشير مبادرة اقتصاد طول العمر التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن إطالة متوسط العمر أصبحت قوة اقتصادية مؤثرة، فيما تتجه حكومات عديدة إلى رفع سن التقاعد لمواجهة التحولات الديموغرافية.
وهنا يبرز مفهوم «الاقتصاد الفضي»، الذي ينظر إلى الشيخوخة الصحية باعتبارها فرصة لتعزيز مشاركة كبار السن في سوق العمل، والاستفادة من خبراتهم، ودعم الابتكار والاحتفاظ بالمعرفة داخل المؤسسات.
لكن نجاح هذا النموذج يتطلب أكثر من مجرد تمديد سنوات الخدمة. فإبقاء الموظفين الأكبر سناً في وظائفهم دون توفير الظروف الصحية والعملية المناسبة قد يحوّل إطالة الحياة المهنية إلى عبء بدلاً من أن تكون مكسباً اقتصادياً.
ومن بين أكثر العوامل التي تستحق اهتماماً خاصاً صحة العين.
عالم يتقدم في العمر
على مدى عقود، قام كثير من النماذج الاقتصادية على افتراض أن غالبية العاملين سيغادرون سوق العمل عند بلوغ نحو 65 عاماً.
إلا أن هذا الافتراض لم يعد يعكس الواقع الديموغرافي الجديد.
ووفق منظمة الصحة العالمية، من المتوقع أن يتضاعف عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً عالمياً بحلول عام 2050، ليتجاوز ملياري شخص.
ويعني هذا التحول أن الشركات ستحتاج بصورة متزايدة إلى الاحتفاظ بالموظفين ذوي الخبرة، ليس فقط لسد النقص في العمالة، وإنما أيضاً للحفاظ على المعرفة المتراكمة، والقدرة على حل المشكلات المعقدة، والخبرة المؤسسية التي يصعب تعويضها سريعاً.
غير أن التقدم في العمر يصاحبه تغير طبيعي في وظائف الجسم، وتظهر العين في وقت مبكر نسبياً من بين الأعضاء التي تكشف آثار الشيخوخة.
وبما أن الرؤية تدخل في معظم تفاصيل الحياة المهنية الحديثة، فإن أي تراجع تدريجي فيها يمكن أن يتجاوز تأثيره حدود المشكلة الطبية ليصبح قضية إنتاجية واقتصادية.

عندما تصبح الشاشة اختباراً للعين
في سن الأربعين تقريباً، يبدأ معظم الأشخاص في مواجهة طول النظر الشيخوخي «Presbyopia»، وهي حالة طبيعية يفقد فيها الإنسان تدريجياً قدرة العين على التركيز على الأشياء القريبة.
وقد تبدو المشكلة في البداية بسيطة، مثل صعوبة قراءة نص صغير أو إبعاد الهاتف عن العين، لكنها تصبح أكثر أهمية في بيئات العمل التي تعتمد على الشاشات والوثائق والتفاصيل الدقيقة.
ولا تقتصر تحديات كبار الموظفين على طول النظر الشيخوخي. فاحتمالات الإصابة بـالمياه البيضاء «Cataracts» ترتفع مع التقدم في العمر، وهي تؤدي إلى ضبابية الرؤية وضعف القدرة على تمييز التباين، وقد تسبب انزعاجاً أكبر تحت الإضاءة المكتبية القوية.
الجلوكوما
أما الجلوكوما «المياه الزرقاء»، فتتميز بخطورتها لأنها قد تتطور تدريجياً من دون ألم أو أعراض واضحة في مراحلها الأولى، بينما تؤدي إلى تلف العصب البصري وفقدان جزء من مجال الرؤية.
وفي المقابل، يؤثر الضمور البقعي المرتبط بالعمر «AMD» بصورة أساسية في الرؤية المركزية، ما قد يجعل التعرف على الوجوه وقراءة النصوص الدقيقة وتنفيذ المهام التي تتطلب دقة عالية أكثر صعوبة.
وتشير تقديرات منشورة في مجلة “ذا لانست غلوبال هيلث” إلى أن ضعف البصر غير المعالج يكلف الاقتصاد العالمي نحو 411 مليار دولار سنوياً من الإنتاجية المفقودة.
وتأتي نسبة مهمة من هذه الخسائر نتيجة ضعف الرؤية القريبة، وهي مشكلة يمكن في كثير من الحالات تصحيحها بسهولة نسبية.
تكلفة غير مرئية داخل أماكن العمل
في اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الشاشات، يمكن أن تتضاعف مشكلات العين لدى الموظفين الأكبر سناً.
فمع التقدم في العمر، قد ينخفض إنتاج الدموع، ما يزيد احتمالات الإصابة بجفاف العين، كما تتغير قدرة البؤبؤ على التكيف مع ظروف الإضاءة المختلفة، الأمر الذي يجعل الانتقال بين الإضاءة القوية والضعيفة أكثر صعوبة.
وعندما يعمل الموظف وهو يعاني ضعفاً بصرياً غير مصحح، فإن التكلفة لا تظهر دائماً في صورة غياب عن العمل.
وقد تتخذ أشكالاً أكثر هدوءاً، مثل انخفاض سرعة إنجاز المهام، وزيادة احتمالات الخطأ، وصعوبة مراجعة جداول البيانات، أو قراءة النصوص الرقمية، أو فحص المنتجات والتفاصيل الفنية.
كما قد يؤدي ضعف الرؤية إلى إجهاد جسدي وذهني متواصل، لأن الدماغ يبذل جهداً أكبر لمعالجة المعلومات البصرية.
وقد يضطر الموظف إلى الاقتراب من الشاشة أو التحديق أو تضييق العينين، ما قد يرتبط بصداع ومشكلات في وضعية الجسم وآلام في الرقبة والكتفين.
ولا تتوقف التداعيات عند حدود الإنتاجية اليومية، إذ يمكن أن يؤثر فقدان البصر خلال سنوات العمل في قرارات الموظفين المتعلقة بالاستمرار في الوظيفة أو التقاعد.
وأظهرت أبحاث تابعت أشخاصاً أصيبوا بضعف في الرؤية بين سن 44 و64 عاماً ارتباط هذه المشكلات بالخروج من سوق العمل، وكان بعض من غادروا أكثر عرضة للتقاعد غير الطوعي ولظروف مالية أقل ملاءمة.
من الرعاية الطبية إلى استراتيجية اقتصادية
إذا كانت الدول تريد فعلاً الاستفادة من خبرات القوى العاملة الأكبر سناً، فإن التعامل مع صحة العين يجب ألا يبقى مسؤولية فردية تقع على عاتق الموظف وحده.
بل ينبغي أن يصبح جزءاً من سياسات الصحة المهنية واستراتيجيات إدارة المواهب وحتى التخطيط الاقتصادي طويل الأجل.
أولى الخطوات تتمثل في تطوير برامج وقاية وفحص بصري داخل الشركات، خصوصاً للعاملين فوق سن الأربعين.
ويمكن أن تشمل هذه البرامج فحوصاً دورية شاملة للعين واختبارات تشخيصية تساعد على اكتشاف أمراض مثل الجلوكوما قبل ظهور أعراض واضحة أو حدوث أضرار دائمة.
كذلك، تحتاج المؤسسات إلى إعادة تصميم بيئات العمل لتكون أكثر ملاءمة للعين المتقدمة في العمر.
ويشمل ذلك تحسين الإضاءة، والحد من انعكاسات الشاشات، وإتاحة إمكانية تكبير النصوص وتعديل إعدادات العرض، إلى جانب تنظيم فترات قصيرة للراحة البصرية خلال ساعات العمل الطويلة أمام الأجهزة الرقمية.
ولا يقل دور الحكومات أهمية عن دور الشركات. فإدماج صحة العين في سياسات الشيخوخة النشطة والرعاية الصحية الأولية يمكن أن يساعد في ضمان حصول كبار السن على فحوصات مناسبة وعدسات تصحيحية وخدمات علاجية في الوقت المناسب.
كما أن جعل خدمات العناية بالعين متاحة وميسورة التكلفة قد يمنع ضعف البصر من التحول إلى سبب غير ضروري للخروج المبكر من سوق العمل.
اقتصاد طويل العمر يحتاج إلى رؤية واضحة
التحول الديموغرافي العالمي ليس مجرد مسألة تتعلق بارتفاع أعداد كبار السن، بل هو إعادة تشكيل كاملة للاقتصاد وسوق العمل.
وكلما طال متوسط العمر، أصبحت الحاجة أكبر إلى إطالة سنوات الحياة الصحية والمنتجة، وليس مجرد إطالة سنوات الحياة.
ولهذا، فإن حماية بصر العاملين ليست ترفاً صحياً أو امتيازاً إضافياً تقدمه الشركات، بل استثمار مباشر في رأس المال البشري.
فالموظف المخضرم الذي يحتفظ بقدرته على الرؤية والعمل يمثل قيمة معرفية واقتصادية يصعب تعويضها.
وفي النهاية، لن ينجح «الاقتصاد الفضي» بمجرد رفع سن التقاعد أو مطالبة الناس بالعمل لفترة أطول. نجاحه يتوقف على قدرة الحكومات وأصحاب الأعمال على إزالة العوائق الصحية التي قد تحول دون استمرار الموظفين في العطاء.
ومن بين هذه العوائق، تأتي صحة العين في مقدمة القضايا التي تستحق اهتماماً أكبر.
فإذا كان العالم يستعد لعصر يعيش فيه الناس ويعملون لفترة أطول، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف نحافظ على الموظف الخبير داخل سوق العمل؟ بل أيضاً: كيف نضمن أن يمتلك هذا الموظف الرؤية التي تمكنه من الاستمرار؟
المصدر: “المنتدى الاقتصاد العالمي”
