يتجه التعاون الاقتصادي بين سوريا وتركيا نحو مسارات تشمل الاستثمار في المدن الصناعية وتوسيع المنشآت الإنتاجية، بالتوازي مع تطوير المعابر وتسهيل حركة التجارة والنقل، في وقت تحتاج فيه الصناعة السورية إلى استثمارات إنتاجية تخفض التكاليف وتدعم قدرتها على المنافسة والوصول إلى الأسواق.
وجاءت زيارة وزير التجارة التركي عمر بولات قبل أيام إلى حلب ضمن هذا الحراك، وشملت المدينة الصناعية في الشيخ نجار، حيث اطلع على واقع المصانع والإنتاج، وبحث مع المسؤولين ورجال الأعمال فرص التعاون والاستثمار.
وفي إدلب، يتخذ المسار طابعاً استثمارياً عبر اتفاقية لتطوير وتوسعة مدينة باب الهوى الصناعية، تستهدف توفير نحو 2000 فرصة استثمار صناعي جديدة، في موقع قريب من الحدود يرتبط بحركة التجارة والنقل وسلاسل التوريد.
وترتبط هذه التحركات أيضاً بملفات المعابر والإجراءات الجمركية والنقل والترانزيت، في ظل ارتفاع حركة الشاحنات بين البلدين، والتوجه نحو رفع الطاقة الاستيعابية للمنافذ وتسريع عبور البضائع، بما ينعكس على زمن النقل وتكاليفه.
الشيخ نجار.. الاستثمار يبدأ من المصانع
أكد رئيس غرفة صناعة حلب عماد طه قاسم، في حديث خاص لـ«الثورة السورية»، أهمية زيارة وزير التجارة التركي إلى حلب، في ظل النشاط التجاري والصناعي الذي تشهده المحافظة.
وأوضح قاسم أن الموقع الجغرافي والعلاقات الاقتصادية بين حلب وتركيا يمنحان التعاون أهمية خاصة، في ظل الحدود المشتركة وحركة التجارة، مشدداً على ضرورة تنظيم العلاقات الاقتصادية والرسوم والقوانين الناظمة للعمل التجاري بما يحقق مصالح الطرفين.
وأشار إلى أن حلب تشهد نشاطاً اقتصادياً متزايداً، مع تطلعات لاستعادة دورها الصناعي والتجاري، مؤكداً أهمية تنظيم بيئة العمل لدعم هذا المسار.
وفي مدينة الشيخ نجار الصناعية، أتاحت زيارة الوزير التركي الاطلاع مباشرة على واقع المصانع والإنتاج والفرص الاستثمارية المتاحة.
وقال المدير العام لمدينة الشيخ نجار الصناعية المهندس يوسف فتوح، في حديث خاص لـ«الثورة السورية»، إن الزيارة شهدت مناقشة فرص التعاون التجاري والاستثماري المتاحة في المدينة الصناعية.
وأضاف فتوح أن الجولة شملت عدداً من المصانع والاطلاع على سير العمل والإنتاج فيها، معتبراً أن الزيارة يمكن أن تسهم في توجيه الاستثمارات نحو مشاريع عملية في مدينة الشيخ نجار وحلب.
ويواجه القطاع الصناعي في المدينة احتياجات تتعلق بتحسين البنية التحتية، وتسهيل الإجراءات، وتأمين مستلزمات الإنتاج، بالتوازي مع استقطاب مشاريع جديدة تسهم في زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتنشيط القطاعات المرتبطة بالصناعة.
وقال الصناعي في مدينة الشيخ نجار أنس رمضان، في حديث خاص لـ«الثورة السورية»، إن الصناعيين ينظرون بتفاؤل إلى زيارة وزير التجارة التركي لحلب، معربين عن تقديرهم لاهتمام إدارة المحافظة بالواقع الاقتصادي والصناعي.
وذكر رمضان أن الصناعيين يتطلعون خلال المرحلة المقبلة إلى معالجة العقبات التي تواجه أصحاب المنشآت، بما يساعد على تطوير أعمالهم وزيادة الإنتاج.
وتتركز مطالب الصناعيين على توفير بيئة عمل مستقرة وإجراءات واضحة وتكاليف تشغيل يمكن للمنشآت تحملها، بما يساعدها على رفع الإنتاج وتحسين قدرتها التنافسية.
وتأتي تكاليف الطاقة في مقدمة العوامل المؤثرة في قدرة المنشآت على الإنتاج والمنافسة. وفي حديث خاص لـ«الثورة السورية»، أوضح الصناعي بسام دواليبي أن حوامل الطاقة، من فيول وكهرباء ومازوت، تشكل جزءاً مهماً من تكاليف الإنتاج، وتؤثر بصورة مباشرة في قدرة الصناعة على الاستمرار والنجاح.
ولفت دواليبي إلى أن خفض تكاليف حوامل الطاقة سينعكس على كلفة الإنتاج، ويساعد على زيادة القدرة التنافسية للمنتج المحلي، مؤكداً أهمية دعم الصناعة في زيادة الدخل القومي وتحقيق النمو الاقتصادي في سوريا.
المعابر.. طريق الصناعة إلى الأسواق
يتطلب توسع النشاط الصناعي والتجاري شبكة نقل ومعابر قادرة على استيعاب حركة البضائع المتزايدة بين سوريا وتركيا، بالتزامن مع ارتفاع أعداد الشاحنات والحاجة إلى تطوير البنية التحتية الحدودية وتسريع إجراءات العبور.
أكد رئيس غرفة تجارة حلب محمد سعيد شيخ الكار، في حديث خاص لـ«الثورة السورية»، أهمية زيارة وزير التجارة التركي، مشيراً إلى ضرورة تطوير المعابر الحدودية البرية وتوسعتها، ولا سيما التي تربط سوريا بتركيا، بالتزامن مع ارتفاع حركة التبادل التجاري والنقل بين البلدين.
وأوضح شيخ الكار أن رفع الطاقة الاستيعابية للمعابر سيسهم في تسهيل حركة الاستيراد والتصدير وتسريع عبور الشاحنات، بما فيها شاحنات الترانزيت والبرادات والشاحنات المخصصة لنقل مواد البناء، كالأسمنت والحديد، إضافة إلى الشاحنات التي تنقل المواد الغذائية وغيرها من المنتجات.
وتكشف بيانات حصلت عليها «الثورة السورية» من الهيئة العامة للمنافذ والجمارك عن ارتفاع حركة الشاحنات عبر المنافذ الحدودية السورية مع تركيا، إذ عبرت خلال عام 2025 نحو 361,288 شاحنة، بحمولة إجمالية بلغت نحو 8,071,604 أطنان.
ومنذ بداية عام 2026 وحتى نهاية تموز، بلغ عدد الشاحنات العابرة نحو 209,190 شاحنة، بإجمالي حمولة وصل إلى نحو 4,895,759 طناً.
وقال مدير إدارة العلاقات والتعاون الدولي في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش، في حديث خاص لـ«الثورة السورية»، إن اللقاء مع وزير التجارة التركي خرج بنتائج إيجابية لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين سوريا وتركيا، ولا سيما في مجالات التجارة والجمارك والمنافذ الحدودية والنقل والترانزيت والاستثمار.
وأوضح علوش أن اللقاء تناول تطوير المنافذ الحدودية ورفع طاقتها الاستيعابية، وتسريع الإجراءات أمام حركة الشاحنات والمسافرين، إضافة إلى بحث الانتقال تدريجياً من آلية تفريغ الحمولات وإعادة تحميلها عند الحدود إلى العبور المباشر للشاحنات، بما يسهم في خفض التكاليف واختصار زمن النقل.
وأضاف أن المباحثات شملت تطوير نظام الإدخال المؤقت والتصنيع بغرض إعادة التصدير، والاستفادة من إمكانات المناطق الحرة، وتشجيع إقامة مشاريع صناعية ولوجستية مشتركة.
وأشار إلى أن الهيئة تعمل على تطوير منفذ باب الهوى، وإنشاء ساحات ومسارات مستقلة لشاحنات الترانزيت وتنظيم حركتها، بالتوازي مع استمرار الأعمال الفنية والإنشائية تمهيداً لإعادة افتتاح منفذ القامشلي–نصيبين، وتطوير عدد من المنافذ الأخرى.
وفي الجانب الجمركي، أوضح علوش أن الرسوم والإجراءات تخضع للمراجعة بهدف تبسيطها، وتحقيق التوازن بين حماية الاقتصاد الوطني وتسهيل حركة التجارة والاستثمار.
ويتيح نظام الإدخال المؤقت والتصنيع بغرض إعادة التصدير للصناعيين إدخال المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج اللازمة لعمليات التصنيع، ومن ثم إعادة تصدير المنتجات الناتجة عنها.
كما تعمل مديرية المخابر والجودة على فحص البضائع المستوردة والتحقق من مطابقتها للمواصفات والاشتراطات المعتمدة، بالتوازي مع تحديث التجهيزات المخبرية وزيادة سرعة عمليات الفحص ودقتها.
وتستهدف هذه الإجراءات تسريع حركة التجارة، مع الحفاظ على متطلبات الرقابة وحماية المستهلك والاقتصاد الوطني.
من حلب إلى إدلب.. الصناعة السورية في قلب المعادلة
وفي إدلب، انتقل الحراك الاقتصادي إلى مشروع لتوسيع إحدى المدن الصناعية القريبة من الحدود، إذ وقّعت إدارة مدينة باب الهوى الصناعية اتفاقية مع شركة ISRA التركية لتطوير المدينة وتوسعتها، ضمن فعاليات الدورة الـ63 لمعرض دمشق الدولي، بحضور نائب وزير الاقتصاد والصناعة باسل عبد الحنان ووزير التجارة التركي عمر بولات.
وتستهدف الاتفاقية توفير نحو 2000 فرصة استثمار صناعي، إلى جانب تطوير البنية التحتية والخدمات اللازمة لاستقبال مشاريع إنتاجية جديدة.
وقال المدير العام لمدينة باب الهوى الصناعية المهندس فادي الخطيب، في حديث خاص لـ«الثورة السورية»، إن مشروع التوسعة جاء بعد ارتفاع الإقبال على المقاسم الصناعية خلال السنوات الماضية، موضحاً أن إقبال الصناعيين المقيمين في محافظة إدلب والمستثمرين في مختلف القطاعات أدى إلى وصول نسبة الإشغال في المدينة إلى نحو 90 بالمئة.
وأفاد الخطيب بأن استمرار رغبة الصناعيين المقيمين في سوريا والعائدين من بلدان المهجر والاغتراب في إقامة منشآت داخل المدينة استدعى البحث عن مساحات جديدة لاستيعاب الطلبات، مشيراً إلى أن مشروع التوسعة يأتي استجابة لهذه الحاجة، في ظل الدور الصناعي والاقتصادي الذي تؤديه مدينة باب الهوى الصناعية في محافظة إدلب والشمال السوري.
وذكر أن المرحلة الأولى من التوسعة، التي تقدر مساحتها بنحو 36 هكتاراً، ستنعكس على القطاعين الصناعي والتجاري، لافتاً إلى أن محافظة إدلب شهدت خلال السنوات الخمس الأخيرة توسعاً في النشاط الصناعي، وأصبح القطاع أحد ركائز النشاط الاقتصادي في المحافظة، من خلال توفير آلاف فرص العمل للعمال والفنيين والمهندسين المختصين، وتنشيط الحركة التجارية عبر طرح منتجات المصانع في الأسواق المحلية.
كما أشار إلى أن المدينة الصناعية ترتبط بأوتوستراد باب الهوى–إدلب باتجاه دمشق، وصولاً إلى معبر نصيب على الحدود الجنوبية لسوريا، ما يمنحها موقعاً مهماً في حركة سلاسل التوريد والتصدير من المدينة وإليها.
كذلك لفت إلى أن استمرار نمو الحركة الصناعية والتجارية في مدينة باب الهوى الصناعية قد يفتح المجال خلال المرحلة المقبلة لتنفيذ مشاريع في قطاع النقل، تشمل الطرق والجسور والأنفاق والعقد المرورية، بما يسهم في تسهيل حركة البضائع والشاحنات وتحسين الربط مع مختلف المناطق.
وحول الصعوبات التي تواجه مشروع التوسعة، أوضح الخطيب أن العمل يجري على معالجة عدد من التحديات، في مقدمتها وجود مخيمات في محيط المدينة الصناعية وعلى مقربة منها، مشيراً إلى عودة نازحين من عدد منها إلى بلداتهم وقراهم، فيما تنسق إدارة المدينة مع مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل لمعالجة هذا الملف، تمهيداً للاستفادة من المواقع في مراحل التوسعة اللاحقة.
وأردف أن طبيعة التضاريس تشكل تحدياً آخر أمام التوسعة، نتيجة وجود مناطق وعرة وكتل صخرية شديدة القساوة، ما يتطلب استخدام معدات ثقيلة ومتخصصة لاستصلاح الأراضي وتجهيز مقاسم صناعية مستوية قابلة للطرح للاستثمار.
وتقع مدينة باب الهوى الصناعية في منطقة سرمدا بريف إدلب الشمالي، على مسافة تقارب خمسة كيلومترات من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، وهو موقع يربط نشاطها الصناعي بحركة النقل والتجارة عبر الحدود.
ويمكن لتوسعة المدن الصناعية واستقبال مشاريع إنتاجية جديدة أن ينعكسا على قطاعات مرتبطة بالنشاط الصناعي، ومنها النقل والخدمات والصيانة والتخزين والتسويق، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة.
وفي حلب، تستند فرص التوسع الصناعي إلى القاعدة الإنتاجية الموجودة في مدينة الشيخ نجار الصناعية، والخبرات المتراكمة لدى الصناعيين والعمال، إضافة إلى موقع المحافظة وقربها من الحدود التركية.
ويرى الباحث الاقتصادي فراس شعبو، في تصريح خاص لـ«الثورة السورية»، أن أهمية سوريا الاقتصادية والجغرافية تتجاوز كونها سوقاً مجاورة لتركيا، نظراً إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط جنوب تركيا بأسواق سوريا والعراق والأردن ودول الخليج.
وأشار شعبو إلى أن حجم الوفود التركية وتواتر الزيارات يعكسان اهتماماً متزايداً بتطوير التعاون في مجالات الاستثمار والنقل والجمارك والمعابر، لافتاً إلى وجود هدف لرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 10 مليارات دولار.
وبيّن أن أهمية الوصول إلى هذا الرقم ترتبط بهيكلية التبادل التجاري ونوعية السلع المتبادلة، مؤكداً ضرورة توجيه الاستيراد نحو الآلات وخطوط الإنتاج ومستلزمات الصناعة التي تسهم في زيادة الإنتاج، والحد من التركيز على السلع الاستهلاكية والكمالية.
وشدد شعبو على أن حلب تمثل قاعدة صناعية مهمة وسوقاً قريبة من تركيا، ما يمنحها فرصاً للاستفادة من الاستثمارات في تطوير الصناعات وخفض تكاليف النقل، وفتح مجالات جديدة في قطاعات النسيج والزراعة والصناعات المرتبطة بها، كما أكد ضرورة منح الآلات والمعدات ومستلزمات الإنتاج أولوية في السياسة الجمركية، إلى جانب توفير حماية مؤقتة للصناعة السورية خلال مرحلة التعافي، وربطها بتحسين الجودة وخفض التكاليف ورفع القدرة التنافسية.
وأكد الباحث أن نجاح التعاون الاقتصادي يرتبط بتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع إنتاجية تسهم في تنشيط الصناعة السورية وتوفير فرص العمل، وتعزيز قدرة حلب على استعادة دورها قاعدةً صناعية وتجارية رئيسية.
ومن الشيخ نجار إلى باب الهوى، تتجه خطوات التعاون الاقتصادي بين سوريا وتركيا نحو الاستثمار في المدن الصناعية وتطوير المعابر وتسهيل حركة التجارة والنقل. وتبقى استفادة الصناعة السورية من هذه التحركات مرتبطة بقدرتها على استقطاب مشاريع إنتاجية، وخفض تكاليف التشغيل والنقل، وتوسيع وصول المنتجات السورية إلى الأسواق المحلية والإقليمية.
ورد الشهابي
المصدر: الثورة السورية
