تصنيف ائتماني مرتفع للسعودية رغم الاضطرابات

زمن القراءة: 5 دقائق

ثبتت وكالة فيتش الدولية في تقريرها الأخير تصنيف المملكة العربية السعودية الائتماني عند مستوى A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة، ما سلط الضوء على الأسباب التي تقف وراء ذلك رغم الأوضاع الاقتصادية الضاغطة في ظل استمرار تداعيات الحرب الإيرانية على المنطقة. وأبرزت الوكالة أن المصدات الاحتياطية الضخمة وانخفاض نسبة الدين الحكومي مقارنة بالمتوسطات العالمية يشكلان جدار حماية صلبا يضمن استقرار المالية العامة السعودية، مشيرة إلى أن تصنيف المملكة الائتماني يؤكد قدرتها على تحييد المخاطر الخارجية وتدفقات الطاقة الرئيسية.

ويحمل تثبيت التصنيف الائتماني عند مستوى مرتفع دلالات جوهرية تعكس الثقة الدولية العميقة في الاقتصاد السعودي، وتضمن خفض تكلفة التمويل والاقتراض للشركات والمؤسسات السيادية في الأسواق العالمية، كما يؤكد التقرير جدارة الموقف المالي لصندوق الاستثمارات العامة السعودي وفعالية حوكمته في قيادة تنويع مصادر الدخل وزيادة الجاذبية الاستثمارية للمملكة، ما يرسخ مكانة الرياض مركزاً اقتصادياً مستقراً وموثوقاً في بيئة إقليمية مضطربة، بحسب تقرير نشرته “بلومبيرغ”.

يشير الخبير الاقتصادي، أسامة ألتنجي، في حديث لـ “العربي الجديد”، إلى أن قرار “فيتش” يعد رسالة واضحة للأسواق العالمية مفادها أن الاقتصاد السعودي اكتسب قدرة أعلى على امتصاص الصدمات الجيوسياسية مقارنة بالسنوات السابقة، ويأتي هذا التقييم الإيجابي في بيئة شديدة التعقيد والتحديات، حيث تسببت الحرب الإقليمية في اضطرابات حادة لحركة الملاحة وسلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز، غير أن هذه المخاطر لم تنعكس سلباً على التصنيف السعودي لعدة أسباب جوهرية، حسب تقدير ألتنجي، أبرزها تحول المملكة من الاعتماد الكلي على التدفقات النقدية النفطية الشهرية إلى الاعتماد على قوة الميزانية والاحتياطيات الأجنبية الضخمة التي من المتوقع أن تبقى عند مستوى 11.6% من المدفوعات الخارجية خلال عام 2026، ما يوفر وسائل مالية مساندة داخلية وخارجية لمواجهة الصدمات الكبيرة.

وتتمتع المملكة بمساحة مناورة مالية مهمة بسبب انخفاض نسبة الدين الحكومي الذي بلغ حوالي 31.8% من الناتج المحلي في عام 2025، مع توقعات بارتفاع طفيف إلى 32.1% في عام 2026، وهي نسبة تمنح الدولة قدرة كبيرة على الاقتراض وتمويل احتياجاتها وامتصاص الصدمات دون الوقوع في ضغوط مالية حادة، وهو ما تبحث عنه وكالات التصنيف عند تقييم الجدارة الائتمانية، بحسب ألتنجي.

كما ساهم التنوع الاقتصادي المتنامي، بحسب ألتنجي، في تعزيز مرونة المملكة، حيث نما الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 4.2% في عام 2025 مدفوعا بنشاط قوي في قطاعات السياحة والبناء والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والترفيه والخدمات المالية والمشاريع الكبرى المرتبطة برؤية 2030.

وفي سياق الأزمة، تحول النفط من نقطة ضعف محتملة إلى سلاح حماية، بحسب ألتنجي، موضحاً أن ارتفاع أسعار الطاقة عوض جزئيا عن انخفاض أحجام الصادرات، ما ساهم في توليد إيرادات نفطية إضافية في عام 2026.

يشير أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير التركية، فراش شعبو، في حديث لـ “العربي الجديد”، إلى أن الاقتصاد السعودي انتقل من مرحلة الاعتماد الكلي على إيرادات النفط إلى نموذج اقتصادي أكثر تعقيدا ومتانة، يتميز بامتلاك أصول مالية ضخمة وبنية تمويلية قوية وتنوع اقتصادي غير نفطي يتنامى تدريجيا، ما جعل الصدمات النفطية والجيوسياسية أقل تأثيرا على الاستقرار المالي للدولة.

وساهمت الاستثمارات الاستراتيجية في البنية التحتية، مثل إنشاء ممرات شحن وأنابيب نفطية تربط مناطق الإنتاج بموانئ البحر الأحمر، في تعزيز مرونة الصادرات وتجاوز مخاطر إغلاق مضيق هرمز، وهو ما انعكس إيجابا على ثقة وكالات التصنيف الائتماني التي حافظت على تصنيف المملكة عند مستوى “A+” مع نظرة مستقبلية مستقرة، رغم التحديات الإقليمية، كما يوضح شعبو.

لكن الحفاظ على التصنيف الائتماني لا يعني أن الاقتصاد السعودي لم يتأثر بالتوترات، بل يعكس، بحسب شعبو، قدرة الدولة الفائقة على امتصاص الصدمات دون المساس بجدارتها الائتمانية وذلك بفضل عدة عوامل أبرزها حجم الموازنة العامة الكبير وتنوع مصادر الإيرادات بعيدا عن النفط، وانخفاض نسبة الدين العام مقارنة بالأصول السيادية الضخمة، ما يمنح المملكة قدرة عالية على الاقتراض عند الضرورة دون أن تصبح خدمة الدين عبئا ثقيلاً، فالنظام المصرفي السعودي يتمتع بقوة استثنائية مدعومة برأس مال قوي ونسبة متدنية للقروض المتعثرة، ولم تُسجل أي مشاكل سيولة أو حاجة لدعم استثنائي من البنك المركزي خلال الأزمات الأخيرة، ما يعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية في قدرة النظام على سداد التزاماته واستقراره الداخلي، وفق تقدير شعبو.

كريم رمضان

المصدر: العربي الجديد

آخر الأخبار