استئناف الإنتاج في «كونيكو».. خطوة تعزز إمدادات الغاز المحلية

زمن القراءة: 8 دقائق

يستعيد الغاز المحلي تدريجياً دوره مع استئناف الضخ من معمل الطابية (كونيكو) بريف دير الزور، في خطوة تكتسب أهمية اقتصادية لارتباطها بإمدادات الكهرباء وتكاليف التوليد، وانعكاساتها المحتملة على النشاط الصناعي والإنتاجي وفاتورة الاستيراد، فيما يتوقف حجم أثرها على مستويات الإنتاج وجاهزية المنشآت المرتبطة بالحقل.

وتأتي عودة «كونيكو» إلى العمل بعد سنوات من الأضرار التي لحقت بمنشآته، بالتزامن مع أعمال إعادة التأهيل التي شملت معمل غاز الطابية ومنظومة إرسال الغاز.

وأمس، أعلنت الشركة السورية للبترول تشغيل وحدة الإنتاج والمعالجة المبكرة للغاز في حقل الطابية (كونيكو)، بعد إعادة تأهيلها بالكامل بجهود كوادر الشركة وبمشاركة شركات محلية، خلال نحو شهرين ونصف الشهر، تمهيداً لاستعادة إنتاج الغاز ورفده بمنظومة الطاقة الوطنية.

وشملت الأعمال إعادة تأهيل محطة لإنتاج ومعالجة الغاز باستخدام عدد من معدات معمل الطابية سابقاً، بما يتيح فصل المياه والمكثفات الغازية وتجفيف الغاز ليصبح جاهزاً للضخ باتجاه منشآت المنطقة الوسطى في محافظة حمص لاستكمال عمليات المعالجة.

وبالتوازي مع تأهيل معدات المحطة، جرى إعادة تأهيل خط نقل الغاز الممتد من معمل الطابية باتجاه تدمر، واستكمال الجزء الناقص منه بطول نحو 5 كيلومترات وبقطر 18 إنشاً، وإصلاح الصمامات المقطعية، ليصبح الخط جاهزاً لنقل الغاز.

وكانت كوادر الشركة قد أنجزت الأعمال الميكانيكية في المعمل، وبدأت منذ 25 آب الماضي الاختبارات التشغيلية، عقب إيقاد الشعلة وإجراء عمليات ضغط الغاز للتحقق من جاهزية الدارات والمعدات.

ومع استئناف الضخ، تتجه الجهود إلى مواصلة تأهيل المنشآت ورفع طاقتها التشغيلية تدريجياً، بالتوازي مع تأمين الاستثمارات اللازمة لتطوير الحقل والبنية التحتية المرتبطة به، بما يعزز إمدادات الغاز الموجهة إلى الكهرباء والقطاعات الاقتصادية الأخرى.

أهمية «كونيكو»

يُعد «كونيكو» من أبرز حقول الغاز في دير الزور، ويضم معملاً لمعالجة الغاز صُمم بطاقة تصل إلى نحو 13 مليون متر مكعب يومياً. وشملت عمليات المعالجة فصل مكونات الغاز والاستفادة من الغاز القابل للاستخدام، فيما كان جزء منه يُعاد حقنه في المكامن للمحافظة على ضغطها، إلى جانب استخدام كميات أخرى في العمليات التشغيلية.

ويرتبط الحقل بمنظومة إنتاج الغاز في منطقة الجزيرة، أبرز مناطق إنتاج النفط والغاز في سوريا، فيما شملت منتجات معالجة الغاز، إلى جانب الغاز الطبيعي، غاز البترول المسال والمكثفات.

وكان توزيع إنتاج الغاز يعتمد على مستويات الإنتاج وطبيعة عمليات المعالجة، إذ خُصص جزء منه لإعادة الحقن في المكامن والمحافظة على ضغطها، وجزء آخر للاستخدامات التشغيلية، فيما وُجّه معظم الغاز المتاح إلى الاستهلاك المحلي، ولا سيما لتوليد الكهرباء، بينما صُدّرت بعض المنتجات الناتجة عن معالجة الغاز إلى الأسواق الخارجية.

تحسن مرتقب

رأى المحلل الاقتصادي الدكتور عبد المنعم الحلبي، أن تشغيل حقل «كونيكو» بطاقة تتراوح بين 40 و50 بالمئة من مستواه السابق يمكن أن يسهم في زيادة التغذية الكهربائية بنحو 25 بالمئة، الأمر الذي قد ينعكس على ساعات الكهرباء اليومية.

وأوضح الحلبي لـ«الثورة السورية» أن ساعات التغذية يمكن أن ترتفع من نحو 10 ساعات إلى ما بين 14 و15 ساعة يومياً، في حال تحققت مستويات الإنتاج المتوقعة واستمرت عمليات التأهيل والضخ وفق الخطط الموضوعة.

من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عيسى خليلو، أن استعادة وتأهيل منشآت النفط والغاز تمثل عاملاً أساسياً في معالجة فجوة الطاقة ودعم الاستقرار والتنمية، مؤكداً أن تأمين تدفقات مستقرة ومتزايدة من الغاز إلى محطات التوليد يمكن أن يحدث تحولاً ملموساً في واقع الشبكة الكهربائية.

وقال خليلو لـ«الثورة السورية» إن منشأة «كونيكو» تمتلك قدرة تصميمية تاريخية تصل إلى معالجة نحو 13 مليون متر مكعب يومياً من الغاز الخام والمرافق، فيما يمكن لتأمين تدفقات مستقرة تتراوح بين 4 و5 ملايين متر مكعب يومياً أن تتيح توليد ما بين 800 و1000 ميغاواط إضافية من الطاقة الكهربائية.

دور تاريخي

لفت الحلبي إلى أن حقل «كونيكو» كان قبل عام 2011 يسهم في تأمين نحو 50 بالمئة من احتياجات توليد الطاقة الكهربائية على مستوى الجغرافيا السورية، ما جعله أحد الركائز الأساسية لمنظومة الطاقة الوطنية.

واعتبر أن إعادة تأهيل ما أمكن من الحقل خلال الأشهر الماضية تمثل إنجازاً مهماً بعد سنوات من التوقف والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، رغم أن استعادة كامل الطاقة الإنتاجية السابقة لا تزال تحتاج إلى مزيد من أعمال التأهيل، ولا سيما مع تضرر عدد من الآبار.

ورجّح الحلبي أن تؤدي مواصلة أعمال التأهيل في حقل «كونيكو» ومعمل غاز الطابية خلال الفترة المقبلة إلى زيادة إضافية في حجم الإنتاج خلال فترة تتراوح بين 7 و9 أشهر، بما ينعكس مزيداً من التحسن على واقع التغذية الكهربائية.

مكاسب اقتصادية

تمتد آثار زيادة إنتاج الغاز، وفق الخبيرين، إلى تحسين إمدادات الكهرباء ودعم المالية العامة والنشاط الاقتصادي والقطاع الصناعي.

ورأى الحلبي أن زيادة الإنتاج يمكن أن تحقق عوائد اقتصادية للخزينة العامة، في ظل انخفاض تكاليف إنتاج الغاز ونقله مقارنة بالعوائد المتحققة من بيع الطاقة الكهربائية وفق مستويات التسعير الحالية.

بينما أشار خليلو إلى أن زيادة الاعتماد على الغاز المحلي تسهم في خفض فاتورة استيراد الفيول والمشتقات النفطية، وتقليل استنزاف العملات الأجنبية، بما يخفف الأعباء عن المالية العامة.

وبلغ إنتاج سوريا من الغاز الطبيعي النظيف خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 1.252 مليار متر مكعب، مقابل استهلاك محطات توليد الكهرباء نحو 2.059 مليار متر مكعب، فيما بلغت واردات الغاز الطبيعي خلال الفترة ذاتها نحو 1.016 مليار متر مكعب، إلى جانب استيراد نحو 1.5 مليون طن من النفط الخام.

ويسهم تحسن إمدادات الكهرباء والغاز في دعم المهن والحرف والمشروعات الإنتاجية والقطاع الصناعي، وفق الحلبي، من خلال خفض تكاليف الطاقة والحد من الاعتماد على المولدات الخاصة والوقود مرتفع التكلفة.

ولفت خليلو إلى أن انتظام تدفقات الغاز والكهرباء يمثل عاملاً مهماً لاستمرار عمل المدن الصناعية والمصانع، لا سيما الصناعات الثقيلة والحيوية التي تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة في عملياتها الإنتاجية.

كما يسهم خفض تكاليف الإنتاج في تعزيز تنافسية المنتجات السورية في السوق المحلية، ودعم قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية وزيادة فرص التصدير.

تحديات

أكد خليلو أن استعادة الطاقات الإنتاجية السابقة تواجه مجموعة من التحديات الفنية، تشمل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات التوقف الطويلة، وتضرر بعض الآبار، وتقادم المعدات في محطات التجميع، إضافة إلى الأضرار التي أصابت شبكات نقل الغاز.

وتواجه بعض المكامن الغازية أيضاً مشكلات مرتبطة بانخفاض الضغط الطبقي وغمر الصخور المنتجة بالمياه الجوفية، ما يتطلب استخدام تقنيات متطورة في أعمال الصيانة وإعادة التأهيل.

وتبرز التحديات المالية إلى جانب العقبات الفنية، إذ تتطلب إعادة تأهيل قطاع النفط والغاز استثمارات ضخمة تتجاوز قدرة الموازنة العامة على تحملها بمفردها.

من جهته، أشار الحلبي إلى وجود خطة وإطار عام لإعادة تأهيل كامل حقول النفط والغاز في سوريا، موضحاً أن تنفيذها يتطلب تمويلاً كبيراً، ومقدراً التكاليف المباشرة والأساسية بنحو 7 إلى 10 مليارات دولار.

وأضاف أن تكاليف أخرى مرتبطة بالعقود والشراكات والخبرات الفنية وحقوق الامتياز ترفع إجمالي الاحتياجات الاستثمارية لإعادة تأهيل حقول النفط والغاز السورية إلى نحو 20 مليار دولار على الأقل، بهدف إعادة القطاع إلى مستوياته السابقة قبل عام 2011.

ويتفق ذلك مع رؤية خليلو، الذي أوضح أن الشراكات الاستثمارية والاستفادة من الخبرات العالمية تمثلان مساراً ضرورياً لتسريع عمليات التنقيب والاستكشاف، وتأهيل خطوط النقل، وصيانة المنشآت والتوربينات الغازية المتوقفة.

وفي ضوء التحسن المتوقع في ساعات التغذية الكهربائية، وتخفيف فاتورة الاستيراد، ودعم الصناعة والأنشطة الإنتاجية، يمكن أن تمثل عودة «كونيكو» خطوة إضافية في مسار استعادة قطاع الطاقة.

إخلاص علي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار