شكّل ملف استرداد الأموال السورية المنهوبة والأصول المجمدة في الخارج إحدى الأولويات التي تعمل عليها دمشق منذ سقوط النظام المخلوع أواخر عام 2024، في ظل ما يمثله هذا الملف من استحقاق قانوني ومالي يرتبط بحقوق الشعب السوري في أموال خرجت من البلاد خلال عقود، وما يمكن أن تؤديه هذه الموارد من دور في دعم التعافي الاقتصادي وتمويل مشروعات إعادة الإعمار والتنمية، ضمن مسار يتطلب عملاً مؤسساتياً متكاملاً بين القضاء والهيئات الرقابية والمؤسسات المالية والدبلوماسية السورية والجهات الدولية المختصة.
وانتقل الملف تدريجياً من المطالبات السياسية والحقوقية إلى مسار أكثر تنظيماً، يجمع التتبع المالي والتحقيق القضائي والعمل الرقابي والتعاون الدبلوماسي الدولي، مع تمييز واضح بين أصول الدولة المجمدة بموجب العقوبات، والأموال المنهوبة التي جرى تهريبها عبر شركات وأسماء وحسابات وأصول موزعة في دول مختلفة.
وفي هذا السياق، نظم الوفد السوري المشارك في الاجتماع العام السابع للشبكة التشغيلية العالمية لسلطات إنفاذ القانون لمكافحة الفساد “GlobE Network” فعالية بعنوان “من استرداد الأصول إلى التعافي.. دعم العدالة الانتقالية وبناء السلام والتنمية في سوريا”، تناولت الآليات القانونية والمالية والدبلوماسية المطلوبة لاسترداد الأصول السورية وتوظيفها في دعم التعافي وإعادة إعمار البلاد.
وناقش المشاركون، تطوير التنسيق عبر الحدود وسبل الاستفادة من الأصول المستردة في دعم مسارات التعافي وإعادة الإعمار والتنمية في سوريا، ضمن مقاربة تربط مكافحة الفساد باستعادة الموارد التي خرجت من البلاد، وبناء منظومة قانونية قادرة على متابعة هذه الملفات أمام السلطات القضائية والمالية الأجنبية.
وانطلقت في مقر الأمم المتحدة في فيينا أعمال الدورة السابعة للشبكة بمشاركة مسؤولين وقادة في أجهزة مكافحة الفساد وإنفاذ القانون من 135 دولة، بينها سوريا، لبحث تعزيز التعاون الدولي وتطوير آليات العمل المشترك في مكافحة الفساد وغسل الأموال وتتبع الأصول المنهوبة واستردادها.
وشارك الوفد السوري برئاسة رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عامر العلي، وعضوية مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الداخلية العقيد عبد الرحيم جبارة، في النقاشات واللقاءات المرتبطة بتوسيع التعاون في مجالات مكافحة الفساد وإنفاذ القانون.
وعقد الوفد لقاءات مع ممثلين عن الجزائر وليبيا والإمارات العربية المتحدة، تناولت تبادل الخبرات والمعلومات في مكافحة الفساد وغسل الأموال واسترداد الأصول، كما التقى المنسق العام لمبادرة “ستار” المعنية باسترداد الأصول المنهوبة خارج حدود الدول، الدكتور بدر البنا، وبحث معه آليات التعاون الدولي والاستفادة من المبادرات والخبرات المتخصصة.
تتبع الأصول وبناء القدرات
وتتيح المشاركة السورية في هذه الاجتماعات، توسيع قنوات الاتصال مع الجهات الأمنية والقضائية والمالية المختصة في مكافحة الفساد، وتطوير آليات تبادل المعلومات، بما يعزز قدرة المؤسسات السورية على ملاحقة الأموال التي نُقلت إلى الخارج، وبناء ملفات قانونية قابلة للتعامل معها أمام القضاء والجهات الرقابية في الدول التي توجد فيها تلك الأصول.
وتعد “GlobE Network” مبادرة دولية تهدف إلى تعزيز التعاون المباشر والسريع بين الأجهزة الأمنية والقضائية المتخصصة بمكافحة الفساد، وأطلقت رسمياً في حزيران 2021 خلال الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وكشف مدير العلاقات العامة في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش هشام الخطيب عن جهود حكومية لاسترداد الأصول التي أخرجها أزلام النظام المخلوع إلى خارج البلاد، مؤكداً أن المشاركة السورية في المؤتمرات الدولية تساعد على التعرف إلى الإجراءات القانونية المطلوبة لاستعادة هذه الأموال.
وأوضح الخطيب، في تصريحات إعلامية في 29 آب، أن اجتماعات فيينا أسهمت في تثبيت حق دمشق في المطالبة بأصولها، والتعرف إلى المسارات القانونية التي تسمح بالشروع في إجراءات استردادها، مشيراً إلى دعم سعودي في الوصول إلى الآليات القانونية المطلوبة وإعادة توظيف الأموال في التنمية داخل سوريا.
وأكد أن هذه اللقاءات تتيح الاستفادة من تجارب دول مرت بظروف مشابهة، إلى جانب التدريب وتبادل المعلومات ضمن أطر قانونية دولية، بما يختصر الوقت والجهد، وشملت الاتصالات، بحسب الخطيب، جهات من ليبيا والجزائر وماليزيا، إضافة إلى دول توجد على أراضيها أموال وأصول سورية، بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا.
وكشف أن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش خصصت ضمن هيكليتها مكتباً لاسترداد الأصول، وأن كوادره تخضع للتدريب وتمتلك قاعدة بيانات موسعة تمهيداً للبدء بإجراءات الاستعادة وفق القانون الدولي.
وأشار إلى أن آلية العمل تتضمن زيارات خبراء وشخصيات متخصصة إلى سوريا لعقد اجتماعات تقنية وتنفيذ برامج تدريبية، إلى جانب زيارات لرئيس الهيئة وفريقها إلى جهات دولية معنية، بهدف نقل ملف استرداد الأموال إلى مرحلة التنفيذ العملي.
وأوضح أن الحكومة تعمل على أربعة ملفات رئيسة في مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة والشفافية، تشمل الإصلاح التشريعي والإجرائي، والتحول الرقمي، وإصلاح سلم الرواتب والمعاشات، وتطوير الكادر البشري في المؤسسات الحكومية، وكانت الهيئة قد رفعت في نهاية عام 2025 تقريراً إلى الرئاسة حول واقع المؤسسات الحكومية، تضمن توصيات مرتبطة بهذه الملفات.
أموال مجمدة وأصول منهوبة.. مساران مختلفان
وتركز اللقاءات التي أجراها الوفد السوري مع مسؤولين دوليين وأمميين على الآليات القانونية والقنوات المتاحة لتتبع الأموال المهربة واستردادها، وتوفير الدعم الفني وبناء القدرات في مكافحة الفساد والجرائم المالية، إلى جانب تنسيق الجهود المتعلقة بأموال الشعب السوري الموجودة خارج البلاد.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، أبدت منظمات متخصصة في استرداد الأصول استعدادها للتعاون مع السلطات السورية الجديدة في تعقب ثروات مرتبطة بعائلة الأسد والمقربين منها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “إنتيلجنس” الفرنسية، سعت جهات متخصصة إلى الحصول على تفويض للمشاركة في عمليات التتبع والاسترداد، استناداً إلى تجارب سابقة مرتبطة بأموال صدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا.
وقدّر تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية عام 2022 أموال عائلة بشار الأسد في الخارج بنحو ملياري دولار، موزعة ضمن شبكة من العقارات والمجوهرات والاستثمارات والأصول المدرة للدخل والمركبات، بينها عقارات في دبي وموسكو ولندن وفنادق في فيينا وسيارات وطائرة خاصة.
وفي نيسان 2025، طرحت وثيقة أممية أعدها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تصوراً يتعلق بأموال الدولة السورية المجمدة في أوروبا، والمقدرة بنحو 500 مليون دولار، يقوم على إشراف البرنامج على توجيه هذه الموارد نحو مشروعات داخل سوريا بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي.
وأشارت الوثيقة إلى أن الأصول السورية المجمدة في المصارف الأوروبية تمثل ملفاً مالياً وقانونياً معقداً، واقترحت آلية مؤسساتية عبر المنظومة الأممية لاستخدام الأموال في مشروعات تنموية وإعمارية بدلاً من الإفراج المباشر عنها، في ظل التعقيدات المتعلقة بملكية بعض الأصول والضمانات المرتبطة باستخدامها.
وفي تفسير الفرق بين أصول الدولة المجمدة والأموال المنهوبة، قال الخبير المالي والاقتصادي محمد ناصر حمو لـ”الثورة السورية”: إن الاختلاف الأساسي يرتبط بالملكية القانونية وبالجهة التي وضعت يدها على الأموال، وهو ما يحدد مسار استعادتها، وأوضح أن أصول الدولة المجمدة هي أصول عامة معلومة حُظرت بفعل العقوبات والقرارات الدولية، وأن استعادتها تمر أساساً عبر المسار الدبلوماسي والسياسي والإجراءات المرتبطة برفع الحظر وضمان نقل الأموال إلى الخزينة العامة.
وأضاف أن الأموال المنهوبة هي أموال عامة مختلسة أو أموال خاصة انتزعت من أصحابها وجرى تهريبها عبر شركات وهمية وأسماء مستعارة، ويتطلب استردادها تتبعاً مالياً وتحريك دعاوى فساد وكسب غير مشروع وتفعيل آليات “المساعدة القانونية المتبادلة” وصولاً إلى أحكام مصادرة نهائية.
ملف وطني موحد
وأكد حمو أن “بناء ملف وطني موحد يوثق ويحصر قيمة الأصول السورية في الخارج وأماكن وجودها، يقوي الموقف القانوني والدبلوماسي لسوريا ويمنع تشتت الجهود أمام المحاكم الدولية والجهات الدبلوماسية”، من خلال قاعدة بيانات موثقة تثبت الاختلاس والفساد وتسهل تفعيل اتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة.
وأشار إلى أن الملف الموحد يسرع إجراءات الاسترداد ويوجه الجهود نحو الدول والمصارف التي تحتفظ بالأموال، ويتيح تقديم طلبات مكتملة البيانات إلى الجهات الأجنبية والمؤسسات المالية، كما يوفر للحكومة أرقاماً يمكن الاستناد إليها في التخطيط المالي ومشروعات التعافي.
ويرى حمو أن تكامل الأدوار بين القضاء ووزارتي الخارجية والداخلية والهيئات الرقابية ومصرف سوريا المركزي والسلطة التشريعية يحول الملف إلى منظومة وطنية تبدأ بتطوير التشريعات الخاصة بمكافحة الفساد واسترداد الأموال وحماية الشهود، وتمر بالتتبع المالي ورصد التحويلات المشبوهة والتدقيق في حسابات المؤسسات السابقة، وتنتهي بالعمل الدبلوماسي مع الحكومات الأجنبية.
ويؤكد أن وزارة الخارجية والمغتربين تؤدي دوراً مركزياً في المفاوضات المتعلقة برفع الحظر عن أموال الدولة المجمدة واستردادها وفق الأطر القانونية، فيما تتولى الجهات القضائية والرقابية إعداد الملفات المتعلقة بالأموال التي تحتاج إلى إثبات مصدرها ومسار انتقالها.
فرنسا ومسار الاسترداد الأول
وتقدم فرنسا نموذجاً عملياً للمسار الذي تعمل عليه دمشق، فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته سوريا في 7 تموز الماضي، استعداد بلاده لإعادة أكثر من 50 مليون يورو تمثل كسباً غير مشروع لأحد أفراد أسرة النظام المخلوع، بعد توقيع “إعلان نوايا” بين وزير الخارجية والمغتربين ونظيره الفرنسي بشأن الأموال التي نهبها رفعت الأسد.
وسبق ذلك كشف صحيفة “ذا ناشيونال” في شباط الماضي عن مباحثات سورية فرنسية لنقل 32 مليون يورو إلى سوريا من عائدات أصول مصادرة في فرنسا تعود إلى رفعت الأسد.
ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي فرنسي قوله: “إن الفكرة هي أن الأموال التي سُرقت على يد نظام فاسد يجب أن تعود إلى الشعب الذي سُرقت منه”، موضحاً أن الأموال ستوجه إلى مشروعات تنموية يتم الاتفاق عليها مع السلطات السورية.
وبدأت المباحثات خلال زيارة وفد سوري إلى باريس برئاسة نائب وزير العدل مصطفى القاسم والنائب العام حسان يوسف التربة، وقال القاسم للصحيفة: “إن الحكومة الفرنسية تريد إعادة الأموال المصادَرة إلى سوريا لتعود بالفائدة على إعادة الإعمار أو على الأقل البنية التحتية الأساسية”.
وكان القضاء الفرنسي قد أدان رفعت الأسد عام 2022 في قضايا تتعلق باختلاس أموال عامة سورية واستخدامها لبناء ممتلكات عقارية في أوروبا، وقدرت أصوله في فرنسا بنحو 90 مليون يورو، إلى جانب عقارات في بريطانيا وإسبانيا، فيما أفاد ممثل لوزارة العدل الفرنسية بأن أصولاً بقيمة 47 مليون يورو بيعت حتى ذلك الوقت بموجب أحكام قضائية.
وتشير التحقيقات الأوروبية إلى امتداد ممتلكات رفعت الأسد بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، في وقت تتحدث تقارير أميركية وأوروبية عن أصول أوسع مرتبطة بعائلة الأسد موزعة بين شركات وحسابات وأملاك في دول عدة.
أصول موزعة في دول عدة
وتعود عملية تجميد جزء من الأصول السورية في أوروبا إلى العقوبات التي فرضت منذ عام 2011 على مؤسسات وشخصيات مرتبطة بالنظام المخلوع، وشملت تجميد أصول وحظر سفر وقيوداً مالية.
وتشير تقارير إلى وجود نحو 99 مليون فرنك سويسري من الأصول السورية المجمدة في سويسرا، وما يقارب 163.2 مليون جنيه إسترليني في المملكة المتحدة، إلى جانب أموال وأصول في فرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا ودول أخرى، مع تفاوت مستوى وضوح البيانات المتاحة بشأن قيمتها وملكيتها.
كما توجد أصول سورية خضعت لإجراءات تجميد في الولايات المتحدة، حيث يدير مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الملفات المرتبطة بالعقوبات، إضافة إلى أصول في تركيا ودول عربية، فيما تتحدث تقارير عن أموال سورية موجودة في مصارف لبنانية وبحرينية، من بينها أرصدة مرتبطة بمؤسسات مصرفية سورية.
وتشمل هذه الأصول حسابات مصرفية واستثمارات وعقارات مرتبطة بالدولة أو بأشخاص وكيانات من عائلة الأسد وشبكاتها الاقتصادية، الأمر الذي يجعل الفصل بين المال العام المجمد والأموال الخاصة المنهوبة ضرورة قانونية تسبق إجراءات الاسترداد.
ويرى مراقبون أن نجاح سوريا في استعادة هذه الأموال يتوقف على دقة الملفات المقدمة إلى الدول المعنية، وقدرة المؤسسات السورية على إثبات الملكية أو الجريمة الأصلية التي أنتجت الأموال، والتزام الإجراءات القضائية المطلوبة، إلى جانب استمرار التعاون مع المؤسسات الدولية.
وكان البرلمان الأوروبي قد أقر مشروع قرار يسمح باستخدام الأصول السورية المجمدة لدعم الانتقال السياسي وإعادة الإعمار، بما يفتح المجال أمام توجيه موارد إلى قطاعات مثل الطاقة والمياه والصحة، أو إلى برامج لتعويض المتضررين، ضمن آليات قانونية ورقابية واضحة.
ويضع ملف استرداد الأموال السورية الدولة أمام عملية طويلة متعددة المسارات لا تختصر بالمطالبة السياسية، إذ تبدأ بحصر الأصول وتوثيق مصادرها ومسارات انتقالها، وتمر بإعداد ملفات قضائية ومالية قابلة للتداول دولياً، وتحتاج إلى تعاون مع الدول التي تحتفظ بالأموال والمصارف والجهات الأممية المختصة.
ومع تأسيس مكتب لاسترداد الأصول، وتوسيع قاعدة البيانات، والمشاركة في شبكات التعاون الدولية، وبدء تفاهمات فعلية مع فرنسا، يتجه الملف نحو بناء مسار مؤسساتي يمكن أن يحول استرداد الأموال من عنوان سياسي إلى عملية قانونية ومالية متدرجة.
راغب العطيه
المصدر: الثورة السورية
