العالم الاقتصادي- روعة غنم:
بحثت المائدة المستديرة للأعمال السورية– الألمانية في دمشق، فرص الانتقال بالعلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى مرحلة جديدة، تتجاوز استعادة التواصل التجاري إلى بناء شراكات استثمارية وصناعية تستند إلى الخبرة والتكنولوجيا ورأس المال، بما يواكب احتياجات الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وحملت النقاشات رسائل متقاطعة من الجانبين بشأن أهمية تحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مع بروز قطاعات الطاقة والمياه والكهرباء والبنية التحتية والصناعة والصحة والتعليم والزراعة والنفط ضمن أبرز مجالات التعاون المطروحة.
وفي هذا السياق، تبرز خصوصية العلاقة السورية– الألمانية في وجود رصيد من العلاقات الاقتصادية السابقة، إلى جانب الكفاءات السورية التي راكمت خبرات مهنية وأكاديمية في ألمانيا، بما يفتح المجال أمام صيغة تعاون تجمع بين التكنولوجيا والخبرة الألمانية والقدرات والكفاءات السورية.
الاستثمار الخاص.. ركيزة لإعادة الإعمار
وقال سكرتير الدولة في الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية نيلز آنين في تصريح لـ«العالم الاقتصادي»: إن المائدة المستديرة عكست التزاماً كبيراً من الحكومة والقطاع الخاص في البلدين بالعمل معاً، معرباً عن تفاؤله بالتقدم الذي تشهده سوريا وبالفرص التجارية المتاحة أمام الشركات الألمانية.
وأوضح آنين أن حجم الاحتياجات المرتبطة بإعادة الإعمار، بعد ما تعرضت له المساكن والبنية التحتية خلال سنوات الحرب، يتطلب جهداً واسعاً يتجاوز قدرات التمويل العام، ما يجعل رأس المال والاستثمار الخاصين عنصراً أساسياً في المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن ألمانيا ملتزمة بدعم سوريا، لافتاً إلى خبرتها في عدد من القطاعات التي يمكن أن تشكل مجالات للتعاون، وفي مقدمتها المياه والإسكان والتعليم والزراعة والصحة.
وبيّن أن التعاون التنموي الألماني استثمر في قطاع المياه، بينما توجد فرص لدعم إعادة بناء المساكن، إلى جانب العمل في مجالات التعليم والزراعة والصحة.
ولفت آنين إلى أهمية الاستفادة من الكفاءات السورية الموجودة في ألمانيا، ولا سيما العاملين في المجال الطبي، ممن يرغبون في المساهمة بخبراتهم في دعم بلدهم.
وفي إطار تعزيز الحضور المؤسسي الألماني في سوريا، أشار إلى افتتاح «البيت الألماني» في دمشق، الذي يضم شركاء رئيسين في التعاون الألماني، بينهم بنك الائتمان لإعادة الإعمار KfW والوكالة الألمانية للتعاون الدولي GIZ، معتبراً أن الخطوة مهمة لمواصلة التعاون وزيادته.
الخبرات والكفاءات.. جسر لإعادة بناء العلاقات

وقال رئيس مجلس العلاقات السورية الألمانية وليد سحاري، في تصريح لـ«العالم الاقتصادي»: إن اللقاء يأتي ضمن سلسلة من اللقاءات التي تهدف إلى تكريس عودة العلاقات بين سوريا وألمانيا وإعادتها إلى إطار أكثر فاعلية، والاستفادة من التحولات التي شهدتها السنوات الماضية.
وأوضح سحاري أن العلاقات الاقتصادية السورية– الألمانية ليست جديدة، إذ شهدت خلال عقود حضوراً ألمانياً في عدد من القطاعات السورية، بينها الطاقة والصناعة والصحة والصناعات الكيميائية، معتبراً أن المرحلة الحالية تتيح إعادة بناء هذه العلاقات على أسس جديدة تقوم على المصالح المشتركة.
وأشار إلى أن وجود أعداد كبيرة من السوريين في ألمانيا، خلال السنوات الماضية، أوجد، على الرغم من الظروف التي رافقت هذه المرحلة، رصيداً من الخبرات والمعارف والمهارات التي يمكن الاستفادة منها- اليوم- في تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وبيّن أن الجمع بين الخبرات السورية المتراكمة في ألمانيا والتكنولوجيا والخبرة الصناعية الألمانية يمكن أن يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة تحقق منفعة متبادلة، بدلاً من اقتصار التعاون على العلاقات التجارية التقليدية.
ولفت سحاري إلى اهتمام الشركاء الألمان بعدد من القطاعات، وفي مقدمتها الطاقة والتعليم والصحة، إلى جانب إمكانية التعاون في القطاع النفطي، مشيراً في المقابل إلى أن الجانب السوري يتطلع بصورة خاصة إلى الاستفادة من التكنولوجيا الألمانية ونقل الخبرات والمعرفة إلى الاقتصاد السوري.
وأكد أن الكفاءات السورية الموجودة في ألمانيا، إلى جانب الخبرات الموجودة داخل سوريا، يمكن أن تشكل قاعدة بشرية مهمة للمشاريع المشتركة، وتؤدي دوراً في ربط الإمكانات الاقتصادية والتقنية لدى الطرفين.
وفي هذا الإطار، دعا سحاري الخبرات السورية إلى العودة والمساهمة في إعادة بناء بلدها، مشيراً إلى أن انتظار اكتمال الظروف المثالية ليس شرطاً للبدء، بل يمكن للكفاءات العائدة أن تكون جزءاً من صناعة البيئة المناسبة والمساهمة في تطويرها.
قطاعات حيوية على خريطة التعاون

وقال عضو مجلس إدارة مجلس الأعمال السوري الألماني والخبير التقني والأكاديمي نضال ظريفة، في تصريح لـ«العالم الاقتصادي»: إن المائدة تأتي ضمن سلسلة من الفعاليات التي ينظمها المجلس بهدف تكثيف التعاون التجاري والاقتصادي بين سوريا وألمانيا، بالتزامن مع مشاركة ألمانيا كضيف شرف في معرض دمشق الدولي.
وأوضح ظريفة أن اللقاء شهد حضوراً رسمياً واقتصادياً من الجانبين، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات الألمانية المعنية بالتنمية والاستثمار، ومنها BMZ وGIZ وKfW، إضافة إلى مشاركة شركات سورية وألمانية مهتمة بالتعاون المشترك.
وأشار إلى أن المجلس يركز على القطاعات التي تتمتع فيها ألمانيا بخبرات مميزة، وتشكل في الوقت نفسه احتياجات أساسية للاقتصاد السوري، وفي مقدمتها الطاقة والمياه والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي والكهرباء، إلى جانب الثروة الحيوانية والهندسة الكيميائية والتعليم.
وبيّن أن الجلسة الحوارية جمعت ممثلين عن الجهات الرسمية والاقتصادية من البلدين، بينما أتاحت اللقاءات المباشرة بين الشركات والجهات المشاركة فرصة لبحث مجالات التعاون بصورة أكثر تحديداً.
وأكد أن الهدف يتمثل في تعزيز التواصل بين القطاعين العام والخاص، والانتقال من طرح فرص التعاون إلى تطوير شراكات ومشاريع يمكن تنفيذها على أرض الواقع.
التكنولوجيا بوابة للتكامل الصناعي

وقال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان في تصريح لـ«العالم الاقتصادي»: إن خصوصية العلاقة مع ألمانيا تفتح فرصاً واسعة للتعاون، بالنظر إلى المكانة الصناعية والتكنولوجية التي تتمتع بها، وإلى حاجة الصناعة السورية للتوسع والتطوير.
وأوضح ديروان أن تطوير الاقتصاد السوري يتطلب توسيع المصانع والقطاعات الإنتاجية ورفع كفاءتها، مشيراً إلى أن الاستفادة من التكنولوجيا والمعرفة الألمانية يمكن أن تشكل عاملاً مهماً في هذا المسار.
ولفت إلى أن وجود عدد كبير من السوريين الذين اكتسبوا اللغة والخبرة في ألمانيا يمثل عاملاً إضافياً يمكن توظيفه في بناء جسور اقتصادية وصناعية بين البلدين، إلى جانب الجانب الاجتماعي والثقافي الذي يميز العلاقة بينهما.
وطرح ديروان نموذجاً للتكامل الصناعي يقوم على توزيع مراحل الإنتاج بين سوريا وألمانيا، بحيث تبقى المراحل ذات التقنية العالية في ألمانيا، بينما يمكن تنفيذ مراحل أخرى من التصنيع في سوريا، بما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج، ورفع القدرة التنافسية.
وأوضح أن هذا النموذج يمكن أن يمنح الشركات الألمانية فرصة للاستفادة من إمكانات التصنيع في سوريا، مع الحفاظ على مستوى التكنولوجيا والجودة، وفتح المجال أمام منتجات مشتركة للوصول إلى أسواق جديدة.
ويرى ديروان أن اتساع الاقتصاد السوري، خلال المرحلة المقبلة، سيولد فرصاً استثمارية كبيرة في مختلف القطاعات، داعياً إلى تكثيف اللقاءات بين الشركات السورية والألمانية وتحويلها إلى مشاريع وشراكات طويلة الأمد.
من الحوار إلى شراكات قابلة للتنفيذ
تُظهر مداخلات المشاركين أن التعاون السوري– الألماني المطروح لا يقف عند استعادة العلاقات التجارية، بل يتجه نحو صيغة أوسع تجمع الاستثمار والتكنولوجيا ونقل الخبرات والتكامل الصناعي.
وتلتقي الرؤى السورية والألمانية عند أهمية القطاع الخاص في المرحلة المقبلة، مع وجود حاجة سورية واسعة لإعادة تأهيل البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية والخدمية، مقابل امتلاك الشركات والمؤسسات الألمانية خبرات تقنية وتنموية يمكن توظيفها في هذه المجالات.
كما تبرز الكفاءات السورية في ألمانيا كعنصر إضافي في هذه المعادلة، بما يمكن أن يحول الروابط البشرية والمعرفية القائمة بين البلدين إلى قيمة اقتصادية ومشاريع مشتركة.
ومع انتقال النقاش إلى طاولات متخصصة ولقاءات مباشرة بين الشركات والجهات الرسمية والاقتصادية، ولا سيما في قطاعي المياه والطاقة، يصبح التحدي الأساسي هو تحويل هذا الزخم إلى استثمارات فعلية وشراكات صناعية ونقل حقيقي للتكنولوجيا والخبرات.
فنجاح المسار السوري– الألماني لن يقاس بعدد اللقاءات التي تجمع الطرفين، بقدر ما سيقاس بقدرته على إنتاج مشاريع ذات أثر اقتصادي؛ تدعم تعافي الصناعة والخدمات في سوريا؛ وتفتح في الوقت نفسه أمام الشركات الألمانية فرصاً جديدة للنمو والشراكة.
