اقتصاد الأشياء المنسية .. ثروات ضخمة تختبئ داخل منازلنا

زمن القراءة: 8 دقائق

لم يكن أثمن ما في أحد منازل كاليفورنيا محفوظاً داخل خزنة، بل ظل لسنوات تحت صحف قديمة في صندوق من الورق المقوى كان متواجدًا في أحد أركان المنزل.

وعندما شرع ثلاثة أشقاء في إخلاء منزل والدتهم الراحلة، عثروا على نسخة نادرة بحالة ممتازة من العدد الأول من سلسلة سوبرمان المصورة، الصادر عام 1939. وفي نوفمبر 2025، بيعت النسخة مقابل مبلغ قياسي بلغ 9.12 مليون دولار.

قد تكون مثل هذه الاكتشافات استثنائية، لكن الظاهرة الأوسع ليست كذلك؛ إذ تحتوي المنازل على مخزونات هائلة من الأشياء المنسية مثل الملابس والإلكترونيات والكتب والأرصدة مسبقة الدفع التي لا يستخدمها أصحابها ولا يتعاملون معها باعتبارها أصولًا ذات قيمة.

وعلى خلاف المدخرات والعقارات، لا تظهر هذه الممتلكات في حسابات ثروات الأسر، ولا تتكشف قيمتها إلا عندما يفتش أحدهم درجًا قديمًا، أو يتحقق من سعر منتج في سوق إعادة البيع، أو يفتح صندوقًا ظل منسيًا لسنوات.

ثروات خفية خلف الأبواب

تقدم اليابان واحدة من أبرز المحاولات لقياس هذه الثروة غير المرئية.

فقد عرّفت دراسة أجرتها منصة ميركاري عام 2025، تحت إشراف الباحثة “ناوكو كوغا” من معهد إن إل آي للأبحاث، الأصول الخفية بأنها الممتلكات القابلة لإعادة البيع التي ظلت دون استخدام لأكثر من عام.

وقدّرت الدراسة أن المنازل اليابانية تضم سلعًا من هذا النوع بقيمة 90.54 تريليون ين (نحو 579 مليار دولار)، بمتوسط 715 ألف ين (نحو 4570 دولارًا) للفرد.

ويكشف توزيع هذه الثروة المنزلية أنها لا تقتصر على التحف والمقتنيات النادرة؛ إذ استحوذت منتجات الأزياء على 33.6% من القيمة المقدرة، تلتها مستلزمات الهوايات والترفيه بنسبة 22.2%.

وجاءت الكتب والموسيقى والألعاب بنسبة 21.2%، والأثاث والأجهزة والأدوات المنزلية بنسبة 20%، فيما مثلت منتجات التجميل والصحة النسبة المتبقية البالغة 2.9%.

وامتلك الأشخاص في الستينيات من العمر أصولًا خفية تزيد قيمتها في المتوسط على مليون ين (نحو 6400 دولار أمريكي)، أي نحو ضعف القيمة المقدرة لدى الأشخاص في العشرينيات.

كما قدّرت الدراسة أن السلع التي يُحتمل أن يتخلص منها أصحابها خلال حملات التنظيف السنوية للمنازل تصل قيمتها إلى 9.94 تريليون ين (نحو 63.6 مليار دولار أمريكي)، أو نحو 89 ألف ين (نحو 570 دولارًا) للفرد.

ووصفت “كوغا” عمليات التنظيف هذه بأنها فرصة “لإعادة تقييم الأصول الموجودة في حياتنا”.

درج التكنولوجيا.. منجم تتراجع قيمته

تمثل الهواتف المحمولة أحد أبرز الأمثلة عالميًا على الثروة المنزلية المعطلة. ففي عام 2025، قدّرت رابطة جي إس إم إيه وجود ما بين 5 مليارات و10 مليارات هاتف غير مستخدم داخل المنازل حول العالم.

وتحتوي هذه الأجهزة مجتمعة على نحو 100 ألف طن من النحاس، و7 ملايين أوقية من الذهب، ومليون أوقية من البلاديوم، بقيمة إجمالية للمواد تبلغ قرابة 20 مليار دولار أمريكي.

غير أن إعادة التدوير تسترد الحد الأدنى من القيمة، بينما يمكن بيع الأجهزة الصالحة للعمل أو تجديدها وإعادة استخدامها.

ووجدت دراسة استشهدت بها منظمة ماتيريال فوكس البريطانية أن المنازل في المملكة المتحدة تضم 20.7 مليون جهاز تقني غير مستخدم، لكنه لا يزال صالحًا للعمل، بقيمة محتملة لإعادة البيع تبلغ 5.63 مليار جنيه إسترليني (نحو 6.25 مليار دولار أمريكي).

وقدّرت الدراسة أن الأسرة الواحدة يمكنها جمع نحو 200 جنيه إسترليني (نحو 222 دولارًا) في المتوسط من بيع أجهزتها غير المرغوب فيها.

وفي الوقت نفسه، يوجد 18.6 مليون جهاز معطل يمكن إدخاله في منظومة إعادة التدوير.

كما أحصت الدراسة 11.7 مليون حاسوب محمول و9.17 مليون جهاز لوحي يمكن بيعها أو إعادة تدويرها.

ثروات معلقة في خزائن الملابس

قد تبدو قيمة قطعة الملابس الواحدة محدودة، لكن العدد الكبير من القطع يحوّل خزائن الملابس إلى مخزونات ضخمة.

فقد أظهرت دراسة أجرتها منظمة راب، وشملت 6 آلاف شخص بالغ في بريطانيا، أن الفرد يمتلك في المتوسط 118 قطعة ملابس، لم يرتدِ منها 31 قطعة خلال العام السابق.

ويعني ذلك أن 26% من محتويات خزانة الملابس النموذجية غير مستخدمة. وسجلت التنانير أعلى معدل لعدم الاستخدام بنسبة 44%، تلتها الفساتين بنسبة 43%.

ولم يكن التلف وحده سبب عدم استخدام هذه الملابس؛ إذ شملت الأسباب الشائعة أيضًا الاحتفاظ بها للمناسبات الخاصة، أو تغيّر المقاس، أو استمرار الإعجاب بها من دون أن تكون ضمن الخيارات المفضلة للارتداء.

كما أفاد 39% من المشاركين بأن خزائنهم غير منظمة، ما يشير إلى أن بعض الممتلكات تصبح منسية لأن أصحابها لم يعودوا قادرين على رؤية كل ما لديهم أو تذكره.

وتتوقع أبحاث شركة جلوبال داتا، المعدة لصالح منصة ثريد أب، وصول قيمة سوق الملابس المستعملة عالميًا إلى 393 مليار دولار بحلول عام 2030، مع نموها بوتيرة تعادل ضعف معدل نمو سوق الملابس الأوسع.

وفي الوقت نفسه، أظهر تقرير إعادة التجارة الصادر عن إيباي لعام 2025 أن 86% من البائعين الذين شملهم الاستطلاع بدأوا نشاطهم ببيع مقتنيات من منازلهم. وقال 81% من المستهلكين المشاركين إن توفير المال هو السبب الرئيسي لشراء السلع المستعملة.

أموال منسية في جيوب الشركات

لا تحتاج بعض أشكال القيمة الخفية إلى العثور على مشترٍ من الأساس. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة بانكريت وشمل 2373 شخصًا بالغًا في الولايات المتحدة، أن 43% منهم يمتلكون بطاقة هدايا أو قسيمة شراء أو رصيد متجر واحدًا على الأقل لم يستخدموه.

وبين أصحاب الأرصدة غير المستخدمة، بلغ متوسط القيمة 244 دولارًا للفرد، إذ سبق لأكثر من ثلث المشاركين أن فقدوا أموالًا بسبب انتهاء صلاحية إحدى البطاقات، أو ضياعها، أو تعذر استخدامها بعد إغلاق الشركة المصدرة لها.

وتترتب على هذه الأرصدة المنسية نتائج مالية قابلة للقياس لشركات التجزئة؛ إذ سجلت ستاربكس في نهاية السنة المالية 2025 إيرادات مؤجلة بقيمة نحو 1.75 مليار دولار، مرتبطة ببطاقات القيمة المخزنة وبرنامج الولاء التابع لها.

وخلال العام نفسه، سجلت الشركة إيرادات بلغت 222.4 مليون دولار تحت بند «الأرصدة غير المستخدمة»، وهو جزء من الأموال مسبقة الدفع الذي تتوقع الشركة عدم استخدامه مطلقًا.

وهكذا، يمكن لما يبدو للعميل مجرد بطاقة منسية أو رصيد مهمل داخل أحد التطبيقات أن يتحول في النهاية إلى إيرادات للشركة التي أصدرته.

لا يحتوي كل منزل على مجلة مصورة نادرة تساوي ملايين الدولارات، كما لا ينبغي التعامل مع التقديرات القائمة على أسعار إعادة البيع باعتبارها سيولة متاحة فورًا.

لكن البيانات تكشف عن ميزانية موازية ضخمة داخل المنازل العادية، تضم أصولًا تتراجع قيمتها، أو تضيع، أو تتحول إلى إيرادات للشركات طالما بقيت منسية.

لذلك، لا تكمن الثروة فقط فيما تمتلكه الأسر، بل فيما تستطيع اكتشافه وتقييمه وإعادته إلى الدورة الاقتصادية قبل أن يسبقها الزمن.

المصادر: ميركاري- دار هيريتج للمزادات- رابطة جي إس إم إيه- ماتيريال فوكس- منظمة راب- ثريد أب وجلوبال داتا- إيباي- بانكريت- ستاربكس

آخر الأخبار