بدأت سوريا خطوات عملية في مجال الدفع الإلكتروني مع تنفيذ أولى عمليات الدفع باستخدام بطاقات دولية، بالتوازي مع تنظيم خدمات الدفع والتحول الإلكتروني، والعمل على استكمال المتطلبات التشريعية والفنية وتطوير البنية التحتية.
و جاء استخدام الرئيس أحمد الشرع بطاقة “فيزا” في 27 آب لإجراء عملية دفع في أحد أسواق دمشق، وتنفيذ حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان عملية شراء باستخدام بطاقة “ماستركارد”، مؤشراً على بدء التطبيق الفعلي لقبول المدفوعات الدولية بعد سنوات من توقفها.
من قرار السماح إلى أولى عمليات الدفع
نفذ رسلان عملية الدفع باستخدام بطاقة “ماستركارد” بالتعاون بين مصرف سوريا المركزي ومجموعة QNB سوريا وشركة “ماستركارد”، عبر شراء من أحد المتاجر المحلية، في خطوة انتقلت بخدمة قبول المدفوعات الدولية من مرحلة الإعداد إلى الاستخدام الفعلي.
وأكد رسلان أن الخطوة تمثل محطة مهمة في تحديث منظومة الدفع في سوريا، وتتيح التوسع التدريجي في قبول البطاقات الدولية وتوسيع خيارات الدفع، بما يدعم النشاط التجاري والاقتصادي ويعزز الاعتماد على القنوات الرسمية والإلكترونية.
وكان مصرف سوريا المركزي أصدر في أيار الماضي قراراً سمح للمؤسسات المالية المصرفية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة بالتعامل مع شبكات الدفع العالمية، ومنها “فيزا” و”ماستركارد”، ما مهّد لتطوير خدمات قبول المدفوعات الدولية في السوق السورية.
هل تغير البطاقات الدولية طريقة الإنفاق في سوريا؟
ويرى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل أن أهمية الخطوة لا تقتصر على وسيلة دفع جديدة، بل يمكن أن تمتد آثارها، مع توسع الخدمة، إلى النشاط التجاري والسياحي والمالي.
وأوضح أن قبول البطاقات الدولية يمكن أن يوفر مرونة أكبر للزوار والمغتربين في الإنفاق على الفنادق والمطاعم والمنشآت التجارية، ويقلل الحاجة إلى حمل النقد وتبديله، مشيراً إلى أن اتساع استخدام هذه القنوات قد يعزز حركة الأموال ضمن النظام المالي الرسمي.
ويربط المغربل أهمية تطور خدمات الدفع وبين انخفاض المخاطر القانونية والمصرفية المرتبطة بالتعامل مع سوريا، معتبراً أن ذلك يمكن، مع استكمال الانفتاح المالي وتطور المنظومة المصرفية، أن يساعد في تسهيل التحويلات والتمويل وتهيئة ظروف أفضل لعودة البنوك المراسلة.
كما يرى أن مرور الحوالات وعائدات التصدير عبر القنوات المصرفية يمكن أن يزيد تدفق القطع الأجنبي ضمن النظام المالي الرسمي، ويوفر إمكانية أكبر لتوجيهه نحو تمويل التجارة والاستثمار والإنتاج، إلا أن تحقق هذه الآثار يبقى مرتبطاً بمدى انتشار الخدمات وتطور البيئة المصرفية والاقتصادية.
الدفع الإلكتروني خيار إضافي
ولا تعني هذه الخطوات أن سوريا تتجه حالياً إلى إلغاء التعامل النقدي، إذ ما زالت تجربة الدفع الإلكتروني في مراحلها الأولى.
وأوضح المدير المشرف في لجنة إدارة المصرف عمر الحلبي أن نظام الدفع والتحويل الإلكتروني لا يستهدف إلغاء النقد، وإنما توفير أدوات دفع إضافية وموثوقة تتيح للمواطنين خيارات أوسع وأسهل.
ويأتي ذلك في إطار القرار رقم 1124 الصادر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، الذي اعتمد نظام الدفع والتحول الإلكتروني ووضع إطاراً لتنظيم خدمات الدفع والتحويل في سوريا.
ماذا ينظم القرار 1124؟
ينظم عمل ثلاثة أنواع رئيسية من الجهات، وهم مقدمو خدمات الدفع، ومصدرو النقود الإلكترونية، ومشغلو أنظمة الدفع، بما يتيح تطوير خدمات مالية إلكترونية ضمن إطار تنظيمي ورقابي.
كما يتيح “المختبر التنظيمي” اختبار الخدمات والتقنيات المالية المبتكرة ضمن بيئة منظمة قبل منح الخدمات المستوفية للشروط التراخيص اللازمة.
وأوضح الحلبي أن هذا الإطار يمكن أن يشمل تقنيات مالية جديدة، بما فيها النقود الرقمية والمشفرة والأصول الرقمية، وفق الضوابط والمعايير التي يحددها المصرف.
المحافظ والحوالات.. ماذا بعد؟
ويتيح النظام للشركات المستوفية للشروط تقديم خدمات الدفع والنقود الإلكترونية، بالتوازي مع توفيق أوضاع الخدمات القائمة وفق المتطلبات القانونية والتنظيمية.
وفيما يتعلق بالمحافظ الإلكترونية، ومنها تطبيق “شام كاش”، أوضح الحلبي أن النظام يتيح المنافسة أمام الشركات التي تستوفي شروط الترخيص، مع إخضاع الخدمات القائمة للضوابط المحددة.
كما يفتح الإطار الجديد المجال لتطوير أدوات إلكترونية لاستقبال الحوالات الخارجية، إلا أن وصول الحوالات مستقبلاً إلى المحافظ أو أدوات الدفع الإلكترونية يتطلب استكمال المتطلبات الفنية والتنظيمية.
من البطاقات الدولية إلى البطاقات السورية خارج البلاد
ولا يعني بدء قبول البطاقات الدولية داخل سوريا أن البطاقات السورية أصبحت قابلة للاستخدام خارج البلاد، إذ يتطلب ذلك استكمال خطوات فنية وتنظيمية ودخول الخدمات السورية ضمن الأطر المعتمدة لدى شبكات الدفع الدولية.
وأوضح الحلبي أن مواءمة منظومة الدفع السورية مع المعايير العالمية تمثل بداية الطريق، فيما يتطلب الوصول إلى مراحل أوسع استكمال المتطلبات الفنية والتنظيمية.
لماذا لن يكفي قرار واحد لتوسيع الدفع الإلكتروني؟
ويحتاج توسع الدفع الإلكتروني إلى تطوير شبكات نقاط البيع وربط مزيد من المؤسسات المالية، إلى جانب تحسين الاتصالات والإنترنت والكهرباء والبنية الرقمية.
وبالتوازي، يعمل مصرف سوريا المركزي على إعداد التعليمات التنفيذية للقرار 1124، بما يشمل المتطلبات المالية والتقنية وحماية البيانات والأمن السيبراني وضمان أموال المستخدمين، تمهيداً لفتح باب التراخيص الجديدة وتوفيق أوضاع الشركات القائمة.
وتشير أولى عمليات الدفع باستخدام “فيزا” و”ماستركارد” إلى بدء مرحلة عملية في تحديث منظومة الدفع في سوريا، لكنها لا تعني اكتمال التحول إلى الدفع الإلكتروني أو تراجع التعامل النقدي على نطاق واسع.
ويبقى اتساع التجربة مرتبطاً باستكمال الإطار التنظيمي، وتطوير البنية التحتية، وزيادة نقاط قبول البطاقات، وتوفير خدمات آمنة ومستقرة، بما يجعل الدفع الإلكتروني خياراً إضافياً قابلاً للتوسع إلى جانب النقد.
المصدر: سانا
